الهوية بوصفها زيًا: كيف صاغ عمر الشريف حضوره العابر للثقافات؟

June 18, 2026

هناك نوع خاص من الشهرة يقتصر على السينما وحدها، ليس الشهرة بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكن شيء أقرب إلى الأساطير. إنها شهرة الوجه الذي يظهر على الشاشة ويجعل الجمهور يشعر، دون سبب واضح، أن العالم قد أصبح للتو أكثر إثارة للاهتمام. كان عمر الشريف يتمتع بهذا النوع من الشهرة. لقد خرج من الصحراء العربية عام 1962، كسراب على صهوة جواد، ولم يختفِ تمامًا.

وُلد عمر الشريف باسم ميشيل ديمتري شلهوب في الإسكندرية، مصر، عام 1932، لأب لبناني وأم سورية لعائلة كاثوليكية في مدينة يغلب عليها الطابع الكوزموبوليتاني وقتها. كانت الإسكندرية آنذاك لا تزال تلك الجوهرة العالمية التي سيكتب عنها لورانس دوريل لاحقًا أربع روايات يرثي فيها أفولها. مدينة تتداخل فيها اللغات والأديان والجنسيات، من يونانيين ويهود وإيطاليين ومصريين، يتعايش جميعهم معًا في الهواء المالح القادم من البحر الأبيض المتوسط. كانت مكانًا جيدًا لتعلم حقيقة الهوية باعتبارها زيًا أو رداءً، وأن الرجل يمكن أن يكون عدة أشياء في آن واحد.

درس في كلية فيكتوريا، وهي مدرسة نخبوية ناطقة باللغة الإنجليزية، يبدو خريجوها وكأنهم قائمة بأسماء الشخصيات البارزة في القرن العشرين المضطرب لعالمنا العربي، ملك الأردن الحسين بن طلال، والروائي إدوارد سعيد، والممثل الذي سيصبح فيما بعد عمر الشريف. لم يكن، حسب اعترافه، طالبًا جادًا بشكل خاص. كان وسيمًا وساحرًا وكان يعلم ذلك، وهو ما يمثل للشاب إما هبة أو كارثة، وغالبًا ما يكون كليهما.

قصة كيف أصبح "عمر الشريف" هذا الفنان الذي نعرفه، هي أيضًا صورة مصغرة لقصة مصر الحديثة. كان يصور أفلامًا باللغة العربية، أفلامًا رومانسية في الغالب، من النوع الذي كان يُعرض أمام قاعات مكتظة في القاهرة والإسكندرية. 

كان ظهوره الأول مع يوسف شاهين في «صراع في الوادي ,1954» كافيًا للإشارة إلى شيء مختلف. لم يكن الأداء معقّدًا على نحو خاص، لكن الكاميرا تعاملت معه منذ البداية بوصفه مركزًا للمشهد، كما لو أن وجوده أمام العدسة أمر طبيعي أكثر مما هو أداء تمثيلي.

قبل أن تبتلعه شمس الصحراء في «لورنس العرب»، كان عمر الشريف يختبر سطوة جاذبيته في استوديوهات القاهرة. لم يكن في تلك المرحلة مجرد "دون جوان" عابر يقتات على وسامته، كان يمثل نموذجًا جديدًا للبطل الرومانسي الذي يحمل في عينيه قلقًا وجوديًا مغلفًا بترفٍ أرستقراطي.

بدأ عمر الشريف تعاونه مع رائد الواقعية صلاح أبو سيف، في رحلة لتفكيك تلك "الوسامة" لصالح الشخصية الدرامية. ففي فيلم «لا أنام» (1957) كسر قالب الشاب المثالي ليقدم دورًا يتسم بالتعقيد الإنساني، لكن الذروة كانت مع فيلم «بداية ونهاية» (1960)، الذي تحول فيه عمر الشريف إلى "حسنين"، الشاب الذي يطحنه طموحه الطبقي ويجبره فقره على سحق عائلته. كان أداءً عاريًا من أي واجهةٍ (بريستيج) عالمية، أثبت فيه أن وراء هذا الوجه السينمائي قدرة هائلة على تجسيد التراجيديا المحلية الصرفة.

هذا الحضور، الذي تشكّل في أفلام القاهرة، هو ما سيجده لاحقًا مخرج بريطاني أثناء بحثه عن وجه لا يشبه أي شيء رآه من قبل. كان ديفيد لين يواجه مشكلة ستبدو فيما بعد أقرب إلى المعجزة؛ كان بحاجة إلى وجه غير معروف للجمهور الغربي، وجه خالٍ من أي ذاكرة مسبقة، يمكنه أن يظهر في الصحراء وكأنه ينتمي إليها. 

يكشف اختبار أداء عمر الشريف أمام الكاميرا -وهو تسجيل محفوظ ضمن المواد الأرشيفية الخاصة بالفيلم- عن ممثل أدرك بغريزة صافية ما تريده الكاميرا منه. نظر إليها بثقة من اعتاد عليها، وبلا مبالاة من لا ينتظر منها اعترافًا.

يظل مشهد دخوله في «لورانس العرب» من أكثر لحظات الظهور المتفردة في تاريخ السينما. دخول مبني على الجغرافيا والصبر، وعلى الزمن نفسه بوصفه أداة درامية. يظهر في اﻷفق البعيد، على ظهر جمل، نقطة تكبر ببطء على امتداد ما يبدو دقائق كاملة، بينما ينتظر بيتر أوتول، ومعه الجمهور، الشخصَ القادم من الأفق. لم يكن عمر الشريف قد وصل بعد، ومع ذلك كان حضوره قد بدأ يتشكل.

وعندما يصل أخيرًا، وتتضح ملامح الوجه وتظهر العينان، تلك العينان الاستثنائيتان، لا يعود المشهد بحاجة إلى تفسير. يفهم المتفرج فورًا سبب خضوع الجميع له داخل الفيلم، إذ يحمل في ملامحه من السلطة ما يحمله بعض الرجال من الحزن، بكل سكينة وهدوء، وكأنها جزء أصيل منه منذ البداية.

رُشّح عمر الشريف لجائزة الأوسكار عن هذا الأداء. غير أنه لم يفز رغم أنه كان جديرًا بذلك. فتح له هذا الدور بابًا إلى ذلك الوجود الملتبس للنجم الأجنبي في هوليوود؛ نجم مشهور ومرغوب، ومع ذلك لا يبدو مناسبًا تمامًا لأي دور.

لم تكن الأفلام التي أعقبت «لورانس العرب» دائمًا على مستوى قدراته، وهذا هو الثمن الذي يدفعه الجمال في السينما. تتقل بين أدوار عديدة، فكان جنكيز خان، وتشي جيفارا، وأميرًا من بافاريا. وارتدى أزياءً تنتمي إلى تخيلات الآخرين عن تاريخ آخرين، ارتداها باحترافية تجاوزت أحيانًا المدى إلى شيء أكثر إثارة للاهتمام. لكن فيلم «دكتور زيفاجو» (Doctor Zhivago, 1965)، من إخراج لين أيضًا، هو الذي منحه الدور الذي سيُقاس عليه كل شيء آخر.

يُقدَّم يوري زيفاجو بوصفه بطلًا رومانسيًا من تقليد قديم، محكومًا عليه بالفشل، رجلٌ يهوى الشعر والنساء بنفس القدر من العجز، تمرّ عليه صدمات التاريخ دون أن تغيّره بالكامل، ويحتفظ بسريرة نفس أشبه بجرح مفتوح. كان الدور يتطلب من الممثل اقتصادًا شديدًا في الأداء وكثافة في المعنى، وهو ما قد يبدو بسيطًا على الورق، لكنه في الحقيقة أمرٌ بالغ الصعوبة.

أدّت جولي كريستي شخصية "لارا" بنفاد صبر يشي بحساسية عالية؛ بينما أدّى عمر الشريف "زيفاجو" بهدوء رجلٍ أدرك أن العالم لن ينحاز لمشاعره، فاختار أن يعيشها على أي حال.

قوبل الفيلم بهجوم نقدي عند صدوره، وصفته الناقدة بولين كايل بأنه “فخم” بنبرة جعلت الكلمة أقرب إلى تهمة، لكن الجمهور أحبه بشغف استمر على مدى العقود الستة التالية، دون أن يغيره شيء.

خارج الشاشة، كان الشريف، كما هو معروف، رجلًا ذو شهوات. كان يقامر بتفانٍ يقترب من المهنة، ويقال إنه خسر وربح ثروات على طاولات البريدج في أنحاء أوروبا. كان يتحدث ست لغات بطلاقة ويمتلك مساكن في عدة بلدان، لم يبدو أن أيًا منها يستحوذ عليه تمامًا. تزوج مرة واحدة، من فاتن حمامة، معتنقًا الإسلام ليتزوجها، وانفصل عنها بعد عقد من الزمن. وكان لديه ابن واحد. وصف عمر الشريف نفسه، في مقابلات مختلفة، بأن الحياة اﻷسرية لا تناسبه.

كما قال في مقابلاته أشياءً قد لا تُستحسن اليوم، وربما كانت كفيلة بإنهاء مسيرته لو قيلت الآن. بدت تلك التصريحات صريحةً جدا، وقد كانت صراحتها منعشة أحيانًا ومقلقة أحيانًا أخرى، ويعود ذلك لمدى تقبّل المستمع وانفتاحه على نموذج معين من رجال المتوسط في منتصف القرن؛ رجل لا يُخفي علاقاته، ويعترف بأن لعبة البريدج هي شغفه الحقيقي، ويرى التمثيل مهنة لا رسالة، ويشكك في كل من يدّعي غير ذلك. وسواء كان ذلك صادقًا أم لا، فقد شكّل حضورًا قائمًا بذاته، وصورة رجل جعلَ من الصدق قناعًا.

بعد عقود من النجومية في هوليوود، عاد الشريف ليؤكد الرابطَ العميق مع سينما صلاح أبو سيف في فيلم «المواطن مصري» (1991). خلع الشريف في هذا الفيلم، عباءة "النجم العالمي"، ليرتدي جلباب الإقطاعي الريفي "عبد القوي". كان مشهدًا سينمائيًا نادرًا؛ أن ترى الأيقونة التي سحرت العالم تعود لتمارس فن التمثيل في أنقى صوره، بعيدًا عن أضواء الغرب، وفي مواجهة واقعيةٍ فجةٍ تعيد الاعتبار لجذوره كفنان لم ينسَ يومًا كيف يتحدث بلغة الأرض التي جاء منها.

كانت العقود اللاحقة أكثر هدوءًا، كما هو الحال، عادةً، في العقود المتأخرة من مسيرة أي فنان. كانت هناك أفلام أصغر، بعضها جيد، وبعضها يمكن نسيانه. كان هناك تحول مشهور في أواخر مسيرته في فيلم «السيد إبراهيم» (Monsieur Ibrahim) عام 2003، الذي فاز عنه بجائزة سيزار، وذكّر من خلاله الجمهورَ الذي نسيه بأن الأداة لا تزال تعمل، وأن العمر قد أضاف شيئًا من الوهج إلى تلك العيون بدلًا من إطفائها. كانت هناك فترة بدا فيها أنه اختفى، ثم فترة أخرى أجرى فيها مقابلات اعترف فيها بأنه أصيب بمرض الزهايمر، وتحدث عنها بصراحة، وأنها كانت سمة مميزة له، وذات أثر تدميري هادئ في نفس الوقت.

توفي عمر الشريف في القاهرة في يوليو 2015، عن ثلاثةٍ وثمانين عامًا، إثر نوبة قلبية. لم تُسجَّل له كلمات أخيرة ذات شأن، اﻷمر الذي يبدو مألوفًا على نحو ما. لأن النهايات في السينما، تأتي رومانسية محمّلة بالخطب واللقطات المقرّبة والموسيقى المتصاعدة. أما في الحياة، فتميل إلى المباغتة وإلى خفوت النبرة. وهكذا عاد عمر الشريف إلى بساطته الأولى، بعد مسيرة طويلة صاغ فيها الواقع في صورة أكثر سينمائية.

لقد كان عمر الشريف من النوع الذي يبدو كما لو كان قادمًا من مكان محددٍ، حاملًا معه هذا المكان أمام الكاميرا. فلهجته كانت لهجته المحلية ذاتها، وملامحه كانت ملامحه المعتادة، وهذا بالذات هو ما كنت تراه أولًا، وتتذكّره آخرًا.

سلَكت هوليوود طريقًا مختلفًا. كان الوصول إلى الجميع هو الهدف، وهذا مفهوم، لكن المسار أفضى تدريجيًا إلى نوع من الحذر، فظهرت وجوه تصلح لكل الأسواق لأنها لا تنتمي بوضوح إلى أي منها، ولهجات تُلطَّف أو تُعاد صياغتها، واختلاف يُؤخذ بجرعات مدروسة.

كان عمر الشريف عالميًا بحكم انتمائه إلى ثقافته على نحو تام، لا بالتخلي عنه. تسير العالمية الجديدة في الاتجاه المعاكس؛ حيث تُقلل من حضور الخصوصية بدل من المراهنة عليها. لقد فقد الخارج قدرته على المفاجأة، لأنه صار يصل إلينا بعد مروره بمراحل من إعادة التشكيل. وقد باتت هوليوود اليوم أكثر انتشارًا، وأكثر حذرًا في الوقت نفسه.

تُجيد السينما المعاصرة بناء الصورة، وضبط الإيقاع، وهندسة الحكاية، لكنها لا ترتاح تمامًا لرجل يكون، ببساطة، على طبيعته، يحمل تناقضاته دون شرح، وتبقى جاذبيته بلا تفسير.

كان عمر مصريًا، ثم نجمًا عربيًا، ثم أيقونة في هوليوود، قبل أن يعود إلى القاهرة في أواخر حياته، ويموت فيها. وهذا ما يعطي إحساسًا بـدائرة تكتمل، أو نوع من العودة الرمزية إلى الأصل. كان كاثوليكيًا، ثم مسلمًا، ثم شيئًا يصعب تصنيفه. قال إنه لا يحب التمثيل، ومع ذلك قدّم بعضًا من أكثر أدوار جيله حساسية وتعقيدًا. وهذه التناقضات لا تُحل، وربما لهذا تبقى صورته كسؤال مفتوح.

ما التقطته الكاميرا في ملامحه وإيماءاته هو ما تلتقطه أحيانًا في من ينذر تكرارهم؛ هذا إحساس الفريد بأن ثمة شيئًا محجوبًا. فيبقى ما لا يُقال نابضًا خلف تلك العينين اللتين تقولان الكثير. تواصل النظر، وتواصل الانتظار، وفي مكان ما، كما في الصحراء، يتشكّل السراب. تواصل النظر، ويظل السراب.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى