كانت لحظة تاريخية فارقة تلك التي بدأ فيها الإعلان عن وصول فيلم «الهامور ح.ع.» (2023) إلى صالات السينما السعودية، وسيأتي يوم -نأمل أن يجتهد المؤرخون الفنّيون في توثيقه- نتحدث فيه عن صناعة الأفلام السعودية ما قبل «الهامور» وبعده. فيلم يكاد يكون متكاملًا وحقيقيًا تمامًا، وسعوديًا خالصًا لا يؤثر في هوّيته تناصّه مع أفلام أخرى حملت الموضوع ذاته أو روحه، عمل مبني على قصة واقعية عاصرها جيل سعودي لا يزال شاهدًا عليها، وربما كان بعضهم ممن تأثر بها مباشرة أو عرف أحدًا ممن مسّهم ضررها. هي إذًا -بادئ ذي بدء- ليست حكاية مستوردة ولا خيالية، ولا دخيلة على المجتمع.
قصة مساهمات سوا الشهيرة كانت حديث الناس، لفترة طويلة، إذ تعرّض ما يربو على 40,000 شخص للاحتيال، وسُرقت منهم مبالغ تناهز مليارًا ونصف المليار ريال، قبل أن تلقي الجهات الأمنية القبض عليهم وتودعهم السجن، واستمرّت محاكمتهم نحو ثماني سنوات، ولا يزال بعضهم ينفّذ الحكم حتى اليوم.. هذا ملخص القصة الأصلية التي يشير التقاطها إلى فطنة فريق العمل، وَوعيهم بإمكانية تحويل القصص السعودية إلى أعمال سينمائية لامعة. بطل «الهامور ح.ع» هو أحد جامعي الأموال والاستثمارات ممن استولوا على عشرات الملايين، فرّ هاربًا قبل أن تصل إليه يد العدالة. يبدأ الفيلم بصوت بطلنا حامد وهو يروي مشواره مع الثراء، من حارس أمن يحلم بما يكفي بالتزاماته اليومية، إلى شخص شرِه يلاحق المال، ويبتكر وسائل الحصول عليه أيًا تكون الطريقة، مشروعة أو خارجة عن القانون، حتى يبلغ بداية خيط الثراء، عبر بيع بطاقات «سوا» التي تشحن أرصدة الموبايل، وبين هذه وتلك يرصد الفيلم تحولات حياته، الزواج، التعرف إلى أشخاص جدد، النمو السريع والثراء الأسرع الذي لا يُصدّق، وحكايته العاطفية الجديدة.
مخرج الفيلم عبدالإله القرشي، صاحب تجربة جميلة سبقت الهامور بفيلم «رولم» (2019)، الذي لم يخلُ من عثرات، يبدو أنه استطاع تجاوزها وتجنّب تكرارها، وبدأ ذلك بالنص، الذي كتبه مشاركة مع هاني كعدور، وعملا -بإصرار فيما يبدو- على أن يكون الفيلم مختلفًا، ربما ليس عن خط القرشي فقط، وإنما عما سبقه من أفلام محلية لا تزال تجرّب في مساحات عدّة، ولم تخِب هذه الجهود، فنحن أمام حبكة ممتازة، كادرات بصرية مدهشة، وممثلين ذوي شخصيات واضحة وبُنية مصممة بشكل يتناسب مع إيقاع الفيلم. البطل فهد القحطاني، أحد الوجوه الجديدة والمتقِنة، يدرك جيدًا أهمية الاستعداد للنص، وبذل بصحبة المخرج وفريق العمل جهودًا بيّنة لتقمص الشخصية ودراسة حالتها النفسية، ولم يكن مؤدّيًا فحسب، بل انغمس في الدور وعاش مراحله وتقلّباته ليقدّم شخصية مقنعة.
كذلك بقية الممثلين، بلا استثناء، خالد يسلم في دور السيلي، إسماعيل الحسن، أبو عزة، الكوميديان العفوي الذي يُتقن أي مساحة يتواجد فيها، خيرية أبو لبن في دور فاطمة، الزوجة الأولى الطيّبة، من تقتسم مع زوجها الحياة بحلوها ومرّها، لكنها عندما يتعلق الأمر بامرأة جديدة اختارها زوجها بعد ثرائه، فإنها تختار كبرياءها والرحيل، وفاطمة البنوي، جيهان، الفتاة المنطلقة المنفتحة التي تنجذب إلى بطلنا حامد فيتخذها زوجة ثانية... فريق التمثيل بأكمله لعب دورًا هائلًا في جعْل الفيلم جاذبًا، ومبهرًا. أضف إلى ذلك الجرأة العالية التي دفع بها الفيلم، سواء على مستوى المَشاهد أو اللغة، كذلك نقد الماضي، وربما السخرية منه أحيانًا في مواقف لم تخلُ من كوميديا سوداء، وهي الجرأة التي دفعت عددًا من العاملين في السينما ونُقّادها إلى التوقف عندها ومقارنتها بسقف الحرية المتاح في دول أخرى، ويمكن في ذلك الرجوع إلى تدوينة المخرج المصري الشهير عمرو سلامة التي نشرها عبر حسابه في فيسبوك.
ليس ثمة خلل في الفيلم يمكن الإشارة إليه؛ استعان فريق العمل بمحرّر أفلام عالمي، المونتير هارفي روزنستوك، الذي يمتلك رصيدًا هائلًا من الأعمال الفنية، لعل أبرزها فيلم «عطر امرأة» (Scent of a Woman - 1992) للفنان القدير آل باتشينو، كما عمل ضمن فريق المسلسل الشهير «القائمة السوداء» (The Blacklist - 2013-2023) وغيرها عشرات الأفلام والمسلسلات، واستعان المخرج أيضًا بمدير التصوير العالمي إيجور بوفولتسكي، الذي استطاع قراءة رؤيته وتقديمها على أكمل صورة. النص كُتب بعناية، الحوارات طبيعية لا مبالغة فيها ولا افتعال، وإن كانت بعض الآراء قد أبدت انزعاجًا من مستوى الجرأة واللغة المستخدمة في الفيلم أحيانًا، لكننا نعود لنتذكر أن السينما هي صورة الواقع اليومي، وما يقال فيها مأخوذ منه، كما حرص صنّاع الفيلم على تصنيف فئته العمرية +18، ما خلا ذلك فإن مسؤوليته على المُشاهد.
ثمة جزئية مهمة لا ينبغي تجاهلها أيضًا، وهي الاستعانة بالموسيقِيّ المصريّ هشام نزيه، الذي يمتلك سجلًا حافلًا من الأعمال ذات الموسيقى التصويرية الرفيعة، لعلّ من أشهرها أفلام «الفيل الأزرق» (2014)، «تراب الماس» (2018)، و«إبراهيم الأبيض» (2009) وغيرها كثير. لماذا نورد هذه الأسماء التي استعان بها عبدالإله القرشي ونذكر رصيد إنجازاتها؟ للتأكيد على وضوح رؤية المخرج الشاب، وقدرته على الإفادة من هذه الطاقات في تنفيذ رؤيته، وهو ليس بالأمر الهين، وخصوصًا أن الفيلم يقبض على شعرة بسيطة بين الاحتفاظ بهوية محلية خالصة في سينما حديثة كليًا، وبين قدرته على مقارعة المستوى المتقدّم للأفلام الهوليوودية ذات التاريخ الطويل، وهذا بالضبط ما يحتاج إليه جمهور السينما السعودية، أن يرى حياته أمامه على الشاشات بأحدث التقنيات والإمكانات التي امتلكها العالم على مدار العقود الماضية، وتلك مهمة معقدة وتلقي بثقلها على صنّاع السينما في المملكة، لكنّ «الهامور» وأفلامًا أخرى جاءت بعده تؤكد على موهبة هؤلاء المبدعين، وقدرتهم على النهوض بالقطاع بأكمله خلال سنوات قلائل.
التأثر بالتقنيات العالمية ليس مشكلة، واستلهام تجارب ذوي الخبرة أمر ضروري، ويؤدي إلى نتائج إيجابية إذا كان هذا الإلهام لا يُخلّ بعمق التجربة وفرادتها المحلية، ويثري المنتج الإبداعي النهائي، وهو ما استطاع طاقم عمل «الهامور» الوصول إليه في خلاصة قدرها ساعتان إلا قليلًا من الإبهار والمتعة التي لم تتوقف، وهو ما نطمح أيضًا أن تُبصره لجان التحكيم في مهرجان أوسكار، بعد أن اختير الفيلم ليكون مرشح السعودية في المسابقة العالمية، وكل الآمال معقودة على أن يكون هذا الترشيح خطوة جديدة تقفز بالسينما السعودية إلى مصاف الجوائز العالمية، وينتزع لحظة تاريخية أخرى.