لطالما أثار الوجه الإنساني فضول المبدعين من مختلف الفنون التصويرية والتشكيلية: منذ مايكل أنغلو إلى رودين في النحت، ومن رمبرانت حتى فرانسيس بيكون في الرسم، مرورًا بيوسف كرش وآني ليبوفيتز في الفوتوغرافيا، إذ رأى هؤلاء الفنانون في الوجه نافذةً يطلون منها على أغوار الروح الإنسانية؛ تلك الروح المحتجبة التي تمثل منتهى كل فن وغاية كل فنان. ولقد ورثت السينما هذا الاهتمام بتقاسيم وتعابير الوجه الإنساني، وكرّست له أكثر أدواتها حميمية: اللقطة المقربة. ولعل قصب السبق في هذا الشأن من نصيب اثنين؛ كارل ثيودور دراير، والمخرج الذي نحن بصدده: إنغمار بيرغمان.
ولسنا نلفي للحديث عن إنغمار بيرغمان مدخلاً جماليًا أكثر بلاغة ورشاقة من لقطاته المقربة للوجوه؛ حيث نجد فيها أكثر ما يميزه سينمائيًا. لا مراء أن سينما بيرغمان دائمًا ما كانت مُترعة بجدالات أخلاقية معقدة وحوارات صادمة تعلق في الأذهان، غير أن هذه المميزات ترجع في المقام الأول إلى خلفيته المسرحية، أما اللقطات المقربة للوجوه فتمثل المفردة البصرية الأبرز في أفلامه. ونظرًا لذلك، سيكون الفيلم موضوع المناقشة هو «برسونا» (Persona, 1966)، أكثر أفلام بيرغمان سينمائية من حيث كونه فيلمًا يتأمل في ماهيته، كما أنه من أبدَعهم توظيفًا لهذه اللقطات.
برسونا؛ لقطة مقربة لوجهين التحما سويًا حتى أصبحا وجهًا واحدًا. كالريح في الريح، تعاشق الوجهان حول محور تماثلٍ شفافٍ يكاد لا يُرى. نسيج لا ينفصم، واتصال لا ينقسم. تلك هي اللقطة الشهيرة من فيلم «برسونا»، التي يتمازج فيها وجه الممثلة إليزابيث فوغلر (ليف أولمان) مع وجه الممرضة ألما (بيبي أندرسون) إلى حد التماهي. وببلوغ منتصف الفيلم، نرى لقطةً ثانيةً يتمايل فيها الوجهان حول بعضهما، وتمسح كل منهما شعر الأخرى برقة. لحظة آسرة تكتنفها نفحة روحانية، تتهادى فيها الستائر في الخلفية، وتغمر الصورة مسحةٌ ناعمة من البياض.
لقطتان تشعّان طاقة جماليةً فاتنةً وحسًا تجريبيًا فريدًا، تحثّان على التأمل والتساؤل: هل هو وجه آخر، أم وجهي الآخر؟ ومن يكون هذا الآخر؟ هل هو كيان مستقل عني، أم مجرد ماهية أخرى أنطوي عليها، تحول بيني وبين الاتساق الكامل مع ذاتي؟
«برسونا»، ليس سوى سؤال طويل ومركّب حول إمكانية انصهار الثنائيات في كلٍّ منسجم. يطرحه بيرغمان بدءًا من مونتاج الافتتاحية، حيث نشاهد قرائن عديدة على فكرة الثنائية والازدواج. نشاهد شخصية كرتونية من فيلم رسوم متحركة تغسل يدها، يتبعها مشهد حقيقي لطفل يغسل يده، في مقابلة بين طبيعة الرسوم المتحركة والمشاهد الحية. كما نشاهد خروفًا يُذبح ويسيل دمه، تليه لقطة مقربة لمسامير تخترق راحة يد. بهذه التوكيدات البصرية، يمهد بيرغمان لفكرة الازدواج، وكذلك للدم الذي سيُسفك خلال الفيلم؛ دم الهوية المُثخنة بالانفصام.
تتكثّف الثنائيات على مدار الفيلم، وتتكشّف أبعادها النفسية والشعورية عن طريق العلاقة بين إليزابيث وألما. نشاهد مقابلة واضحة بين صمت إليزابيث الواعي وثرثرة ألما العفوية. حيث تلوذ إليزابيث إلى الصمت هربًا من توتر هويتها، بين صورتها عند نفسها وشخصيتها الفنية (برسونتها). ومن هنا يأتي اسم الفيلم، والذي سيصطحبنا إلى مدارات تأويلية أكثر استيعابًا ورحابة. البرسونا هي الشخصية التي يتبناها النجم للظهور أمام الجمهور والإعلام، واللفظة لاتينية الأصل وتعني القناع. تحاول إليزابيث بصمتها أن تمسح عن هويتها مساحيق التجميل الاجتماعية، وأن تنزع عن وجهها كل قناع لا يوافق طبيعتها. تواجهها الطبيبة النفسية المشرفة عليها بالحقيقة: «تعتقدين أنني لا أفهم؟ إنه الحلم المستحيل بالوجود، بالوجود الخالص، لا بالتظاهر به. أن تكوني واعية يقظة في كل لحظة. تحاولين رتق الصدع بين ما أنت عليه في نظر الآخرين وما تعتقدين أنه صورتك الحقيقية. ذلك الجوع الدائم لأن تُنزع عنك كل الأقنعة نهائيًا وبلا رجعة»، ولأن نفي الأشياء يكون عادة من نفس جنسها، تنبّهها الطبيبة إلى أن صمتها واعتزالها الحياة بهذه الطريقة ليس سوى قناع جديد لن تلبث أن تضيق به.
تنتهي المواجهة بين إليزابيث والطبيبة بلقطة مقربة تجمع بين وجهيهما، وهو تكوين "بيرغماني" يصاحب اللحظات المفتاحية في أفلامه. لحظات الحقيقة في سينما بيرغمان، والتي عادة ما تكون مؤلمة، هي اللحظات التي تقترب فيها الكاميرا من الوجوه حتى تعرّيها من دِثار المسافة. يجلو بيرغمان انعكاس المشاعر على ملامح الوجه عبر تحكمه بالإضاءة، وهنا يجدر بنا الإشارة إلى مدير تصويره المبدع سفين نيكفست (Sven Nykvist). تتميز صورة نيكفست بإضاءة ناعمة نابعة من مصدر واحد، ما يمنح الصورة صفاءً ويحدّ من وجود الظلال. كما يؤطر بيرغمان وجوه شخصياته بعناصر بصرية داكنة، مثل الكنزات ذات الياقات المرتفعة. يُبرز هذا التباين، بين الإضاءة الناعمة والكنزات الداكنة، ملامحَ الوجه، فتصبح بؤرةَ التركيز الوحيدة داخل الكادر. يدرك بيرغمان أن تعبيرات الوجه ما هي إلا استجابات عضلية لحالة الإنسان النفسية؛ فلكلِّ ابتسامة، عابرة كانت أم قلقة، لكل رجفة شفة، أو عضة على شفة، لكل هذه التعبيرات دلالتها في استكشاف دواخل الشخصية الدرامية. أو بعبارة فتغنشتاين: «المعنى سيماء»1.
بعد هذه المواجهة، تبدأ الرحلة النفسية الوعرة في المنزل الشاطئي. رحلة يتوالى فيها سقوط الأقنعة، ولكن لا يسقط قناع إلا ليكشف عن قناع آخر.
تلتزم إليزابيث الصمت، بينما لا تكفّ ألما عن الكلام. يبدأ حديثها خفيفًا وعابرًا، دون أن يكشف شيئًا عنها، كأنه مجرد ضوضاء تملأ بها فراغ الصمت. وبالتدريج، ومع صمود صمت إليزابيث، تنزلق الاعترافات الكاشفة، بل الفاضحة أحيانًا. نرى بجلاء كيف يبتلعها هذا الصمت، فهي لا تتلقى أي أحكام أخلاقية مباشرة على اعترافاتها من الممثلة الجميلة، التي تحلم أن تكون مثلها وفي مثل جمالها، كما صرّحت. ومن هنا تبدأ عملية إسقاط نفسي شرسة يدفعها الصمت ويغذيها الإعجاب. تذوب ألما في ملامح إليزابيث، وتأخذ الخطوط الفاصلة بينهما بالخفوت.
تتحوّل ألما تدريجيًا إلى إليزابيث؛ فتتخلّى عن ملابس الممرضة، وترتدي الكنزات الداكنة والقبعات الكبيرة، وتتشبّه بها في أسلوبها وحركاتها شيئًا فشيئًا. فثمة دائمًا أقنعة للكراء حين لا نشعر بالاتساق مع ذواتنا، بيد أن هذه الأقنعة لا تصلح للقاءٍ عارٍ مع أنفسنا.
وفي لحظة فارقة، تتعرَّى ألما أمام نفسها حين تقرأ خطاب إليزابيث، وتكتشف أنها مجرد تسلية للممثلة، وأن اعترافاتها ليست سوى ملاحظات لدراسة شخصية ساذجة. نرى ذاك اللقاء العاري حين تنظر لصورتها في البحيرة. غير أن ألما لا تقع في حب نفسها مثل نرسيس، لكنها تجزع من صفاء الحقيقة ودوي صدى اعترافاتها. تضطرب ألما وتفقد توازنها النفسي المصطنع؛ فتُؤذي إليزابيث في المشهد التالي، بقطعة زجاج تتركها عامدة في طريقها. يعزز بيرغمان من صدق مشاهده بصريًا ويمهد للعنف النفسي الآتي؛ إذ يشطر شريط الفيلم ويشوشه، كاسرًا الجدار الرابع بطريقة غير تقليدية. فهو، منذ مونتاج الافتتاحية، حيث يرينا كيف تولد الأفلام، وصولاً إلى هذه اللحظة عندما يشطُر الشريط، يسلب الإيهام عن الفيلم وينزع قناعه. يذكرنا بيرغمان بأن هذا فيلم واعٍ بذاته، فيلم يتأمل أدواته ويختبر حدوده. يدرك بيرغمان قيود فنه وحدود التواصل عبر الصورة، وكأنه يقول: «حتى أنا أرتدي قناعًا لأتواصل معكم، غير أن هذا القناع، بدوره، ليس كافيًا».
بعد ذلك، تتوالى سلسلة من المواجهات الجسدية والنفسية حتى نبلغ ذروة الفيلم في المواجهة الأخيرة. تنفجر ألما وتعنف إليزابيث نفسيًا، حيث تكشف لها حقيقتها مجردةً من أي زخرف، وكأنها تجسد صراخ ضمير إليزابيث المعذب. يرينا بيرغمان المشهد نفسه مرتين، لكن من زاويتين مختلفتين، بلقطتين مقربتين للوجه: الأولى على وجه إليزابيث، والثانية على وجه ألما. يرى بيرغمان في الوجه كل الفضاء الدرامي الذي يحتاجه المشاهد، إذ تكفي لقطة مقربة واحدة للوجه لإيصال وإيضاح كل التعقيدات النفسية؛ فالوجه يشرب من ماء القلب2. وفي لغة الضاد، قد تحمل لفظة "الوجه" معنى القلب، كما في الحديث: «لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». يتساءل بيرغمان عن الهوية والذات عبر لقطَاته المقربة للوجوه، أو بالأحرى لقلوب شخصياته، ليسبر ما يكمن وراءها من خبايا وتعقيدات. لقد جعل من الوجه مسرحًا لأسئلته، وصوّره لنا ظلاً للهوية؛ ظلاً لا يفصح عن الحقيقة، إنما يكشف هشاشتها.
ينتهي المشهد باللقطة الشهيرة التي يلتحم فيها الوجهان، والتي تعد بلورةً بصريةً لكل الانقسامات والصراعات التي عايشناها على مدار الفيلم. كانت هذه الصورة بالذات نواة الفيلم التي راودت بيرغمان حينما كان يرقد في المستشفى بسبب مرض في أذنه: «كنت راقدًا هناك، منهكًا، وفجأة باغتتني صورة لوجهين، وجهين متواشجين. كانت تلك هي البداية، واللحظة التي انطلق منها كل شيء»3، فإذا كانت هذه هي البداية بالنسبة لبيرغمان، فما هي ملامح النهاية؟
لعل المأساة، كما يلمّح بيرغمان، هي أن الإنسان لا يستطيع العيش بدون أقنعة. ولعل التحام الوجهين لا يعبر عن هدأة الاتحاد، وإنما عن هشاشة الحدود. يتركنا بيرغمان مُعلّقين بلا إجابات قاطعة، وكأنه يقول: «الهوية ليست يقينًا يُدرك، بل هي ظل يُراوغنا كلما حاولنا الإمساك به»، وقد نستعين بدرويش حين قال: «سقط القناع… عن القناع … عن القناع».
وختامًا، ماذا لو أن القناع هو الحقيقة؟ بمعنى أنه وسيلتنا الوحيدة لملامسة ما نسميه هوية، ولو بشكل مؤقت. وأن ذلك الوجه الصادق الذي نبحث عنه، ونرجو أن يكون فينا، ليس سوى سراب؟ وهكذا يغدو الفيلم إعلانًا عن هشاشة الهوية، وتفكيكًا لليقين الزائف بأنها ثابتة راسخة. ولأن هذا فيلم لبيرغمان، فإن كل هذه الهشاشة تتجلّى حين نتفرّس في الوجوه.



