«العراب»: البراءة والحب الموءود في حياة «مايكل كورليوني»

August 2, 2024

يمثل «مايكل كورليوني»، والذي قام بدوره آل باتشينو، في سلسلة أفلام «العراب» (The Godfather)، قصةَ الحلم الأمريكي المجهض. وهو الابن الذي أراد له والده الدون فيتو كورليوني، الدورُ الأشهر لـمارلون براندو، أن ينشأ خارج تقاليد المافيا العائلية وأعمالها الشنيعة، وأن يصبح بطلَ حربٍ، ومن ثم يخوض غمار السياسة عضوًا في الكونغرس أو في منصب سياسي رفيع، ليساعد حينها أعمال العائلة عبر مكانته السياسية ونفوذه. فطموحاتُ العائلة، وخطّتها المرسومة لمايكل، تتمثل في أن يبقى نظيفَ اليد والسمعة، وألا يتلطخ بأوساخ العائلة وقذارة أعمالها، إلا أن الرياح تعاكس رغبات الجميع، فيقوم مايكل بأسوأ ما يمكن أن يقوم به رجل مافيا: قتل رجل شرطة. 

تتجلّى في حياة مايكل مأساة البشر في صراع تاريخهم الشخصي، وسياقاتهم الاجتماعية، ورغباتهم، وأفعالهم، ثم النتائج التي يحصدونها، والتي يمكن أن تعاكس كل ما حلموا به أو سعوا إليه، فمصير مايكل حُسم قبل ولادته بسنوات طوال، وذلك بانحداره من عائلة صقلية محاطة بالمافيا من كل جانب، فرجال المافيا قتلوا جده، ثم قتلوا عمه الطفل الذي أعلن رغبته بالثأر، أما جدته فقُتلت في محاولتها حماية ابنها الصغير، أما والده فجاء طفلاً وحيدًا مهاجرًا إلى نيويورك ليبدأ حياته من الصفر، ثم ينخرط في أعمال المافيا حتى تأسيس عائلته، فورث مايكل مكانة والده وأعماله وأقداره.

في أول ظهور لمايكل في الفيلم، يدخل، بلباسه العسكري وأوسمته على صدره، إلى حفل زفاف أخته. وهو بصحبة حبيبته وزوجته وأم أطفاله لاحقًا كاي آدمز -التي قامت بدورها «ديان كيتون»- والتي تبدو مرتابة من سمعة عائلته وجذورها الإيطالية وارتباطها بالعصابات، ويبدو مايكل -«بطل الحرب نظيف السمعة»- غير مهتم بتلميع سجل عائلته، فهو يسرد لكاي قصصًا عن والده تتضمن العبارة الشهيرة «قدمت له عرضًا لا يستطيع رفضه» بكل أريحية، وكأنها قصص تُروى للأطفال قُبيل النوم. فتبدو كاي مندهشة وربما خائفة من هذا الحديث عن أعمال العائلة الذي يبدأ به الفيلم، إلا أن هذه الشفافية تنقلب إلى إنكار تام، فأريحية بطلِ الحرب في الحديث عن الأعمال القذرة للعائلة تنقلب إلى إنكارٍ تامٍ من العرّاب -مايكل- في النهاية. ففي آخر الفيلم الأول من ثلاثية «العراب»، وعندما تُلِحّ كاي بالسؤال عن حقيقة قتل مايكل لزوج أخته، يغضب ويثور، ثم يقول إنها المرة الوحيدة التي سيسمح فيها لكاي بسؤاله عن «الأعمال»، وبعد سؤالها عن الواقعة، ينفي -يكذب- بحسم. وتعد هذه من اللحظات المميزة التي يتجلّى فيها مايكل، بثوبه الجديد المستحق، عرابًا للعائلة. 

تأتي نقطة التحول في حياة مايكل بمحاولة اغتيال والده، ثم انتقامه من تاجر المخدرات سولوزو الملقب بـ«التركي»، وإنهاء حياته إلى جانب الشرطي الفاسد الذي يحميه. وتعد هذه الخطوة فعلًا قاتلًا لأعمال المافيا، إذ تقطع صلاتهم بالسياسيين ورجال الشرطة الفاسدين التابعين لهم، كما أن مرتكب هذا الجرم يتعرض للنبذ من عائلات المافيا الخمس الكبرى. وهذا ما يحدث بالفعل، إذ تشتعل حرب طاحنة بين مجموع العائلات. ويغرق مايكل في مستنقع أعمال العائلة، وتتلطّخ حياته بالدماء والجريمة وتتمزق أحلامه السياسية، فيعيش حياة الهرب والمنفى، ليغادر نيويورك، تاركًا حبيبته كاي آدمز بلا أي عزاء أو خبر يطمئنها عنه. 

وبذلك تصبح حياته في مهب الريح، حياةً يحدوها الانتظار والترقب، إلا أن مايكل يعيش وسط كل هذا الرعب آخرَ لحظةٍ عابرةٍ ونقيةٍ وصادقة في حياته، لحظة تمثل كل ما أراده في حياته وفقده: زيارة صقلية. فبعد كل التداعيات القاتلة التي حدثت في حياة مايكل، تأتي لحظة صقلية أشبه بالحلم الجميل العذب، قصةٌ من عالم الشعر والسحر، ورواية من قصص الأميرات والشجن، قصة هذا الفتى الأمريكي الوسيم القادم من وراء المحيط الذي تخطف قلبه فتاةٌ جميلة وبريئة في جزيرة نائية قصيّة. 

يرى مايكل الفتاة -أبولونيا- وهو يتسكع في صقلية مع مرافقين لحمايته الشخصية، ذاهبًا لزيارة مسقط رأسه «كورليون». يعلّق أحد مرافقيه: «لقد ضربته صاعقة». يقف مايكل متسمرًا في مكانه، وأبولونيا كذلك، وكأن الصاعقة قُسمت بينهما بالتساوي. يضيف مرافقه معلقًا: «نساء صقلية أخطر من البنادق»، وهن كذلك، فالبندقية تضرب قلب مايكل في مقتل. يواصلون المسير إلى غاية الوصول إلى رجل صقلي يضيّفهم في منزله. 

يبقى مايكل في صمته، فمن تضربه الصاعقة يعجز عن الكلام، بينما يواصل مرافقوه أحاديثهم المشاغبة مع الرجل العجوز الذي يُجاريهم بحماس المجرّب والعارف بفتنة النساء وجمال الصقليات، إلا أن الأب ينتفض فجأةً بعد أن يصفوا له الفتاة التي يتحدثون عنها، قائلًا: «لا توجد فتاة بهذه المواصفات هنا». يدرك أن ابنته هي الصاعقة التي ضربت قلب مايكل وأثارت أحاديث مرافقيه المشاكسة، فيذهب غاضبًا للحديث مع ابنته، ليفهم حكايات الصاعقة والبندقية والصقليات.  

يتعالى الضجيج في بيت الرجل العجوز. يأمر مايكل أحد مرافقيه أن ينادي عليه. فيحمل المرافق بندقيته، ويتبعه المرافق الآخر وهو يحمل بندقيته كذلك. يتحدث إليه مايكل بهدوء، يعرّف بنفسه، ويهدده بأن هذه المعلومة قيمة، سيخسر حياته لو أفشاها، ثم يطلب منه الزواج من ابنته، ومواعدتها تحت أعين العائلة؛ وهو ما يبدو طلبًا مؤدبًا وواضحًا. لا يخفي الرجل العجوز إعجابه بمايكل. ربما لم ينتبه حتى للبنادق المحيطة به. يوافق الأب بلا تردد على عرض مايكل رغبةً لا رهبة، فتكتسي رحلة صقلية أو منفى الجزيرة النائية بالأحلام الوردية والآمال السعيدة تحت ظلال الحب وآمال العيش الرغيد. 

تستمر قصة حب مايكل وأبولونيا، وتفضَح نظرات العاشقين الحب الناشئ بينهما. وكأن مايكل يعود إلى براءته الأولى، قبل أن يتلطّخ بالانتقام والدماء. يتطهَّر مايكل من ذنبه وخيبته بالحب، وبالطمأنينة، ويتجسد الأمان أخيرًا في عيني امرأة بريئة وفاتنة، تتسم بذاك النوع من الجمال الساحر الهادئ، الذي إذا تمكّن من قلب رجل ما، يغرز فيه جذوره حتى النهاية. ومع كل هذه الحياة الجديدة والحالمة، نجد مايكل منشدًّا إلى قدره، فهو ينتظر لحظة عودته إلى نيويورك بفارغ الصبر، متلهفًا إلى عائلة لم يسمع أخبارها، وأب جريح يجهل مصيره، وحرب طاحنة لا يعرف قتلاها، وشبح انتقام مزعج يحيط به. 

ولذا نرى أن مايكل كورليوني لا يتزحزح عن قدره، فهو لم يُخلق للحب والطمأنينة والسكينة والسعادة. إنه ابن الكراهية والانتقام، وتوأم القلق والحزن، ومصيره الدائم الفقدُ والألم. تتفجر حياة مايكل على حين غرة، فتحترق أحلامه الوردية في جحيم الخيانة؛ إذ تُدبر محاولة لاغتياله بتفجير سيارته في صقلية بتواطؤ أحد مرافقيه. تُلغم السيارة وتنتظر هدفها بلهفة، إلا أنها تخطئ جسده وتصيب روحه إلى الأبد. ومستغرقًا في السكينة التي تغمره بوجود حبيبته، يبدأ مايكل بتعليم أبولونيا قيادة السيارة، وبحماس البدايات ترغب أبولونيا بالقيادة طوال الوقت، فتنتظره خلف المقود مستخدمة المنبه لتفاجئه بأنها هي من ستقود السيارة إلى مكان لجوئِهما الجديد، بعد أن أصبحت حياة مايكل في صقلية مهددة، بُعيد مقتل أخيه «سوني». إلا أن أقدار مايكل تسبقه، فتنفجِر السيارة، مخطئةً هدفها -مايكل- لكنها تقتل كل ما في داخله، لتبقى تلك اللحظة جرحًا غائرًا في حياته حتى أيامه الأخيرة.

ربما تكون لحظة مقتل أبولونيا تحت أنظار مايكل هي لحظة ارتطامه بحتمية مصيره، اللحظة التي يعرف فيها أن حياته منذورة للقتل والدماء، لحروب المافيا والانتقام، ولخُطط الاغتيال ومكائد الإطاحة بالخصوم. فتنفجِر بعد هذه اللحظة حياة مايكل ليصبح ما هو عليه، عرابًا شرسًا يقتل بلا تمييز. فالبراءة التي عاشها في صقلية مع أبولونيا، والتي فقدها بسبب الغدر، لن تُسترجع إلا في عيون ابنته ماري في الجزء الثالث من السلسلة الأشهر في تاريخ السينما، إلا أن مايكل -قبيل مقتل ابنته ماري- يتحدث لابنه وابنته عن لحظة صقلية تلك، الفردوس المفقود، فيتذكر بنحيب مكتوم أبولونيا خلال غناء ابنه أنطونيو لأغنيةٍ صقليةٍ حزينة، بل إن مايكل يأخذ كاي إلى صقلية ليسترجع تلك الأيام، ويدور حوار بينهما عن الشوق، ويخبرها عن اشتياقه إليها وإلى أطفاله في منفاه، فتقول كاي: «الشوق الذي جعلك تتزوج أبولونيا»، ليرد مايكل: «لم يمر يوم دون أن أفكر فيك وفي الأطفال»،  ولعله يكون صادقًا.  

إن علاقة مايكل مع الموت شائكة. فالموت يسلبُ منه كل شيء إلا روحه، ويتركه يُعاني ويتعذب. فهذا الوحش الذي افتقد الحب والبراءة مبكرًا سيفقد ما تبقّى له من مشاعر باغتيال ابنته ماري بين أحضانه، إذ يتم اغتيالها بالخطأ، بينما يكون هو المستهدف دائمًا، وتكون النجاة كذلك حليفته على الدوام، إلا أنه ينجو مهشّمًا منزوع الروح. وربما كان هذا الصوت المتصاعد من أعماق روحه، الشاهد على هذه الروح المهشمة، هو الصرخة الأشهر في تاريخ السينما. 

‍

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى