«الدراما» بين الحقيقة والهواجس: حين تصبح الكوميديا قناعًا للألم

July 15, 2026

غالبًا ما تبدأ العلاقة بين المشاهد والعمل السينمائي من العتبة الأولى؛ وهي العنوان الذي يمنحنا تصورًا مبدئيًا عما نحن بصدد مشاهدته. في فيلم «الدراما» (The Drama, 2026) للمخرج وكاتب السيناريو النرويجي كريستوفر بورغلي Kristoffer Borgli، نجد أنفسنا أمام فخ فني متقن يتجاوز حدود  التسمية المباشرة. فحين يصنف العمل ضمن الدراما الكوميدية ينطلق الذهن تلقائيًا نحو أنماط مألوفة من القصص التي توازن بين الضحك والشجن وتنتهي عادة بنوع من التصالح الذاتي أو العاطفي، إلا أن بورغلي يستخدم هذا التصنيف كواجهةٍ زجاجيةٍ براقة تخفي خلفها جدرانًا متهالكة وأسئلة معلقة لا تتكشّف أبعادها إلا لمن يقرر الدخول والتعمق في تلك المساحات المظلمة التي يتجنب الكثيرون النظر إليها. 

يبدأ الفيلم بمشهد يبدو في ظاهره اعتياديًا تمامًا لكنه يحمل في طياته دلالات نفسية بالغة العمق، حيث نرى تشارلي (روبرت باتنسون) وهو يتجه نحو إيما (زيندايا) الجالسة في هدوء داخل مقهى، منغمسة في قراءة كتابها وكأنها تسكن عالمًا خاصًا لا يطاله الضجيج الخارجي. هنا تبرز مهارة الكاميرا في رصد التفاصيل الدقيقة التي لا تظهر للعيان من الوهلة الأولى، فملامح تشارلي لا تعكس اندفاع الشخص الذي جذبه سحر اللحظة وإنما تحمل مسحةً من الريبة والتوجس، إذ لم يقترب منها بدافع الفضول المعرفي تجاه ما تقرأه، وإنما ذهب ليبحث عن الكتاب ذاته كي يصنع مدخلًا مصطنعًا للحديث، وكأنه لم يقترب منها بعفوية المحب، بل بحذر من يخطط لشيء يخشى الإخفاق فيه.

هذه اللحظة الصغيرة هي مفتاح الفيلم بأكمله، فهي ليست مجرد مشهد تعارف، وإنما هي جوهر فهم شخصية تشارلي الذي يعاني من اضطراب داخلي يجعله في حالة استنفار دائم، فهو يعجز عن  التصرف بتلقائية، ويحتاج دائمًا إلى تأمين كل خطوة وقياس ردود الفعل المحتملة قبل أن يلفظ كلمة واحدة، وهذا القلق هو ما سيحدّد مسار العلاقة بأكملها ويضعها تحت ضغط التفكير المفرط الذي لا يهدأ.

تتوالى المشاهد بعد ذلك بإيقاعٍ يوحي بالرتابة اليومية لقصة حب ناشئة، حيث يبدأ الثنائي في بناء أحلامهما المشتركة ووضع خطط الزفاف والمنزل، لكن في ثنايا هذا الهدوء يزرع المخرج بذور الشك التي لا تلبث أن تنمو، فتشارلي يفتقر إلى القدرة على المزاح العفوي الذي تتميّز به إيما، وهو عاجز عن إكمال أي مشروع أو فكرة دون أن يجتاحه سيل من الأفكار السوداوية التي تعيق تقدمه، ثم تأتي اللحظة التي تقسم الفيلم إلى نصفين متنافرين: مشهد الاجتماع العابر الذي جمعه هو وإيما بأصدقائه لاختيار مشروب حفل الزفاف. مشهد يبدو هامشيًا، لكنه يحمل على عاتقه ثقل الفيلم كله.

وحين تحوّلت اللعبة إلى اعترافات عن أسوأ ما قام بفعله كل منهم خلال حياته، وجاء دور إيما، قالت ببساطة إنها كانت تفكر في إيذاء زملائها في المدرسة حين كانت تمر بوقت عصيب. لم تقتل أحدًا، ولم تؤذِ أحدًا، وإنما فكرت في الأمر فحسب. ومع ذلك، كانت هذه الجملة كافية لأن تُزلزل كل شيء.

هنا يتوقف الفيلم عن كونه رومانسية كوميدية ويخلع قناعه بالكامل. فنظرة الاتهام التي سكنت عيني تشارلي منذ ذلك المشهد لم تكن مجرد ذعر عابر، فقد عكست صراعاته الداخلية وهواجسه التي يخشى مواجهتها داخل نفسه.

ويزداد المشهد تعقيدًا حين نتذكر أن إيما امرأة سوداء في مجتمع أمريكي، إلى جانب ثقافة السلاح التي تحوم في الخلفية، إذ باتت جزءًا لا يتجزأ من الوعي الجمعي الأمريكي. هذا السياق لم يكن غائبًا عن الفيلم،  كان بمثابة حيز غير مرئي تجري فيه الأحداث، حيث يتحول اعتراف إيما من مجرد بوح نفسي إلى تهديد أمني في ذهن تشارلي والمجتمع من حوله. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فرغم اعتراف الآخرين بسوء أفعالهم التي نفذوها بالفعل، فإن كون المعترفة امرأة سوداء يكتسي بعدًا آخر، إذ يتحول الاعتراف في العقل الأمريكي المُشبع بتحيزاته من مجرد كشفٍ عن ألم داخلي إلى ما يشبه التهديد الجاهز للتصديق. فالشخص الأبيض الذي يقول «فكرت في شيء سيء» غالبًا ما يُقابل بالتعاطف والبحث عن مساعدة نفسية، أما الشخص الأسود حين يقول الجملة ذاتها، يُحولها المجتمع فورًا إلى خطرٍ داهم، فهو مُعدّ ومهيأ تاريخيًا على سوء الفهم هذا. وكأن الجريمة الحقيقية ليست ما تصنعه يداك، وإنما ما يعترف به لسانك. وهنا يصبح صمت الفيلم عن هذا البُعد تحديدًا، صمتًا مثيرًا للتساؤل؛ هل تجاهله المخرج عن وعي أم عن غفلة؟ وكلا الاحتمالين يستحق أن يُحسب عليه.

ما يُحسب للفيلم حقًا هو جرأته في بناء شخصية تشارلي كمركز ثقل نفسي للأحداث. هذا الرجل الجريح الذي نراه يجهّز خطابًا لحفل زفافه، رفقة صديقه مايك، محاولًا ترتيب الكلمات كما اعتاد ترتيب أفكاره، هو إنسانٌ يخوض في الحقيقة حربًا ضد نفسه. فاضطرابه صمتٌ مُكثف خالٍ من أي ضجيج مُعلن، كما أن القلق الذي يعتريه هو من النوع الذي يأكل صاحبه من الداخل لدرجة أن يؤثر على علاقاته بالآخرين.

يترجم المونتاج، في تنقّله بين الماضي والحاضر، طريقةَ تفكير تشارلي ترجمةً أمينة، فهو إنسان لا يعيش اللحظة كاملة، وإنما يعيشها موزعة بين ما كان وما يُخشى أن يكون.

غير أن هذا التركيز المُكثف على تشارلي كان له ثمنه الفني. فإيما التي كان يمكن أن تكون شريكة درامية بنفس الحجم والعمق، تراجعت تدريجيًا إلى الخلفية. واضطرابها النفسي الذي أطلّ برأسه في مشهد الاعتراف كان يستحق مساحة أكبر بكثير مما أُعطي له؛ فهي امرأة مرَّت بتجربة نفسية قاسية في طفولتها، واختارت الصدق المجرد، ثم دفعت ثمن هذا الصدق وحيدةً، لكن الفيلم لم يسمح لنا بالاقتراب منها بما يكفي.

ما يطرحه الفيلم في جوهره هو سؤال فلسفي وأخلاقي في الآن ذاته: هل يُدان الإنسان على ما فكر فيه، وإن لم يفعله؟ وهل يحق لنا أن نُعيد رسم صورة من نُحب بناءً على ما يختبيء في أعماق ذاكرته؟

وهو سؤال لم يستطع تشارلي نفسه الإجابة عنه، ولا الفيلم كذلك، إذ تظل الأحداث معلقة في المنطقة الرمادية، حيث حاول المخرج المزج بين الرومانسية والكوميديا السوداء والدراما النفسية، لكنه لم يتعمق بما يكفي في أيٍّ منهما، فظلّ معلقًا بين الاستفزاز والرغبة في قول شيء أعمق. والمفارقة أن الفيلم يعج بإشارات إلى الاضطرابات النفسية دون أن يُقر بها صراحةً. فالقلق المزمن لدى تشارلي وعجزه عن إكمال الأشياء، وحضور إيما بظلال صدمتها الطفولية وعزلتها العاطفية، وحتى الشخصيات الثانوية، التي يحمل كل واحد منها عَرَضًا نفسيًا ما، كلها مؤشرات واضحة، غير أن الفيلم يتعامل معها كديكور درامي وليس كموضوع يستحق التوقف عنده، فيُضيء الأعراض ويُطفئ التشخيص، ويُريك الجرح دون أن يسمح لك بالاقتراب منه. وهو اختيار إخراجي مفهوم، لكنه مُحبط حين يتعلق الأمر بقضايا يعيشها الملايين في صمت. فقد أثار الفيلم موضوعات الصحة النفسية والعنف الكامن وراءها وتركها مُثارة من دون استكمالها أو التعمق فيها. وكأن المخرج اقترب من النار، وعندما أحس بحرارتها، تراجع خطوات إلى الخلف.

مع ذلك، فإن الصراع الداخلي لتشارلي وهو يحاول إقناع نفسه عبر الآخرين بأن إيما ليست شخصًا سيئًا، يظلّ مجرد تفكير، ينأى عن كل فعل، ويظلّ من أكثر اللحظات النفسية صدقًا في الفيلم في الوقت نفسه. لأننا جميعًا نعرف هذا النوع من الصراع؛ صراع من يحب ويخشى في الوقت ذاته من مآلات حبه.

«الدراما» فيلم يشبه شخصياته تمامًا، يعرف ما يريد قوله، لكنه يتردّد في قوله كاملًا. يبدأ بداية ذكية، ويتمتع في صميمه بروحٍ متفردة، ويطرح أسئلة حقيقية، لكنه في منتصف الطريق يختار السلامة على الجرأة. مؤكدًا في نهايته -التي تمنح المشاهد قدرًا متباينًا من المشاعر، يتراوح بين الغرابة والتساؤل وأيضًا الطمأنينة- على أن العلاقات الإنسانية لا تُبنى على النقاء المطلق، ولكن من خلال  القدرة على رؤية الآخر في كامل تعقيده، ليصبح ممكنًا بعد كل ذلك اختيار صعوبة البقاء على سهولة الغياب.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى