من يرتكز على رصيدٍ معرفيٍّ وثقافي هائل بالسينما والفنون، وتاريخ من العمل السينمائي -ولو بإمكانات محدودة- فإننا نتوقع منه كثيرًا كثيرًا، وربما هذا محمل الصدمة التي يقدّمها فيلم «الخطّابة» (2023) للمخرج المثقف والمستنير عبدالمحسن الضبعان، صاحب التاريخ الجيد من الأعمال الفنية، والثقافة الإبداعية والسينمائية الكبيرة، إلى جانب موهبة حقيقية ورؤية إخراجية متقدّمة ابتدأ العمل عليها منذ سنوات طوال، ثم تبلورت في مجموعة «تلاشي» السينمائية، وهي واحدة من العلامات الرائدة في صناعة السينما المحلية في السعودية، التي أسّسها الضبعان برفقة مبدعين آخرين، منهم فهد الأسطا، كاتب سيناريو الفيلم، وهو أيضًا صاحب رصيد كبير من النجاحات والأعمال الإبداعية الجميلة، وبالرغم من ذلك، فإن الثنائية الناجحة، التي حققت مكاسب سابقة في زمن لم تكن فيه السينما قد وُلدت بعد، لم تكن ذات نفس طويل بما يكفي لتقدّم عملًا على قدر التطلعات، فهل من أخطاء المشاهدة أن نرفع السقف وأن ننتظر المزيد ممن نحسن بإبداعهم الظن؟!
شهدت السينما السعودية في السنوات الأخيرة رحلة جادّة في النمو والتطور. ازدادت المواهب الناشئة والمشروعات الطموحة، ونالت اعترافًا إقليميًا وعالميًا ربما. كان فيلم «الخطابة» واحدًا من الإضافات المنتظَرة في المشهد المحلي، وأُتيحت له فرصة للعرض عبر منصة تحظى بنسب مشاهدة عالية، وقد احتمل الفيلم وعدًا كبيرًا بتقديم تجربة سينمائية مبتكرة. ومع ذلك، وعلى الرغم من إمكاناته، يتواضع الفيلم -على نحو محبِط- في عديدٍ من الجوانب الرئيسة.
تدور الحبكة الرئيسة للفيلم حول شخصية طارق، الذي أدّاه بإتقان الممثل المبدع حسام الحارثي، مجسّدًا دور موظف في قطاع تكنولوجيا المعلومات، يقبض على نفسه متلبسًا بحب موظفة جديدة هي سلمى، التي تقوم بدورها الممثلة نور الخضراء. يتبع طارق فضوله في رحلة إلى منتجع صحراويّ تسيطر عليه قوى خارقة، ويُدار من قِبَل الشخصية الغامضة صبا التي أدت دورها ريم الحبيب، حيث تبدأ الأحداث التي ارتأى صنّاع الفيلم تصنيفها على أنها «دراما إثارة نفسية»، لكن الحقيقة أن الإيقاع الدرامي اتسم بالضعف، ولا يبدو واضحًا مكمن الإثارة في مَشاهد قد يبلغ طول بعضها دقيقة كاملة دون أن تقدم حدثًا.
طارق الذي لا ينعم بعلاقة جيّدة مع أسرته تستفزّه فتاة جميلة ليتبعها. هل هذا مبررٌ كافٍ للإمساك بخيط الأحداث وبناء قصة؟ هل الاتكاء على الأسطورة الشعبية وحدها كان سببًا كافيًا كذلك؟ واحدة من أبرز مشكلات الفيلم تكمن في ضعف الشخصيات: تبدو سطحية وليس ثمة غوص في عمقها وتاريخها، وهذا لا يتوافق مع مبررات خلق «الإثارة النفسية» في غياب ما يشدّ المُشاهد لاستكشاف دواخل هذه الشخصيات. البطل يعيش في عالمه الخاص، بعيدًا عن عائلته، ومع ذلك، لم يُبَرَر هذا الجانب بما فيه الكفاية، ما يترك للمُشاهد استفسارات حول دوافعه الشخصية في اللحاق بالمحبوبة المرتجاة، والأمر نفسه ينطبق على بقية الشخصيات في الفيلم، الأمر الذي يعقّد إمكانية التعاطف مع الشخصيات وفهم مكوّناتها وتراكماتها للوصول إلى طريقة مقنعة لتقديمها. العمل يفتقر إلى عمق في تصوير العوالم الداخلية لأبطاله، وهذا ما يشوّش على الحكاية بأكملها، بالرغم من أن استلهام الأساطير والحكايات الشعبية نبعٌ ثريّ يمكن الاغتراف منه بلا توقف.
وبالرغم من ضرورة تقدير الجهد المبذول لبناء سرد حديث في السياق السينمائي السعودي ومحاولة خوض مساحات جديدة وتجريب أشكال غير مألوفة، فإنه من الضروري أيضًا الإقرار بأن السرد الناجح في السينما يتجاوز مجرد الحبكة عندما تغيب الشخصيات الرئيسة عن حكاية تشجّع الجمهور على استمرار المشاهدة وتستثمره عاطفيًا وتستقطبه إلى هذه العوالم الجديدة، إضافة إلى ما يعانيه الفيلم من بطء في تطور الأحداث وتقدم القصة.
حظي الفيلم ببعض الامتيازات حيث صُوّر بالكامل في محافظة العلا السعودية، التي أهدت المخرج وفريق التصوير مناطق ساحرة وجغرافيا خلّابة، ففي طبيعة المنطقة ما يغني عن عشرات الاستوديوهات ومواقع التصوير الصناعية، إلى جانب توافقها مع الأسطورة، وما يبدو أيضًا أنه رغبة المخرج في استثمار المكان لتطويع مفهوم الإثارة النفسية وخلق مساحات يُحفّز فيها سُكون الطبيعة مكامن الإثارة المتوقعة لدى المُشاهد. هل نجح المخرج في ذلك؟ هذا سؤال مفتوح بلا إجابة؛ قد يتفاوت حجم التأثير، خصوصًا مع غياب عناصر أخرى عن الحكاية.
من ناحية تقنية، يظهر الفيلم بجودة إنتاجية عالية فيما يتعلق بالتصوير والإخراج، المواقع، الأزياء، التصوير، الإضاءة، الطبيعة بكامل حضورها السحريّ.. كلها عناصر جذابة في أغلب الأحيان، وتلتقط الجوهر الصحراوي الغامض، ومع ذلك، فإن هذا الحضور البصري المبهر لم يكن قادرًا على سدّ النقص في الشخصيات مثلًا، أو إيجاد تفسير لتتابع السرد بهذا الإيقاع البطيء، ما انعكس سلبًا على العمل وجعله يحيد عن هدفه. يُظهر المخرج براعةً في تصوير الصحراء والجبال والمشاهد الخارقة، ويستخدم الإضاءة والألوان، بمعيّة فريقه، على نحو مبتكر لتعزيز أجواء الفيلم وترسيخ مفاهيم الغموض والإثارة. قد تعمل هذه الجوانب البصرية بفاعلية على نقل المُشاهدين إلى عالم الفيلم وإشراكهم في أحداثه، شريطة أن تتوفر شخصيات مقنعة في سياق منطقي.
صناعة السينما في السعودية تسلك مسارًا مثيرًا. هذه حقيقة، ولا شك أن «الخطّابة» -في هذا السياق- هو واحدٌ من الأعمال اللافتة، نظير الجرأة التي تمتع بها فريق العمل للمجازفة بالخروج عن القوالب التقليدية، والاقتراب مما يمكن أن يكون عملًا نخبويًا، لكن الوصفة التي تنجح في فيلم قصير لا يمكن أن تنتقل إلى فيلم روائي، وما يمكن أن يحقق نجاحات وجوائز في مهرجانات النخب لن يؤدي بالضرورة إلى زحام على شباك التذاكر. هذا الفيلم تذكير جليّ بأهمية دفع حدود الابتكار، واستكشاف آفاق إبداعية جديدة، والاستثمار بشكل أكبر في بناء النص والشخصيات، ولا شك أن السينما -مع كل فيلم جديد- تقترب من تحقيق أهدافها وخلق سينما تلامس الجماهير في مختلف أنحاء العالم.