الفيلم الروائي الكلاسيكي

December 11, 2023

لا يُراد بمصطلح "الكلاسيكي" الفيلم القديم بالضرورة. فالمقصود هنا الفيلم الذي يعتمد البناء الدرامي النمطي (typical film construction) وصِيغ وفق حبكة وتصور لدور المتفرّج مشتركين بين أغلب الإنتاج السينمائي – الهوليوودي تحديدًا. ونقيضه هو الفيلم اللانمطي، كالفيلم الشعري أو الفيلم التجريبي أو فيلم المؤلف. فمن كلاسيكيَّات السينما الأمريكيَّة يمكننا أن نذكر فيلم «لنغني تحت المطر» (Singin' in the Rain - 1952) للمخرجين جين كيلي وستانلي دونين سينجين، أو «دوار» (Vertigo - 1958) للمخرج ألفريد هيتشكوك، أو «من أجل بضعة دولارات أكثر» (For a Few Dollars More - 1965) للمخرج سيرجيو ليون، أو «فورست غامب» (Forrest Gump - 1994) للمخرج روبرت زيميكيس. ومن كلاسيكيات السينما المصرية يمكننا أن نستدعي أفلام «العزيمة» (1939) للمخرج كمال سليم أو «الحرام» (1965) للمخرج هنري بركات أو «الأرض» (1970) للمخرج يوسف شاهين. وتطمح هذه الورقة إلى عرض الخصائص الإنشائية المميزة لهذه الأفلام الكلاسيكية وإلى الحفر في سماتها المميزة للكشف عن مؤثرات قديمة جدًا تتسرب إلى بنيتها العميقة وتوجه دلالتها وفق رؤيتها.

1- من خصائص الحبكة الدرامية 

يُعد البناء وصيغ حبك الأحداث من أهم السمات المميّزة لهذه الأفلام، فتتسم بوحدة الموضوع القائم على التّعالق والتّرابط بالضّرورة ويغلب عليها منطق تتابع الأحداث وفق عنصر السببيّة، بحيث لا تنشأ أفعال جديدة في طبيعتها أو نوعيتها ولا تظهر بروز شخصيات جديدة تؤثر بصفة واضحة في مجرى الأحداث إلا وهي مبرَّرة منطقيًا. وتتخذ الأحداث بناءً هرميًا متمثلًا في بداية ووسط ونهاية.

يصطلح على البداية بقسم الاستهلال أو مرحلة العرض، ويعهد له أن يقدّم الشّخصيّات الرّئيسة، وما يحيط بحياتها وما تلاقيه من مشكلات، وأن يؤسس وضعًا بصريًا ودراميًا، فيخلق من خلال تصرفاتها السلبية والإيجابية في نفس المتفرّج تعاطفًا معينًا معها. وتستغرق هذه المرحلة ربع الوقت المخصص للعرض تقريبًا وينتهي بموضع الحبكة1 وهو حدث قادح يعطي اتجاهًا جديدًا لتطور القصة، فيمثل الحافز الذي يدفع الشخصيّة إلى مغامرات جديدة، ومتاعب غير متوقعة. 

يعتبر القسم الثاني من الفيلم هو الوسط، ويستغرق أكثر من نصف الوقت المخصص للعرض ويكون مداره على المجابهة بين الشّخصيات والوضعيات، وفيه تتطور الأحداث تطورًا عنيفًا ويتصاعد خط الصّراع، حتى أن مسار الشخصية يكون أشبه بـ"مسابقة الحواجز"، فكلما تجاوزتْ عائقًا وجدتْ آخر أمامها. وتتفرّع القصة الرئيسة هنا إلى مجمل من المشكلات الثانوية حتى تجسد أزمة البطل.

ويمثل القسم الثالث المرحلة الأخيرة من هذا البناء الهرمي، فتفضي فيه المغامرات إلى نهايتها وإلى حل الوضعيات الدّراميّة التي أنشأها القسم السّابق. وينبني كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة على بناء ثلاثيّ بدوره، فيشتمل بدوره على بداية ووسط ونهاية. كل قسم من هذه الأقسام يتشكل من جماع مَشاهد و«المشهد عبارة عن قصّة صغيرة له بداية وقلب ونهاية»2.

2- خلق الدراما وفق مبدأ الصراع 

الصراع بين البطل والأطراف أو القوى المناوئة هو السمة الأساسية للفيلم النمطي والعبارة الشهيرة «الفيلم كلبان يختصمان من أجل عظم» تجد هنا مبرراتها الكاملة. ولهذا الصراع أن يكون بين طرفين، فيكون المناوئ منافسًا في حب امرأة أو في الحصول على مركز كما يكون هناك جملة من العراقيل على البطل أن يتخطّاها ليصل إلى هدفه، فيُخاض الصراع ضد الوقت في الشوارع المزدحمة لإنقاذ حياة أو انتزاع قنبلة ويخاض ضد العوامل الطبيعية للوصول إلى قرية نائية تحاصرها النيران مثلًا. ولهذا الصراع أن يكون داخليًا، كأن تظل الشخصية متردّدة بين اختيار الحب والمال أو بين اتباع القيم التي نشأت عليها أو الخضوع لما تقتضيه الضرورة أو المغريات. وهذا الضرب من التردد ضروري ومن اتجاه الشخصيّة إلى عالمها الباطني وإعادتها النظر في مواقفها وأفكارها لإثراء إيقاع الفيلم ومنح الأحداث بُعدها الإنساني العميق. ويصطلح على المنتصف من هذا القسم الثاني بالانعطاف المركزي، وفيه تحسم الشخصية أمرها، فلا تفكّر في العودة إلى الخلف ولا تظل تنساق مع الأحداث، وإنما تعمل بصورة واعية على تحقيق أهدافها. 

تمثل الذروةُ اللحظةَ القصوى في المواجهة بين الأطراف المتصارعة وفي التوتر الذي ينشأ عن هذا الصراع. يقول سيد فيلد: «مواضع الحبكة في الفصلين الأوّل والثّاني تحدّد (المخطّط) مكانيًا. إنها مراسي خطّ قصتك. قبل أن تبدأ الكتابة عليك أن تعرف أربعة أشياء: النهاية والبداية وموضع الحبكة في نهاية الفصل الأول وموضع الحبكة في نهاية الفصل الثاني»3. أما في القسم الثالث، تُحَلّ المشكلة فتصل الشخصية إلى هدفها أو تموت في المعركة. ولكن عامةً ينتهي الفيلم إلى لحظة انتصار المبادئ التي جسدتها الشخصيّة وناضلت من أجلها. و باستقامة هذا القسم الأخير تتضح معالم الفيلم باعتباره مسارًا وتكشفه المقارنة بين البداية والنهاية. وعليه، فالقاعدة العملية عند الكتابة هي أن نحدّد ما ستكون عليه النهاية لنعرف كيف نجاري الصراع بين الأطراف المختلفة ونمنحه بُعده الواقعي، وأن نجد صلة دالة بين البداية والنهاية4

3- القاهرة ثلاثون نموذجًا 

حتى نتبسط في عرض خصائص الفيلم النمطي، نعرض سمات فيلم "القاهرة ثلاثون"، أحد أهم الكلاسيكيات المصرية. فهيكله يُردّ إلى بناء ثلاثي مداره على بداية تزوّد المتفرّج بالمعلومات الضّروريّة لفهم مسار الحكاية وتعرض الشّخصيتين الرئيستين وتحدّد همومهما وحاجاتهما. فـ"محجوب عبد الدايم" يبحث عن خلاصه الفرديّ من الفقر والتّدهور الاجتماعي و"علي طه" المرفه يتمرّد على طبقته البورجوازية ويبحث عن خلاص جماعي يشمل الأمة بأسرها. ينتهي هذا الفصل بحدث قادح هو شلل الأب، مما يدفع بشخصية محجوب إلى مغامرات جديدة ويضع أمامها متاعب غير متوقعة نتيجة لغياب المال الضروري الذي يكفل له إنهاء دراسته.

في الوسط يتغيّر نسق الأحداث في الفصل ويحتدم الصّراع الدّرامي ويشرع محجوب في العمل بصورة واعية على تحقيق أهداف ويواجه تحدّي اتخاذ القرارات المصيريّة، فيقبل بالزّواج من "إحسان شحاتة" عشيقة "قاسم بك" وحبيبة زميله في الدراسة "علي طه" نظير الوظيفة. ويبذل في سبيل الانسلاخ الطّبقي والارتقاء في السّلم الاجتماعي القيم والعرض والشّرف. أما "علي"، فيواجه تحدي القمع والفساد السّياسيين، ويؤسس مجلة "النّور الجديد" لنشر الفكر الاشتراكي ويحوّل أحلامه بالتّغيير السّياسي إلى حركة سريّة.

في المرحلة الختامية من الفيلم (النّهاية) يوفّق "علي" في سعيه، فينجح في إفساد خطبة الملك وتوزيع مناشير تدعو إلى التّخلص من الملكيّة وإلى تعويضها بالاشتراكيّة. ويُعاقَب محجوب وقاسم بيك المتمرّدان على الأخلاق المشتركة عقابًا يُرضي المتفرج، فيفتضح أمرهما ليكونا عبرة لكل من تحكمه نزواته ويتنازل بسببها عن قيمه ومبادئه.

4-الفيلم الكلاسيكي والمؤثرات الإغريقية القديمة

قد يبدو من الغريب الحديث عن مؤثرات إغريقية تعود إلى ما قبل أربعة وعشرين قرنًا في بنية السينما، هذا الفن الذي لم يتجاوز عمره القرن والربع بعد، غير أنّ الغرابة ستزول حتمًا متى علمنا أن الفنون تتوارث جيناتِها من أسلافها كما تتوارثها سلالاتُ الكائنات الحية. فحبكة الفيلم تستعير من التراجيديات الإغريقية تصوّر الوحدة العضويّة التي تجعل الأحداث تتدرج بالحدث إلى ذروة التأزم ثم تتجه نحو الحلّ، وتنمو بناءً على ترابط السابق باللاحق ضمن علاقات سببية عليّة أو ما شابهه. يعود مفهوم الحبكة إلى أرسطو ضمن ما يسمّيه Muthos بمعنى تنظيم الأحداث5.

ولا شكّ أن استحضار تحديد أرسطو لبنية التراجيديا يكون مبرّرًا تمامًا، وهو ما يقوم به الباحث الفرنسي ميشال شيون في أثره "كتابة السيناريو". يقول: «لقد فُرضت ضوابط الوحدة (وحدة الموضوع وشكل الفعل والنّبرة إلخ...) من قَبل أرسطو ومن بعده من قِبَل أغلب منظري الفن الدرامي. يشكلها أرسطو على النّحو التّالي: "فالقصة كمحاكاة [كذا] لفعل يجب أن تعرض فعلًا واحدًا، تامًا في كليته، وأن تكون أجزاؤه العديدة مترابطة ترابطًا وثيقًا حتىّ أنه لو وُضع جزء في غير مكانه أو حُذف فإن "الكلّ التّام" يصاب بالتّفكك والاضطراب، وذلك لأن الشّيء الذي لا يُحدِث وجوده أو عدمه أثرًا أو فرقًا ملموسًا لا يعتبر جزءًا عضويًا في "الفعل التّام""»6. ومن أثر أرسطو البديع فن الشعر، انحدرت مصطلحات البداية أو العرض أو العقدة أو تطوير الأحداث أو الخاتمة.

5- الثورة على السينما الكلاسيكية

لهذه الأسباب جميعًا كانت الأفلام التي تريد أن تكسر الأنماط السائدة تستهدف هذه الصيغة العميقة للحبكة باعتبارها السمة المميزة لبنائها والخيط الناظم الذي يربط بين الشخصيات والأفعال وفق التركيب الذي عرضناه، فتكسر منطق الأحداث وتحدّ من تتابعها الزمني وتعليلها السببي أو تلجأ إلى الأحداث الصغرى وتكثر من التفاصيل والجزئيات.

ولا تتمرّد الأفلام غير النمطية على هذا البناء إلا لموقفها منه ومما ينشأ عنه من أعمال درامية. فممّا يعيبه السينمائيون الذين يؤمنون بأنّ السينما نضال قبل أن تكون تسلية مجانية كونها تظل أعمالًا استهلاكية تستدرج المتفرّج لينخرط عاطفيًا في الأثر، فيتفاعل مع أحداثه كما لو أنه يتفاعل مع مَشاهد من الحياة اليومية، فيتفاعل مع الشخصيات وجدانيًا كأن يتعاطف مع الخيّر منها ويسخط الأشرار. وهذا ما يعمّق من استلابه ويحُول دونه والانتباه إلى أنّ الفيلم يمثّل رؤية فنية وفكرية من الواقع لا بدّ من مناقشتها والتعاطي مع الواقع في ضوئها.

الهوامش:

1. يعرّف سيد فيلد موضع الحبكة على النحو التالي: "موضع الحبكة إنما هو لحظة في ذلك القالب من الفعل الدرامي "يعلّق" في الفعل وينسجه في اتجاه آخر" سيد فيلد، السيناريو، 1989، ص 123.
2. جورج دافيد، الكتابة السّينمائية على الطريقة الأمريكية، سلسلة الفن السّابع 71، منشورات وزارة الثقافة/ المؤسسة العامة للسينما، دمشق 2004، ص 21.
3. سيد فيلد، ص 122
4. «إن استطعت أن تعقد صلة بين بدايتك ونهايتك، فان هذه الصّلة تضيف لمسة سينمائيّة جميلة. ابدأ بمشهد في النّهر وانته بمشهد في البحر: من الماء إلى الماء، أو من الطريق إلى الطريق، من شروق إلى غروب» سيد فيلد، السّيناريو، ص78.
5. فتحي النصري، معجم السرديات، إشراف محمد القاضي، ط 1، دار محمد علي للنشر تونس 2010، ص 141. ثم يضيف ما يصل هذا البناء الهرمي بالتراجيديات الإغريقية "فالحبكة إذن تتمثّل أساسا في انتقاء الأحداث والأعمال المرويّة وتنظيمها. وهو ما يجعل المادة السرديّة حكاية موحّدة تامّة لها بداية ووسط ونهاية" م. ن. ص 144.
6. Michel Chion : Ecrire un scénario, éd cahiers du cinéma, Paris 2007, P 125. وقد أوردنا مقولة أرسطو من أثره "فن الشّعر، ترجمة إبراهيم حمادة، مركز الشّارقة للإبداع الفكري، دت، ص 134.  

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى