«كوكوهو»: الكوريوغراف الياباني بوصفه كنزًا وطنيًا

February 25, 2026

عن الولع بالفن، وعن الانبهار والشغف بتقديم عملٍ ينبض من عمق التراث الياباني، يقدّم المخرج الكوري لي سانغ-إيل ملحمته السينمائية القائمة على الجمال البصري للمسرح الياباني، والموسيقى الشعبية، ووفرةٍ آسرةٍ من الألوان. انطلاقًا من رواية «كوكوهو» للكاتب الياباني شويتشي يوشيدا، يقتبس لي سانغ-إيل فيلمه الذي يحمل العنوان ذاته، متخذًا من فن الكابوكي (المسرح الغنائي الراقص)، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من أربعمائة عام، محورًا سرديًا وجماليًا. هذا الفن، المبني على قصص من التراث الياباني، يعتمد على تقديم تابلوهات مسرحية من الرقص والغناء، يؤدي من خلالها ممثلون ذكور أدوارًا نسائية، تتجسد في تحويلهم إلى نساء بشكل كلي عبر المظهر الخارجي، والمكياج، والأداء الحركي، مما يتطلب منهم جهدًا مضنيًا في التقمّص والانضباط الجسدي على خشبة المسرح وأمام جماهير حاشدة. وبمسارين متمايزين للأحداث، أحدهما مسرحي، والآخر سينمائي، ممتدّ لخمسين عامًا، يصوّر لي سانغ-إيل أحداثَ فيلمه مبديًا شغفًا كبيرا بتلك التفاصيل الصغيرة للتراث الياباني المتمثل في عالم الكابوكي. وأول تلك التفاصيل هو اللون، إذ يبدأ فيلمه من خلال لون يتجلّى تحديدا في الجسد، الذي يُغطّى بالكامل بالأبيض، كما يختار لي سانغ-إيل اختتام عمله باللون أيضًا، في نورٍ ساطعٍ يجد ضالته في السماء.

يبدأ الفيلم بجسد «كيكُوُو» (يؤدي دوره في صباه كورُوكـاوا سُويا، وفي مرحلة البلوغ يوشيزاوا ريو)، وقد تمّت تغطيته بالمسحوق الأبيض استعدادًا للصعود إلى مسرح صغير داخل إحدى الحانات لتأدية فقرة من عمل مسرحي لفن الكابوكي. بين الحضور يجلس والده (الذي يجسّده ناغاسي ماساتوشي)، ويستقبل صديقًا له، الممثل الشهير في عالم الكابوكي «هاناي أنجيرو» (قام بأداء الدور كين واتانابي)، الذي يراقب عرض كيكُوُو مندهشًا بتلقائيته رغم صغر سنه. بعد انتهاء كيكُوُو من أدائه لدوره المسرحي، يشهد فجأة هجومًا لعصابة ياكوزا (عصابات إجرامية يابانية أشبه بعصابات المافيا)، تدور خلاله معركة داخل الحانة تنتهي بمقتل والده أمام عينيه. يلتقط المخرج لي سانغ-إيل هذه اللحظة الحياتية القاسية، ويحوّلها إلى نقطة انطلاق لسرد أحداث الفيلم من الناحية الدرامية. وفي الوقت ذاته، يؤسس من خلالها لعلاقة فنية بين «أنجيرو» و«كيكُوُو»، ستأخذ الأخير إلى ولوج عالم الكابوكي بشكل احترافي عبر مسرح عائلة أنجيرو. وعليه، سيتوجب على كيكُوُو تجاوز صدمة مقتل والده، ليدخل صراعًا جسديًا ونفسيًا محتدمًا من خلال الالتزام بالتدريب القاسي والمتعب على فن الكابوكي، وإتقانه بشكل احترافي خالٍ من الخطأ. علاوة على ذلك، سيواجه كيكُوُو تحديًا آخر متمثلًا في علاقته المتوترة مع ابن أنجيرو، شونسُكي (يؤديه صبيًا كوشياما كيتاتسو، وفي مرحلة البلوغ يوكوهاما ريوسي). يعود لي سانغ مجددًا ويمسك بأطراف العلاقة بين البطلين كمحفّز درامي لمسارهما الفني في فن الكابوكي، مبرزًا التوتر المتصاعد بين الطرفين في جميع مراحل حياتهما معًا، في صعودهما الفني وانكسارهما لاحقًا على المسرح وفي الحياة. على أن أشد تحديات كيكُوُو نفسيًا، وعلى الشاشة، ستتمثل في استبدال هويته الإنسانية الطبيعية بكينونة فنية منسلخة عن الواقع، والانغماس عميقًا في الكابوكي. سنشاهد تطور ولمعان كيكُوُو فنيًا عبر التفاني المفرط، مرورًا بالأنانية الباردة، وانتهاءً بتغييب أي شكل من أشكال المعنى والإحساس الشعوري الإنساني، وصولًا إلى نقطة الخلود الفني.

وبالنظر إلى المسارات الدرامية التي اختطّها لي سانغ لفيلمه، فإنها بالمقابل لن تدفع بالفيلم إلى ذروات تصاعدية عالية، إذ تسير بعض الأحداث في الفيلم بشكل بطيء نسبيًا، خصوصًا مع زمن الفيلم الممتد لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة. الأمر الذي سيدفع لي سانغ إلى اتباع مسار مغاير كي يدفع بالفيلم نحو التصاعد، وقد كان تعويله في ذلك على التابلوهات البديعة والمميّزة لمسرح الكابوكي الراقص، إذ تُبهرنا على نحو لافت في حكاياتها وطريقة تصوير أحداثها، وأداءات ممثليها الدرامية، وحركاتهم الراقصة، وختامًا في جانبها البصري المتمثل في الألوان الزاهية. ومن هنا تحديدًا، من الألوان وتنوّعها، من الفاتر منها، كالأبيض والرمادي، الذي يظهر في المساحيق التي تغطي أجساد الممثلين على المسرح، الأمر الذي يُشعرك بانفصال الشخصيات عن واقعهم، وانغماسهم أكثر في قالب الشخصيات التي يؤدّونها على المسرح. أما الأحمر، فكان الإحساس المتولد منه صاعقًا، لا سيما في ارتباطه بلون الدم، إذ لم يكن مجرد مسحوق على الوجوه، إنما تجاوز ذلك، لنراه في لقطات من الفيلم يسيل من أجساد الممثلين على المسرح. كل تلك الصبغات اللونية تترك اللاعبين على المسرح معبّئين بأحاسيسَ باردة وغائرة في حزنها الداخلي، مما يجعل تلك الأحاسيس تمتد إلينا كمشاهدين أيضًا، لنكون جزءًا من الشخصيات ومشاركين -كنتيجة مباشرة- عبر حركة مشاعرنا. ويا لروعة هذه الألوان في اللقطات الكاملة على المسرح، والتي أدارها المصوّر السينمائي سفيان الفاني. فعندما تقترب الكاميرا من الوجوه والأجساد، يثري سفيان بُعدًا عميقًا للدخول إلى أحاسيس الحزن والتمزق على المسرح، أما في لقطاته المتوسطة فقد كان تركيزه منصبًّا على الحركة الأدائية الفردية الراقصة للممثلين، بينما عكست لقطاته البعيدة التركيز على روعة أداءات الكابوكي مجتمعة، كتبلوهٍ راقصٍ وحميم.

ويضاف إلى جماليات الصورة السينمائية والألوانِ بعدٌ آخر مساعدٌ وأساسيٌّ في بناء لغة الفيلم الدرامية، نستشعره مطولًا في اللقطات، وبالذات في الجانب المسرحي، ألا وهو الصوت، وبشكل أدق موسيقى الفيلم التصويرية. فمع الموسيقى المصاحبة للتابلوهات الراقصة على المسرح، والمخصّصة لفن الكابوكي، وهي من التراث الياباني وجزء لا يتجزأ من جمالية العمل المسرحي، تبرز موسيقى الفيلم، بشكل لافت، عبر مسارين آخرين. الأول، في الخط الدرامي الممتد خارج مسرح الكابوكي، إذ تنغمس في تحريك المشاعر عبر القلق والخوف والرغبة، والطموح والانكسار، وأخيرًا العظمة. أما في الخط الثاني، وهو الأهم، فتبرز الموسيقى بشكل عميق ومدروس من داخل عالم الكابوكي ذاته. إن ما عمد إليه لي سانغ، ونجح فيه ببالغ التأثير (كما في الصورة)، يتمثل في إدراج الموسيقى في لحظات الذروة المقبلة على الانكسار والسقوط على المسرح، إذ في خضم عزلة الممثلين مسرحيًا واندماجهم مع أدوارهم، تأتي الموسيقى كعنصر درامي بديل عن الكلام الذي يتوجّب أن يُقال للتعبير عن تلك الدواخل المشروخة حياتيًا لأولئك الممثلين. فموسيقيًا، تعد انسلاخًا لحظيًا مهما عن الدور المسرحي، وحوارا داخليا أو جماعيا يودّ الصراخ لكنه لا يستطيع، فتعبّر عنه الموسيقى على نحو لافت. وهنا تكتمل جمالية لي سانغ السينمائية في توثيق لحظات الذروة كلغة بديلة عن الحوار بين الممثلين، أو مع ذواتهم، في فردانيتهم المغلقة على المسرح.

في خطّه الدرامي السينمائي، يحوّل لي سانغ شخوصه إلى عوامل تُسخَّر بأكملها نحو الهدف الأساسي، وهو مجد الكابوكي المسرحي. في «كوكوهو» لا وجود لبطل حقيقي؛ صحيح أن الفيلم، بجُلّه، قائم على شخصية كيكُوُو القريبة من صبغة البطل المضاد اللامنتمي، إلا أن معظم الأدوار في الفيلم تسلك المسار نفسه، لكن بتقلّبات مختلطة بين القسوة والعاطفة، والطموح والجمود، والوفاء والخذلان، والعظمة والعدمية. يُعمّق «كوكوهو» بجدارة اغترابَ الممثلين عن ذواتهم بشكل كامل، ليصبح ذلك أداة خطيرة ومهدِّدة لوجودهم الحياتي بعيدًا عن الفن. لكنه، وبنحو متناقض أيضًا، يبرّر لأبطال فن الكابوكي المسارَ القاسي والمُهلك في إيجاد حياة أخرى براقة وحسّية على خشبة المسرح، تجعلهم يسيرون في ذلك الطريق من دون وعي، لكن بإحساس سامٍ، نبيل، وشغوف، مُكرَّس للفن وحده ولا شيء غيره. هوسٌ، أو جنونٌ، أو كلاهما معًا، سيصبح هذا المزيج وسِيلَتهم للهروب نحو سماء الفن، حيث الخلود، أو بالأحرى نحو مقام الكنز الوطني.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى