للحديث عن الأزهار والورود في السينما تلزمني جولات من "التداعي"

January 25, 2026

لماذا أكتب عن الزهور في السينما؟ 

إنها الرابعة صباحًا، الهواء بارد تنعدم فيه أية رائحة. في الأيام القليلة الماضية، أخذ الخريف يشتد عوده؛ تتعرى الأشجار من أوراقها، وتفقد السماء زرقتها الباسمة بالتدريج. تغمق السماء ومعها ألوان الملابس، تتكتل السحب وتتكثف معها طبقات الملابس. ذكرى الربيع بعيدة، ومشهد زهر اللوز سحيق. ربما يكون هذا أحد الأسباب. 

وربما أيضًا أكتب عن الزهور في الأفلام، كما أكتب نصوصي عادة، في إثر تداعيات شتى، تلتقي وتصب في الموضوع. وإخلاصًا مني للتداعي، سيكون هذا النص حرًّا متداعيًا، حتى لتحسب أنه ليس جسدًا واحدًا، أو لعل التداعي يبث في مسام النص وحدة وتناغمًا؟

مؤخرًا، عزفت بقرار واعٍ عن قراءة الفلسفة بنصوصها الملغمة بالجدل وأفكارها المركبة وسعيها الدائم للنسقية. جاء هذا القرار بعد محادثات مطولة مع صديقة مقربة نتبادل فيها الخواطر والتأملات. نتأمل الحياة بمجرياتها وكيف تسخر منا، وكيف نستطيع بدورنا أن نسخر منها ونرد الإساءة. كما نتلمس في أحاديثنا العزاءات التي قد نكتريها من الحياة لنضيء بها ليالينا الحالكة. وبعد عدد لا بأس به من هذه المحادثات، لاحظت أنها بدأت تتخذ قالبًا محددًا: تبدأ المحادثة بمشاركة صديقتي لخاطرة ما، ثم أشرع أنا في التعليق والتفنيد. 

تستطيع صديقتي استلهام خواطرها عن الحياة من الأشياء العادية والأمور الوسَطِ، وسْطَ صخب الحياة اليومية، بينما لا تباغتني الأفكار إلا في كنف الصمت المطبق أو في رحاب الضوضاء الصارخة. تستقي صديقتي من العادي واليومي، بينما أحتاج أن أذهب إلى حدود الأشياء ومنتهاها حتى أجلب معي شيئًا يستحق التدوين. 

وجدتني دائمًا أعيش على بعد مسافة من الأشياء، بينما تتماهى صديقتي مع كل ما حولها. وجدت نفسي عاجزًا عن تلقي الأشياء البسيطة تلقيًا مباشرًا دون الحاجة إلى وضعها في نسقٍ ناظمٍ يربطها بأشياء أكبر ويصلها بمعانٍ أشمل. على النقيض، وجدت صديقتي أقدرَ على القبض على الخواطر العابرة وملامسة هذه الأشياء البسيطة وتلقيها دون طبقات وتعقيد أكثر من اللازم؛ فهي تملك نظرةً عذراء قابلة للاندهاش دومًا، ولا تحاول أن تغزل خيوطًا تربط الاندهاش بمعنى أكبر، فلربما يكون المعنى في الاندهاش نفسه. 

قد يكون للدراسة أثر بالغ في التفاوت بين نظرتينا، فهي تدرس الجيولوجيا وعلوم البيئة، وتجري أبحاثًا بصفة مستمرة على أنواع مختلفة ونادرة من الصخور. تخرج إلى الجبال وتسافر إلى أنهار بعينها من أجل الحصول على عينة ما تضعها تحت مجهرها. أما أنا فأتيه بين التباديل والتوافيق ودراسة الخوارزميات والمنطق، لذا دائمًا ما أكون حريصًا على المنطق الصارم، ودائمًا ما أسأل: وماذا بعد؟

هاجرت من عالم الفلسفة الجاف إلى دنيا الطبيعة النضرة. بدأت أقرأ عن النباتات: ويا لها من كائنات مذهلة! فهي تدرك وترى وتسمع وتشم وتقوم بنفس الوظائف الحيوية التي نقوم بها تقريبًا، ولكن ليس على نفس المنوال. فالنباتات لا تملك جهازًا عصبيًّا مركزيًّا ينظم الإشارات العصبية ثم يترجمها بشكل آلي إلى أفعال، إلا أنها تؤدي الغرض الأسمى من الوظائف الحيوية لأي كائن حي: البقاء والنجاة. والمذهل أنها نجاة في نفس الموضع، إذ لا يغير النبات مكانه، ولا ينتقل جذره، إنما قد يلتف جذعه وفقًا لما تمليه عليه الضرورة، إذا حال بينه وبين أشعة الشمس حائل ما. ولأن كل فعل نباتي هو بالضرورة بدائي غريزي، وكل ما هو غريزي هو "الحقيقة" متمثّلة، سأحاول محاكاة النباتات بتغييب جهازي العصبي المركزي، والكتابة بعقل نصف غائب يقتفي أثر التداعي، لعلي ألامس الهدف الأسمى لأي نص: اجتراح جزء من المعنى، أو الوصول إلى "الفهوانية" كما يقول المتصوفة.

ولمعالجة مشكلة أني أعيش الأمور دومًا من على بعد مسافة، بدأت كذلك في قراءة شعر الهايكو بكثافة؛ لما يمتاز به من تماهيه مع اللحظة ومحاولة استشفافها بكلمات معدودة. وجدت للزهور حضورًا بارزًا في قصائد الهايكو، وهو ما ذكرني -بتداعٍ جميل- بواحدة من قصائدي المفضلة لمحمود درويش: لوصف زهر اللوز. أعدت قراءتها منذ أيام، وشعرت كأني أقرأها لأول مرة. وجدت درويش يحثني على الكتابة الثملة، اللاواعية؛ بوصفها السبيل الوحيد للإمساك بالخواطر العابرة والقبض على جزء من المعنى:

«لوصف زهر اللوز تلزمني زيارات إلى اللاوعي 

ترشدني إلى أسماء عاطفة معلقة على الأشجار. ما اسمه؟

ما اسم هذا الشيء في شعرية اللاشيء».

فإذا بالهايكو يقودني إلى عباس كيارستمي، الذي كتب شعرًا فارسيًّا على نهج الهايكو الياباني، وهو الذي يعد أيضًا سادِن توظيف الزهور في السينما. ومن التأمل في زهور كيارستمي، وصلنا إلى موضوعنا: الزهور في الأفلام. 

«أين منزل صديقي؟ ,1987»: في مديح البراءة

لا يحل علينا كيارستمي ضيفًا مفاجئًا، كما أوضحنا، بل هو صاحب المقامِ والحظوة عند التأمل في استخدام الزهور في السينما. في الكثير من أفلام كيارستمي، وبالأخص في أفلام مثل: «عبر أشجار الزيتون»، «لقطة مقربة»، تحضر الزهور حضورًا له ثقله الدرامي والشعوري؛ إذ تمثل الزهور جزءًا أصيلًا من رؤيته الفنية والجمالية. ولهذا حريّ بنا أن نتساءل: أي تجربة للمعنى تدعونا إليها سينما كيارستمي؟ أي عزاء تخطّه أقدام أبطاله؟ وأي نظرة للحياة تجترحها عدسته؟ 

تمتاز سينما كيارستمي بالواقعية، غير أنها ليست واقعية اجتماعية كتلك التي ميزت السينما الإيطالية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، إنما واقعية جمالية. وعكس معظم مخرجي السينما الإيرانية الكبار أيضًا، يمتنّع كيارستمي عامدًا عن تسييس أفلامه. لقد كان كيارستمي بلا شك مخرجًا كبيرًا ومصورًا مذهلًا وشاعرًا مهمًّا في موجة الشعر الفارسي الحديثة، بيد أنه لم يحاول أبدًا أن يستبد بنظرة مشاهديه ويوجه أعينهم نحو قضية بعينها، إنما آثر دومًا البحث عن المعنى عبر عدسته الوثائقية الحميمة التي تنضح بالحب، وعبر واقعيته الجمالية التي تروم رتق جرح الوجود من خلال نظرة عذراء تحافظ دومًا على براءة الدهشة. يجسد كيارستمي هذه النظرة اليانعة من خلال عيون أبطاله الأطفال. 

تدور قصة «أين منزل صديقي؟» حول الطفل أحمد الذي يعتزم إعادة كراسة صديقه محمد رضا بعد أن أخذها معه بالخطأ. يورطنا كيارستمي أخلاقيًّا مع أحمد؛ حيث يبدأ الفيلم بمشهد للمدرس الصارم وهو يوبّخ محمد رضا بسبب تكرار إهماله في عدم قيامه بالواجب المنزلي، ويحذره من تكرار ذلك مرة أخرى، وإلا ستكون عقوبته الطرد من المدرسة. كما يورطنا أخلاقيًّا تجاه أحمد نفسه حين نعلم أن محمد رضا لا يعيش في نفس قريته، وأن طريقه إلى منزل صديقه لن يكون نزهة. 

ومن ثم يرينا كيارستمي أحمد في بداية رحلته، وهو يصعد ذلك الطريق المتعرج، والذي تقطن في أعلاه شجرة أثيثة، في تناص بصري مع المنمنمات الفارسية، وهو موضوع يستحق الدراسة. لعل «مقام الرحلة» -أو «مقام السفر» كما يسميه ابن عربي- هو مقام أبطال كيارستمي دائمًا. يتخذ كيارستمي من رحلات أبطاله مطية حتى تتجول كاميراه لتوثيق تفاصيل هذا السفر بكل ما تنطوي عليه من معاني. 

ينطلق أحمد في رحلته ونتبعه محملين بمسئولية أخلاقية مضاعفة: مسؤولية تجاهه وتجاه صديقه. يعصي أحمد أوامر الكبار في عائلته، الذين لا يدركون حجم المسئولية الملقاة على عاتقه، ويقرر خوض الرحلة رغم تحذيراتهم. يخوض رحلة طويلة ومحيرة، نراه يمر بنفس الأماكن عدة مرات؛ إلا أنك لا تنزل نفس النهر مرتين. يطلب مساعدة العديد من البالغين الذين لا يبالون، عدا شيخ واحد يخرج معه ليساعده في إيجاد منزل صديقه. في أثناء بحثهما، يريه الشيخ الأبواب والنوافذ التي أبدعها في شبابه، وكيف تظهر متألقة وهي تخترقها الأضواء أثناء الليل. كما يهديه الشيخ زهرة صغيرة.

في مشهد النهاية، ندخل إلى الفصل مع المدرس الصارم، نعلم بغياب أحمد فيرتفع مستوى التوتر لدينا. ندرك ما هو على المحك: مستقبل طفل بريء قد يضيع بسبب إهمال البالغين. يبدأ المدرس في تقييم الواجب المنزلي، ويحاول محمد رضا بلا جدوى أن يفتش عن كراسته. يتملكه الرعب ويتملكنا معه. نراه على شفا البكاء فنبكي له. ثم يحضر أحمد متأخرًّا إلى الفصل، ويبشر صديقه بأنه يملك كراسته، وقد قام بواجبه المنزلي حتى يجنبه العقاب. وعندما يبدأ المدرس في تقييم محمد رضا، مقلبًّا في كراسته، نرى زهيرة الأقحوان مضغوطة بين الورقات، وينهي كيارستمي فيلمه على هذه الصورة التي تطفر لها الدموع. 

هذه الزهرة هي هدية الشيخ لأحمد، وهدية أحمد لصديقه، وهدية كيارستمي لنا. زهرة تمثل الجمال والبراءة والتضحية. زهرة تشد بإحكام الخيط الواصل بين الأخلاق والجمال. 

«بالتازار، 1966»: ومن أحق من القديس الحمار بتاج من الزهور؟ 

تدور أحداث الفيلم عن الحمار بالتازار من طفولته حتى موته. نتبعه وهو ينتقل من يد مالك إلى آخر، وما يكشفه في كل مرحلة عن طوية مالكه؛ يعامله القليل برفق، والأغلب بقسوة. بالتازار مرآة تتكشف فيها خطايا البشر ناصعة مزلزلة، من العنف غير المبرر إلى الجشع غير المفهوم. 

في مقدمة بديعة، تنزل العناوين على خلفية صخرية مصحوبة بإحدى مقطوعات السوناتا الأكثر شجنًا لشوبرت، ثم يقطع نهيق بالتازار شجن الموسيقى لوهلة، قبل أن نعود إليها مرة ثانية. تنتهي المقدمة على رنين أجراس قطيع من الأغنام، ونبدأ الفيلم على لقطة مقربة لبالتازار وهو يلتقم ثدي أمه. تدخل إلى الإطار يد طفلة تتحسس شعر بالتازار الخشن الكثيف. وهنا يجب الإشارة إلى تناقض ملغز في أفلام بريسون؛ إذ ربما يكون واحدًا من أكثر المخرجين حسية، أي يخاطب الحواس مباشرة: نشعر بملمس كل شيء تقريبًا ناعمًا كان أم خشنًا، نسمع الأصوات كما لا نسمعها في أي فيلم آخر، وتشع لقطاته المقربة القليلة حميميةً مفرطة. يُشرك بريسون حواسك كلها، ويغمسها في الحدث الذي يحدث أمامك، ومع ذلك يبقيك على مسافة معقولة مما تشاهده، يبقيك خارج الفيلم حتى تتأمله؛ وهل أكبر من ذلك إنجاز لأي مخرج؟

تصبح يد هذه الطفلة هي أول يد تتملّك بالتازار، وعن طريقها يصل إلى ماري، أكثر من يحنو عليه، بل وأكثر من ذلك تعد المعادل الدرامي لحياته، كما أشار بريسون إلى ذلك.

في المشهد التالي، وببراءة الأطفال، يقوم جاك بمساعدة ماري وأخته بتعميد بالتازار، بماء ليس مقدسًا. ومن هنا تبدأ رحلة قداسة بالتازار. 

للحمار مركزية خاصة في التراث المسيحي؛ فلقد دخل المسيح القدس في أحد الشعانين على حمار، وتمت الرحلة إلى مصر هروبًا من الملك هيرودس الذي أراد قتل المسيح على حمار. هذا من جانب الرمزية والتراث. وكذلك يكتسب بالتازار قداسته من حياته الشاقّة: يعامله ملّاكه بقسوة مفرطة، يحمّلونه فوق طاقته أضعافًا مضاعفة، يضربونه بالسوط إلى أن يتشقق جلده؛ ولا نرى في عيونه سوى تساؤل فطري: لمَ هذه المعاملة؟

ثمة صلة وطيدة بين القداسة والمعاناة. لا قداسة إلا عبر بوابة المعاناة، ولكن ليست كل معاناة تفضي إلى القداسة، إذ يجب أن تعظُمَ المعاناة وتشتد. تكتسب المعاناة صفة القداسة لا حين ترفض أن تتأوه ألمًا، بل حين يعجز التأوه أن يقول شيئًا عنها، حين تصبح أكبر من الكلمة ولا يستطيع أن يقرّها لسان، فتنطوي في الصمت.

ومن مناقب الفيلم أن بريسون لم يسع في أي لحظة إلى أنسنة بالتازار؛ إذ يدرك أن الأنسنة إهانة لطبيعة الكائن الماثل أمامنا، ويدرك أيضًا أنه ليس ثمة إنسان يطيق ما يتحمله بالتازار في صمت. انتهى زمن القديسين. وحده الحمار يقدر على المعاناة الصامتة، وحده الحمار يستطيع أن يصبح قديسًا في زمننا هذا. 

ووحده القديس يستحق تاجًا من الزهور، فتقلّده إياه ماري، ثم تقبّله بحنو شديد وهي تحتضنه، في واحدة من أكثر الصور السينمائية رقة وتأثيرًا. وليس ثمة من فارق بين تاج الزهور وتاج الأشواك، هذا الأول الذي تقلده بالتازار ليعلن نهاية الفصل الجميل في حياته وبداية مأساته، حيث سيعاني من عنف مدقع، وذاك الثاني الذي تقلده المسيح قبل أن يصلب. لا ورد بلا شوك، فهما من نبت واحد، أو كما غنى محمد منير: «تحت الورود نايمة الأشواك». 

ينتهي الفيلم بمشهد حزين لوفاة بالتازار بعد أن يتلقّى رصاصةً أثناء عملية تهريب يستخدمه فيها ملّاكه. تنتهي معاناة بالتازار مثلما بدأت: وسط رنين أجراس قطيع من الأغنام يلتفون حوله، ثم تدخل سوناتا شوبرت مرة أخرى بعد أن صاحبت كل فصول معاناته. 

إنها السادسة والنصف صباحًا تقريبًا. هل أكتب حقًّا عن الزهور في السينما؟ لا يبدو ذلك. كما لا يبدو أني تركت التفحيص والتمحيص على عتبة النص. ربما أنني أكثر هشاشة من الانصياع التام للاوعي، وهو أمر -لو تعلمون- مخيف. هناك فقرات تبدو فيها اللغة أشد نصوعًا وأكثر ذوبانًا في اللحظة، لكن الرصاصة التحليلية لا تزال في جيبي. عمّا أكتب إذن؟ هل الزهور مجرد حجة حتى أكسر صيامي عن الكتابة بعد أن غادرني لأول مرة منذ مدة طويلة الإحساسُ المميت بعدم جدوى الكلام؛ أي نوع من الكلام؟ ربما.. ربما.. وربما نوع من الزهر.

«أحلى الأوقات، 2004»: هل الورد ترف أم ضرورة؟

فيلم نسائي رقيق، نَضِرٌ صورةً وأسلوبًا. يبدأ الفيلم بوفاة نجوى (مها أبو عوف) والدة سلمى (حنان ترك)، ثم تتداعى في إثر هذا الحدث علاقات إنسانية كثيرة: بين حب وزواج وصداقة وأبوّة. يتأمل الفيلم كيف تؤثر تداعيات الحاضر على الماضي، وكيف يمكن لحدث واحد أن تتشظى تبعاته مجبرة راشدين كثرًا على إعادة تعريف علاقتهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم.

يعدّ الفيلم أول أفلام المخرجة هالة خليل، ومن كتابة وسام سليمان، شريكة حياة محمد خان في الهزيع الأخير من حياته. قال غودار إنه لا يمكن لعلاقة بين اثنين لا يحبان نفس الأفلام أن تستمر؛ وعلى هذا، يمكن القول باطمئنان إن زواج خان ووسام سليمان كان منيعًا حصينًا، فالمشاهد للفيلم يلحظ ملامح خان في كثير من ملامحه: فيلم طريق في كثير من مشاهده، معنيٌّ بتوثيقِ اللحظة وتفاصيل الشارع وشكل الحياة، من الملابس والطعام إلى ديكور البيوت والهواتف المحمولة. وهو كذلك فيلمٌ يبحث عن الهامش الشعري للواقع، أو العزاءات البسيطة التي ننتزِعها من بين أنياب الحياة لنضمّد بها أرواحنا: رحلة خاطفة إلى الإسكندرية، أكلة كشري بذكريات المراهقة الطائشة مع أصدقاء المدرسة. من منا لا يشتاق إلى أصدقاء المدرسة؟

وفي الفيلم أيضًا ثمة تداعٍ اجتماعيّ، وذلك في عودة سلمى من المعادي إلى شبرا، أي من الطبقة الوسطى العليا إلى الطبقة الوسطى الشعبية، وما يجرّه ذلك من تأمل في كيفية تأثير الوضع الاجتماعي على رؤية الأشخاص للعالم، وللمشاعر الإنسانية: فكيف يكون الحب في هذه الطبقة الوسطى الشعبية؟ 

«أنا عايزة ورد يا إبراهيم» جملة تقولها يُسرية (هند صبري) لزوجها إبراهيم (خالد صالح)، وكأنها تطلب منه الحب، أو بالأحرى أن يُظهرَ لها حبه. مثل أغلب علاقات زواج هذه الطبقة، حيث تقلّ مشاهد الحب ومظاهر تقديمه بين الزوجين مع كِبَر الأطفال وازدياد الهموم والمشاغل: لا وقت فراغ بين العمل وأشغال البيت، لا فائض طاقة لبذل جهد في أمر إضافي، أي مال قد ينفق في إظهار الحب عبر هدية أو باقة ورد، فالأولاد أولى به.

يدرك هؤلاء المطحونون ماهية الحب وأنه قد يكون أسمى المشاعر والتجارب الإنسانية. وخير دليل على ذلك حين تسأل يسرية متعجبةً: «معقولة يا إبراهيم حد يفضل يحب حد، مبيشوفوش ولا يعرف عنه حاجة لمدة أربعطعشر سنة؟» فيجيب إبراهيم بتلقائية: «الحب من غير أمل أسمى معاني الحاجات يا يسرية»، إنما، وبرغم فهمه العميق للحب، يتعجب إبراهيم حين تطلب منه يسرية الورد. 

ربما قال إبراهيم هذه الجملة بنوع من السخرية، ولكن لا يسخر المرء إلا عندما يقول الحقيقة التي يعلمها الجميع ولا يُعلِنها أحد: الحب بدون أمل هو حقًّا أسمى معاني الأشياء، والسخرية في لبها تجرؤ على الحقيقة.

ثم نصل إلى مشهد النهاية، وبعد أن تُغيِّر مجريات الفيلم شيئًا من نظرته تجاهَ العالم، نرى إبراهيم يحمل ابنته على ذراع، وفي ذراعه الأخرى باقة ورد، ثم نجده -بروح مصرية أصيلة- يعجز عن مقاومة رائحة الكباب، ويقرّر أنه لا ضيرَ في أن تُقدم الورود مصحوبةً بكباب وكفتة: «زيادة الخير خيرين». 

«فرانكي وجوني ,1991»: الصباح يشرق ويدعونا إلى الحلم

في نيويورك يتقاطع مصير جوني (أل باتشينو) الخارج لتوه من السجن، مع فرانكي (ميشيل فايفر) التي تعمل نادلة في أحد المطاعم الصغيرة. يبدأ جوني في البحث عن وظيفة، ثم يقوده إعلان منشور في الجريدة إلى نفس المطعم الذي تعمل به فرانكي. يبدأ عمله كطباخ، مستفيدًا من خبرته في السجن؛ إذ كان أمهرَ طباخ هناك.

موقف موتورٌ يشكل شرارة أول تواصل إنساني مباشر بينهما. يسقط أحد مرضى الصرع على أرض المطعم إثرَ نوبة، وتتضافر جهودهما من أجل التعامل مع الموقف بأفضل طريقة ممكنة، خصوصًا أن معظم زبائن المطعم من كبار السن. يستغل جوني الفرصة ويبدأ بالملاطفة وإبداء إعجابه على خجل، مستفيدًا من مصادفة تشابه اسميهما مع اسميْ الحبيبين من أغنية «سام كوك» الشهيرة: فرانكي وجوني. ثم، ورغم التوتر أو ربما بسببه، يدعوها إلى الخروج معه في موعد غرامي، لكن فرانكي ترفض.

تحضر فرانكي جنازة هيلين النادلة السابقة في المطعم. يفاجئها حضور جوني، ثم يفاجئها أكثر بكاؤه. تسأله فرانكي في اليوم التالي عن سبب بكائه؛ فهو لم يقابل هيلين قط. يجيب بأنه لا يجب أن يكون الإنسان على صلة وثيقة بإنسان آخر حتى يبكي من أجله، وأن هذا يسمى التعاطف (Empathy)، ثم يعرّف لها التعاطفَ كما قرأه في القاموس. ذلك أنه يتعلّم كلمة جديدة كل يوم ريثما يحلق ذقنه، في إيماءة جميلة عن أهمية الاستمرارية وما تصنعه من فارق على المدى البعيد مهما كان الجهد ضئيلًا. 

بالتدريج تسقط حصون فرانكي الدفاعية. تخشى فرانكي إعطاء جوني فرصةً بسبب تجاربها السيئة الكثيرة مع الرجال. لا مكان لندبة جديدة. لكن بإصراره وجهده الملموس، ينجح جوني في الحصول على موعدٍ غرامي معها، ليكون رفيقها إلى حفلة ينظمها أحد العمال السابقين في المطعم. 

بعد الحفلة، يصطحبها جوني إلى واحد من أماكنه المفضلة: سوق كبير للزهور. يتجولان هناك على مهل، وفي كل خطوة يخطوانها يتكشّف جرحٌ من جروح الماضي. تدعوهما عجوز بلطافة لشراء زهرة رقيقة تزين بها فرانكي معطفها. يفشل جوني في تثبيت الزهرة، فتدرك فرانكي أنه لم يحضر يومًا حفلات نهاية العام الدراسي كسائر الشباب.

يتوقفان أثناء تجولهما في السوق لمناقشة عمّ إذا كان من الأفضل أن يذهبا سويًّا إلى شقة فرانكي. تبتعد الكاميرا، ويختفي الصوت. لسان حال جوني: ما عساي أن أفعل حتى أحظى بقبلة؟ يقتربان رويدًا رويدًا. تحتد النظرات، تتأجّج الرغبات، ويستعر الشبق. ثم تحدث واحدة من أكثر قبلات السينما سحرًا، إذ فور أن تبدأ القبلة، تنفتح خلفهما شاحنة مليئة بالزهور من كل لون.

ورغم نجاح الموعد الأول، تعود فرانكي إلى حصونها القديمة عندما يحاول جوني التقدم بالعلاقة إلى طور أكثر جدية واستقرارًا. وبعد مد وجزر، نصل إلى المشهد الأخير الذي يحمل مواجهة مؤلمة لما تتركه أظافر الزمن في جلودنا من علامات، وما تخلّفه مطارقُ الدهر في أرواحنا من نتوءات. 

ينتهي الفيلم على مشهد مفعم بالأمل: يفرش الاثنان أسنانهما أمام النافذة، على مرأى من أشعة الشروق الدافئة، وعلى مسمع من أنغام مقطوعة «ضوء القمر» لـ«ديبوسي». دعوة إلى الالتئام والتسامح؛ أن نسامح أنفسنا والعالم، لعل الضوء الدافئ يتسلل إلى أرواحنا كما يتسلل عبر النوافذ.

إنها الثامنة صباحًا، عم يتمحور النص حقًا؟

لا يتمحور النص حول الزهور في السينما بالشكل الذي يوحي إليه سؤال المقدمة. ربما اتخذت من الزهور حجةً للتأمل في أفلام أحبها، أو ربما اتخذتها حيلة للعودة إلى الكتابة. لا شك أن النص يتأمل في الزهور، في السينما متعرّضًا إلى طرق مختلفة لتوظيفها: رأينا الزهور تمتدح البراءةَ وتشدُّ الوثاق بين الأخلاق والجمال عند كيارستمي، وراقبناها كتاجٍ يرفع المعاناة إلى رتبة القداسة مع بريسون، وشاهدناها عزاءً وسط رحى الحياة في «أحلى الأوقات»، وتأملناها نافذة على الحلم والأمل في «فرانكي وجوني». 

ربما لم أستطع، كذلك، كتابةَ نص هو تيار واحد من الأفكار يشدّه ويقوده التداعي. ولكن متى يعلم كاتبٌ إلى أين سيأخذه نصه؟ ومن يستطيع التحكم في شظايا أفكاره؟ ربما لم أستطع أن أكتب الخطرات التي راودتني كما هي عارية مجردة، ثمة حائلٌ ما، ثمة البلاغة؛ ولا عاصم من البلاغة فهي «تجرح المعنى وتمدح جرحه»، كما قال درويش. 

وما الكتابة سوى استخدامُ الكلمة في بلورة ما هو أكثر هشاشة من الكلمة، سوى استخدام الكلمة كطُعمٍ للإمساك بما لا يُمسك به؟ وبذلك لا يتطور أي كاتب إلا بقدر ما تشفّ لغته. فيكون أصعب ما قد يحاول المرء الإمساك به هو اللحظة الآنية قبل أن تذوب في أحضان التي تليها، أي قبل أن يجرفها تيار الزمن. في هذه الحالة، هل يكون المعنى كامنًا في السيولة والتدفق؟

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى