«الجانب الآخر من الشمس»: عمارة الألم وفعل الشهادة العاري

March 3, 2026

لا تظهر القسوة في فيلم «الجانب الآخر من الشمس» (The Other Side Of the sun, 2026) في صراخ المعتقلين أو لاحتوائه على مبالغات بصرية، وإنما عبر هدوء رزين لا يتيح للمشاهد ملاذًا أو مهربًا عاطفيًا. يحمل الفيلم، الذي عُرض في قسم “بانوراما” في مهرجان برلين وأخرجه توفيق صابوني، شحنةً عاطفيةً هائلة ناتجة عن مادته الخام، المتمثلة في شهادات ناجين من سجن صيدنايا العسكري في سوريا. لا يمكن لهذه المادة أن تكون محايدةً أو عابرة، ومع ذلك، فإن الطريقة التي يُقدَّم بها هذا الألم تتسم بانضباط لافت، يجعل التجربة السينمائية أكثر ثباتًا وأقل قابلية للاستهلاك العاطفي السريع الذي نراه في كثير من الوثائقيات المعاصرة.

ينطلقُ العمل من فكرة محدّدة وواضحة جدًا في بساطتها وقوتها؛ حيث يعود توفيق صابوني -وهو نفسه معتقل سابق قضى سنوات في غياهب السجون- إلى مبنى السجن برفقة عدد من الناجين، بعد أن أصبح المكان خاليًا من السلطة التي كانت تُديره وتتحكّم في مصائر قاطنيه. لا يُعاد في هذا الفيلم بناءُ الأحداث عبر استخدام لقطات أرشيفية أو إعادة تمثيل درامي بممثلين، بل عبر حضورٍ جسديٍّ مباشر في الفضاء ذاته.

لا يظهر السجن كرمز مجرد للظلم، بل كبنية معمارية ملموسة تُعاد قراءتها من خلال الذاكرة الحية. تتحول الممرات، والأبواب الحديدية، ومساحات الزنازين الضيقة من مجرد "ديكور" إلى عناصر فاعلة في السرد. إن اختيار صابوني التركيزَ على "طبوغرافيا" المكان يجعل "السجن" شخصيةً أساسية في الفيلم، شخصية صامتة لكنها شاهدة على كل ما جرى.

تُشكّل الشهادات الحية العمودَ الفقري للفيلم، إذ يتحدث الرجال الناجون عن تفاصيل الاحتجاز الدقيقة، تلك التفاصيل التي وإن بدت صغيرة غير أنها كانت تمثل الفوارقَ بين الحياة والموت؛ من أنظمة الوقوف القسري لساعات طويلة، وطرق الضرب المبتكرة، والعزل الانفرادي، والإذلال اليومي الممنهج. 

يتحدث الناجون عن هذه الويلات وهم يقفون داخلَ الجدران نفسها التي احتوت تجاربهم الأليمة. هذه العلاقة بين "الجسد" و"المكان" ليست استعارة فنية هنا، وإنما هي واقع فعلي ملموس. حيث نرى كيف تتفاعل أجساد هؤلاء الرجال مع المساحات: كيف يتقلص جسد أحدهم حين يقف في زاوية الزنزانة، وكيف تتحرك يده لتلمس جدارًا كان يومًا ما هو كل حدود عالمه. هذا النوع من الربط البصري يمنح الشهادةَ مصداقية تفوق أي وثيقة مكتوبة.

يتجنّب توفيق صابوني من الناحية الشكلية كل ما يمكن أن يُفسَّر بوصفه توجيهًا انفعاليًا للمشاهد. فلا توجد موسيقى تصويرية تحاول دفعنا نحو الحزن أو البكاء، ولا يوجد مونتاج سريع يهدف إلى خلق ذروة درامية مفتعلة، ولا تعليق صوتي يشرح لنا التاريخَ أو يصدر الأحكام الأخلاقية.

يميل الإخراج هنا بوضوح إلى استخدام اللقطات الطويلة، ومنح المتحدثين وقتهم الكامل للصمت، للتردد، أو حتى لمحاولة تذكّر تفصيلة غائبة. لا يخفف هذا الخيار السينمائي من تأثير المأساة، بل يضاعفه بشكل مذهل. فحين يُترك الكلام عاريًا دون أي زخرفة فنية، يتحول إلى مادة ثقيلة يصعب الهروب من وطأتها. فالمشاهد هنا ليس متلقيًا سلبيًا، بل هو شاهدٌ مشارك يضطر لمواجهة الحقيقة بنفس الوتيرة التي عاشها هؤلاء الرجال.

تتراكم القسوة العاطفية في الفيلم ببطء شديد. لا توجد فيه لحظة واحدة يمكن وصفها بالذروة التقليدية التي ينفجر فيها كل شيء. بدلاً من ذلك، تتوالى القصص، وتتشابه بعض تفاصيلها إلى حد التطابق، وتختلف أخرى لتكشف زوايا جديدة من المعاناة، إلى أن يصبح هذا "التكرار" ذاته هو الدليل الدامغ على منهجية العنف.

يكمن هنا أحد أقسى عناصر الفيلم وفلسفته، ألا وهو إدراك المشاهد أن ما يُروى ليس مجرد "حادث استثنائي" أو خطأ فردي من سجّان، بل هو جزء متأصل من "نظام" صُمم بدقة لسحق الروح البشرية. هذا الإدراك لا يأتي من خطاب سياسي، بل من تراكم الشهادات البسيطة التي يكمّل بعضها بعضًا.

لا تُعرض الذاكرة في هذا العمل بوصفها روايةً متماسكة أو نصًا مسرحيًا محفوظًا، إذ نرى في الفيلم أحد الضحايا يتوقف فجأة أثناء الحديث، وآخر يتردد طويلاً في اختيار الكلمات المناسبة لوصف شعور لا يوصف، وثالثًا يُصحَّح تفصيلاً صغيرًا بعد لحظة صمت طويلة. لم يحذف توفيق صابوني في خياره المونتاجي هذه الانقطاعات أو لحظات الارتباك، وإنما أبقاها كجزء أساسي من بنية الفيلم. والنتيجة أن الشهادة صارت تبدو أقرب إلى "فعل تذكّرٍ" حقيقي يحدث في اللحظة الآنية أمام الكاميرا، وليست مجرد سرد لقصة قديمة تم هضمها وتجاوزها. هذا الاحترام لهشاشة الذاكرة يمنح الفيلم لمسةً إنسانيةً عميقة تكسر برودة المكان.

يمنح وجود المخرج في قلب هذا الفيلم طبقةً إضافية من التعقيد الأخلاقي والفني. فهو ليس مخرجًا قادمًا من الخارج ليقترب من مادة غريبة عنه، بل هو مشارك أصيل في هذه التجربة، يحمل ندوبها على جسده وروحه. ومع ذلك، يُحسب له أنه لم يحوّل العمل إلى "اعتراف شخصي" محوري يطمس تجارب الآخرين.

إن حضور صابوني في الفيلم متوازن للغاية؛ فهو يظهر كجزء من هذه الجماعة الناجية، يستمع أكثر مما يتكلم، ويترك الكاميرا لتكون هي وسيط التواصل. هذا التوازن يمنع الفيلم من الانغلاق على منظور ذاتي ضيق، ويحوله إلى "شهادة جماعية" عابرة للأشخاص، مما يعزز من قيمته التاريخية والتوثيقية.

غياب التأطير التقليدي: قوة الشهادة المحضة

قد يبدو غياب التحليل السياسي الموسّع أو غياب الوثائق الرسمية والإحصاءات نقصًا لبعض المشاهدين الذين يبحثون عن إجابات قاطعة حول "لماذا حدث هذا؟". لكن هذا الغياب هو خيارٌ فني وأخلاقي واعٍ من قبل المخرج. في المقابل، ينصب التركيز بالكامل على "الشهادة المباشرة"، وليس على التأطير القانوني أو التاريخي الذي قد يشتّت انتباهنا عن التجربة الإنسانية المحضة.

لا يسعى الفيلم ليكون "محاكمةً" بالمعنى القانوني، وإنما هو "مواجهة" بالمعنى الوجودي. وبدلاً من استضافة خبراء سياسيين أو حقوقيين، يكتفي الفيلم بأصوات هؤلاء الرجال، وهو رهان رابح؛ لأن صوت الضحية داخل الزنزانة هو أقوى حجة يمكن تقديمها ضد أي نظام قمعي.

من حيث البناء، يحافظ الفيلم على تركيزٍ صارمٍ يمنع التشتت؛ فنحن لا نعرف الكثيرَ عن حياة هؤلاء الناجين قبل السجن أو حتى بعده. فلا وجود للقطات من حياتهم اليومية الحالية، ولا ملفات شخصية موسعة. هذا "التضييق" المتعمد يحافظ على وحدة الموضوع: ما يُعرض هو تجربة "صيدنايا" كما تُستعاد في المكان نفسه.

ورغم هذا الانضباط الصارم، لا يمكن وصف الفيلم بأنه عمل "بارد". على العكس، فإن مشاهدته قد تكون مرهقةً نفسيًا للمشاهد. ويخلق غيابُ الموسيقى، وامتداد اللقطات، واستمرار الشهادات دون فواصل تخفيفية، حالةً من الضغط النفسي التدريجي الذي يشبه، ولو بنسبة ضئيلة، الضغطَ الذي كان يُمارس داخل تلك الجدران. لا يُمنح المشاهد لحظة "تفريغ" (Catharsis) واضحة؛ بل ينتهي الفيلم كما بدأ تقريبًا، تاركًا إيانا مع ثقل المادة المعروضة.

يمكن وضع هذا الفيلم ضمن تقليد سينمائي عالمي يهتم بـ "عمارة الذاكرة"، حيث المكان ليس مجرد خلفية، بل هو حامل للتاريخ ومحفز للشهادة. لكن صابوني يبتعد عن تحويل العمارة إلى استعارة شعرية أو فنية غامضة؛ ويبقيها في مستوى الواقع الملموس والمؤلم.

في زمن تميل فيه الكثير من الوثائقيات التي تتناول المآسي الإنسانية إلى "تجميل" الألم عبر أدوات جمالية مكثّفة لجعلها أكثر قبولاً في المهرجانات، يختار صابوني مسارًا معاكسًا تمامًا. فهو لا يُجمّل الألم، ولا يحاول "درمتته"* لزيادة منسوب التشويق. وإنما يتركه قائماً كما يُروى، بكل بشاعته وهدوئه.

في المحصلة، فإن هذا الفيلم ليس مجرد توثيق للتاريخ السياسي لسجن صيدنايا، بقدر ما هو فيلم عن "فعل الشهادة" ذاته. وتأتي قوته الحقيقية من التزام أخلاقي صارم بمبدأ بسيط وعظيم: منح الناجين المساحة والوقت الكاملين لسرد ما حدث، داخل المكان الذي شهد على مأساتهم. والنتيجة تجربةٌ عاطفية قاسية، لا بفعل المبالغة، بل بسبب الغياب المتعمد لكل ما هو زائف. تترَك القسوةُ هنا عاريةً بالكامل، وهذا بالضبط ما يجعل أثر الفيلم باقيًا وراسخًا في الوجدان لفترة طويلة بعد نهاية العرض.

لقد خيّم على القاعة، خلال عرضه الأول في مهرجان برلين، صمتٌ مطبق وممتدّ حتى بعد ظهور تترات النهاية. لم يكن هناك تصفيقٌ، ولا فتحٌ لباب النقاش؛ وهذا الغياب التام لمظاهرِ التعبير التقليدية يعكس بوضوح طبيعةَ المادة المعروضة. ففي مواجهة هذا النوع من الألم العاري، تبدو هذه المظاهر، من تصفيق أو أسئلة نقدية، قاصرةً أو ربما غير لائقة. إن هذا الصمت الموحش الذي خرج به الجمهور من القاعة هو في الحقيقة امتدادٌ للصمت الذي فرضه الفيلم، ودليلٌ على أن "ثقل الحقيقة" كان أكبر من أن يُترجَم إلى كلمات أو إيماءات احتفالية.

الهوامش:

* نسبة إلى الدراما - أي محاكاة الحياة الواقعية من خلال أفعال ومواقف يؤديها ممثلون على الشاشة.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى