كيف ينجح فيلمٌ على الشاشة ويزهو، وكيف يُساق إلى الفشل، ويُجهَزُ عليه من حيث لا يحتسب؟ يكمن السر، ببساطة، في أن أسرعَ الطرق إلى قتل فيلم هي تقديم معالجة سينمائية مكشوفة لدى الجميع. أما ازدهاره فيتحقّق حين تُروى حبكة عادية عبر معالجة درامية شديدة الإتقان والإبداع. وهذا ما حدث مع فيلم بارك تشان ووك «لا خيار آخر» (No Other Choice, 2025)، فرغم بساطة الحبكة، إلا أن المعالجة أَخَذَت على عاتِـقِـها تميّز الفيلم ككوميديا سوداء. وذلك أن أكثر ما يجنيه المخرجون على أنفسهم هو اختيارهم لقصة جميلة مبدئيًا، لتتفوق بعدها توقعات الجمهور على ما يقدّمه الصانع، فتتصدّع العلاقة بين الفيلم وجمهوره.
الصانع..قبل كل شيء
يُعد "بارك تشان ووك" واحدًا من أكثر مخرجي هذا العصر تميزًا وابتكارًا على مستوى التقنيات السينمائية. فمنذ بداية الألفية وحتى يومنا هذا، يمضي مقتحمًا مجالات جديدة ذات مساحات إبداعية وتجريبية رحبة، مقدمًا تقنيات كتابية وتصويرية تُدرّس في معاهد السينما، تقنياتٌ قد تُرى على أنّها "أمر بديهي"، لكنها كانت أشبه باختراعات وابتكارات متفردة وقتها، خصوصًا وأن المُتابع لأعماله سيلمس تطورًا في أسلوبه في الكتابة في «ثلاثية الانتقام» (The Vengeance Trilogy)، وهي أساليب تجريبية دخيلة على السينما الروائية، لها استخدامات سابقة في أفلام تسجيلية وأفلام نوار مُهمّشة، من دول وسط وشرق آسيا، مثل استخدام منظور البطل لسرد قصةٍ خارجية، وتداخل السرديات لتشكيل صورة نهائية، أو استخدام حركة الكاميرا التتبعية -الحركية- لتصوير مشاهد الهلع النفسي، واستخدام عكس ذلك، بتثبيت الكاميرا خلال مشاهد الأكشن العنيفة تحقيقًا لمبدأ تثبيت الحالة الأكثر انتظامًا وتكثيفًا على الشاشة والتي تحوز زخمًا شعوريًا كبيرًا، بالإضافة إلى اتخاذه ثيمات عالمية من مصادر أدبية مختلفة وتركيزه على ثيمات إنسانية مشتركة.
نرى تميّز أسلوبه المبدع في فيلم «ظمأ» (Thirst, 2009)، الذي جعل فيه اليقين الإيماني الذي تحظى به شخصية البطل السبب الأكبر لما تعرض إليه من إغواء، وقد كانت عائلته هي المصدر الأكبر للضغط عليه. ولا يعتمد تناوله لشخصياته على نظام قوس الشخصية الأدبي Character Arc، إذ يتعمّد أن يحيطَ شخصياته بغموضٍ وإيهامٍ يُشكلّها وفقَ ما يشاء، حتى تؤول قصّة مصاص الدماء المؤمن في الفيلم إلى نقطة لا يمكن التنبّؤ بها. ولا يتوقف الأمر عند استخدامه للموسيقى والإيحاءات الصوتية وطرق التصوير الملتوية والصعبة في فيلم «قرار الرحيل» (Decision to Leave, 2022) بل يتعدّى ذلك إلى سيطرته على أسلوب وشكل السرد البصري والتقطيع والمونتاج. إنّ كل عنصر سينمائي في أفلام بارك يصرخُ بأسلوبه الواضح، ابتداءًا من السرد، والمعالجة، وحتى أدق تفاصيل الشاشة.
الحبكة..ومعالجتها
لقد تطرّقت الكثير من القصص إلى صعوبات الحياة الوظيفية لدى الفرد، إذ ليس هناك ما يضع الإنسان على المحك مثل سعيه المحموم خلف الرزق، وقد يكون الفيلم البلجيكي «يومان، وليلة» (Two Days, One night, 2014) من أهم الأفلام التي تطرّقت بشكل إبداعي إلى هذا الموضوع، إذّ صوّر الحالة الشعورية لبطلته المنهارة وهي تواجه شبح البطالة. ينطلق فيلم «لا خيار آخر» من هذه النقطة تحديدا، ولكن -وكعادة أفلام بارك- يقدم سردًا مغايرًا غير متوقع، وأحداثًا ملتويةً، وشخصياتٍ يصعب توقعها. يبدأ الفيلم بسرد حقيقةٍ واحدةٍ تحيط بها سلسلة من الانطباعات الملتبسة، فكل ما نعرفه في البداية هو أن "يوه مان-سو" قد فُصِلَ عن وظيفته، لتتكشّف لنا الحياة الراقية التي تتمتع بها عائلته، حيث تتمحور أنماطهم الحياتية على الرياضات الفارهة، والهوايات المتميزة، مثل التنس وعزف التشيلّو، التي تضمن لأبناء هذه الطبقة الالتحاق بـ "نوادي النخبة" والاحتكاك بهم. وفي استعارة بصرية موحية، يتسلّل الخريف ويخيّم على حياة العائلة شيئًا فشيئًا، لنبدأ بعدها في تفكيك طبائعهم المعقدة، وعلاقاتهم المتشابكة، والظروف المشتركة التي تجمع بينهم.
يُهيّأ لنا في بادىء الأمر أن الأب "يوه مان-سو" يتمتع بصفات معيّنة، إذ يظهر في البداية بشخصية المحارب العالق في تراث ماضيه العتيق، غير قادر على مواكبة متطلبات الحياة العصرية، إذ يحافظ على تراث جدّه من حرب فيتنام، ولا يطمح سوى إلى العيش في البيت الذي اصطفاه كذكرى لطفولته. هذا الانطباع الأولي الذي توفّره المعالجة السينمائية البديعة والسرد المتقن لهذه الحبكة، يجعلنا نصل إلى مرحلة نظنّ فيها أننا على مقربة من فهم الشخصية، التي قد يراها البعض ناقصة، وغير مكتملة الأركان، والبعض اﻷخر قد يراها شخصيةً تافهةً ومكتوبةً بشكل رديء.
وهنا تكمن مواطن تميّز هذا الفيلم، إذ أنه لا يفصح عما بدواخل شخصياته، بل يضعنا في خضمّ الأحداث، حيث يستخدم السيناريو تكنيكًا عبقريًا يتمثل في إحاطة الشخصية الرئيسية بالشك والريبة، وعدم القدرة على توقع تصرفاتها.
بالنسبة لكاتب نص الفيلم، فإن الشخصيات المعقّدة كبطلِ فيلمنا والمشبّعة بحمولة ثقافية وسياقية كثيفة، تعد سيفًا ذو حدّين. ففي قصّة مقتبسة من رواية أمريكية، يُشاع عند بعض كتاب جنس الحداثة والسرد الحديث أن استخدام الغموض المحيط بالشخصية الرئيسية يُشكّل الأحداث وفق ما يبتغيه العمل، فشرح الشخصية صعب، وتبيان حقيقتها أصعب، فيعمد الكثير من الكُتَّاب إلى صنع شبكة من الأحداث حول الشخصية، تساهم في تشكيل شكلها وفق ما تقتضيه رياح الرواية والأحداث في صقله لنا، إذ يتحرر السرد من عبئ التبيان، وينشط في أقوى مراحله ألا وهو الصراع، سواء أكان ذلك كامنًا أو في خضمّ حدث. يستخدم الفيلم هنا تكنيك الشخصية الغامضة لتحقيق تمايز يتمثل في:
1-كوميديا سوداء:
في قصة أفرادها لا يفهمون بعضهم، يتعمد البطل تبنّي العنف كوسيلة باراغماتية لتحقيق هدفه، وتبرز النكتة في تبنيه بشكل غير واع لمواقف مدير الشركة الطاعن في السن وزوجته، تارةً عندما تسأله عن حالته الوظيفية يرد بنفس جواب ضحيته، وتارةً عند تسلل الشك إلى نفسه من الخيانة في علاقته الزوجية، وما بين هذا وذاك، تمتد بعض الأحداث البيّنيّة التي تزيد من حدّة الدراما، بل وحتّى تبنّي بعض تقطيعات المونتاج وزوايا الكاميرا التي تولّد معنى كوميديا مكافئا لم يرد في النص الأصلي، إذ أن الفعل على أرض الواقع فعلٌ سلبي غارق في سوداويته وجنونه، لكنّ حدته تنكسر عند عرضه في كوميديا بصرية سريعة.
2- تبدّل وتغيّر منظور البطل:
في الفصل الأول من الفيلم، وأثناء بحثه المضني عن وظيفة جديدة، نرى أسوأ ما في البطل، ونستشفّ كل الصفات التي تتسبب ﻷي موظف بالطرد من أي منشأة بأسوء طريقة ممكنة: إذ يتأخّر عن مواعيده، ولا يتحلّى بالمرونة اللازمة في بعض المقابلات، إلى جانب التسويف، والكذب على زوجته، لذلك جاء عنوان هذا الفصل «لا خيار آخر» من منطلق تقبّل هذا المصير، فلا بيت للعائلة، ولا رفاهية يتمتع بها الأولاد.
وما إن تتبدّل الرؤية نرى الحسّ البوليسي لدى البطل، من خلال تخطيطه للقتل، ومحاولاته المشتتة للاغتيال، ومع كل مهمة جديدة في الفيلم يتكشّف لنا جزء جديد من علاقته بعائلته، وكيفية تصرّفاته. ومن سخرية اﻷحداث، لا يترك لنا السيناريو أي خيار آخر للتعاطف معه أو مع ما يحدث معه، وفي كل موقف يحمل معنى "لا خيار آخر"، يكشف لنا عن تشظّي علاقته بزوجته، وأبنائه، ثم نكتشف مرض ابنته وأن "لا خيار آخر" أمامها لعزف التشيللو الذي فيه علّو ورفعة لمكانتها، تكفَله موهبتها التي تُعد درعها الواقي أمام الزمن، ورغم الضغط المعنوي الذي وضعته العائلة على الأب العاطل، نرى تعاطفهم الكبير تجاهه.
ثم تأتي الانفراجة عند أكثر نقطة حرجة في الأحداث، عند تحقيق الشرطة في مقتل أحد مرشّحي الوظيفة المنافسين للأب، والذي كان رجلاً إيجابيًا مرنًا، متعاطفًا، أي أنه كان صورةً كاملةً متكاملة من الصفات المعاكسة لشخصية البطل، الذي ما تلبث أن تتكشّف شخصيته الحادّة والمريبة في طريقة تعامله مع قضية إبنه القاصر، وفي إشاراته وحواراته الغريبة ومنافسَته الشرسة مع زوجته، التي تبدو تضحيتها معاناة لا تطاق.
يميل السيناريو إلى المباشرة في الفصل الأخير، ويدنو من الحد الفاصل بين الهزل والعبث، إذ نرى السيناريو يكافئ شخصيات الفيلم على مرادها، كزوجة العجوز الخائنة التي لم تفلح في تأدية أي دور تمثيلي سوى أمام الشرطة، وزوجة البطل التي حرصت على عدم قبول إهانات أخرى داخل ملكيتهم وتحت ترابهم، والإبن الذي أوصله تعاطفه مع أبيه لمحاولة فهم دوافعه العميقة سواءًا كانت تبدو هزلية في نظر الأب أم لا. وفي كل موقف من مواقف الفصل اﻷخير تساهم الكاميرا وكل العناصر البصرية في بروزة المعاني وتكثيفها.
الخلاصة الفنّية والثقافية
لا يحاكم الفيلم أي شخصية، ولا يضع الأفكار على مقصلة التطبيق، ومع مشهد النهاية الذي يصوّر التطور الصناعي المستمر في نزع موارد الطبيعة، والتغيير الحاصل على أنظمة العمل، إلى جانب الاستعارة ذاتها للخريف في البداية، يصل الفيلم في النهاية إلى مراده حول فكرة أن التغيير آت، و"لا خيار آخر" له، ورغم ما يتمتع به الفيلم من خصوصية فكرته العالمية في أبعادها، إلا أنه عالجها بجرأة شديدة الأصالة، وتنازل عن محاسبة الوقائع السياسية التي أغرقت السينما الغربية بمفهومها العام، إذ تشكّل ثيمات الفيلم مأساة عولمية تمسّ الإنسان في كل موضع، في الوظيفة، والتفاوت الطبقي، والبيئة…إلخ.
تشكل هذه الثيمات قوةً صارخة تجعل من صُنّاعِها موضِعَ كُلِّ حَدَثٍ عالميّ، لكن بارك والسينما الكورية، لم يشتهرا سوى بالسياقات الكوريّة المحليّة، وإن أي منتج ثقافي كوري وصل إلى العالمية هو في الحقيقة أكثر أشكال المشاكل المعولمة الدارجة في السياق الكوري. ففيلم «الطفيلي» (The Parasite, 2019) يحاسب الطبقة الوسطى بالمجتمع الكوري، و«لعبة الحبار» (Squid Game)، رغم ما به من صنعة بصرية تداعب دوبامين المشاهدين، فهو ينطلق من مشكلة تفاوت الفرص والتعليم التي يعاني منها المجتمع الكوري، ومن قبلهم أغنية "غانغنام ستايل" العالمية التي اشتهرت بلحنها الراقص وحركاتها المقلّدة، ويعود سبب شهرتها لأنها خاطبت ما بداخل كل كوري حانق على التفاوت المعيشي بين منطقة وأخرى، ورغم ما بهذه الأمثلة من مواد خام تنتقد الوضع المعيشي الكوري، فإن فيلم «لا خيار آخر» يمتلك كل الطاقات الكامنة ليكون فيلمًا عابرًا للحدود، فرغم سياقه المحلي والحقيقي، إلا أنه يخاطب الجميع، ويثبت أن الفن الأصيل ..عالميّ الطبع، هو موضع الاهتمام الأمثل!



