توفي شوجي تيراياما من قصور في الكبد [قبل ما يزيد عن 30 عامًا]، وإني ﻷتعجب من الحاجة إلى التعريف به لجيل الغرب الجديد. إن سمعته طيّبة في اليابان، فالكتب التي ألفها وتلك المؤلفة عنه موجودة في كل مكتبةٍ وبكمياتٍ معتبرة، وأفلامه لا تزال متوفرة، ونتاجه المسرحي لا يزال يُعاد إنتاجه. اسمه رائج حتى اليوم، إلا أنه منسيّ في أمريكا وأوروبا؛ فآخر عرض لشركته المسرحية «تنجو ساجِكي» كان في لندن عام (1978)، (كانت مسرحية مستلهمة من مؤلَّف جوناثان سويفت الهجائي «إرشادات للخدم» (Directions to Servents)، وللأمانة، كنت ضيفًا شرفيًا في الفرقة)، ولم تُعرض أفلامه منذ المعرض الاستذكاري لدار السينما الوطنية في لندن عام 1987. أما الآن فهو قطعةٌ أثرية في متحف تيت. إن تقديره بهذه الطريقة مرحّب به بالطبع، لكن لا مناص من الشعور بأن فنانًا حيويًا متطرفًا يتعرض للاختزال والتصنيف.
ثمة حادثتان في طفولة تيراياما وفتوّته صقلتا شخصيته. وُلد شوجي (عام 1935) في سفح جبل أُسوري بمحافظة آوموري، وهو جبل يُقال إنه «مسكون» بالأشباح، وقد اجتذب اﻷرواح والشامانات لقرون عديدة. تشرّب تيراياما خرافات وأساطير مجتمعه طوال فترة طفولته. ثم قضى أعوام دراسته الجامعية طريح الفراش في مشفى حي شنجكو بطوكيو، حين أصابه الالتهاب الكلوي الذي أودى به لاحقًا عام (1983). وكانت نافذة عنبر حجرته تطل على أزقة شنجكو التي تعج بالمظاهرات الطلابية والعروض المسرحية في الشارع والفعاليات الفنية، وحتى مناوشات الياكوزا المريبة. صارت شنجكو في منتصف الستينيات من القرن العشرين مركزًا للثقافة اليابانية المضادة (شاهد فيلم أوشيما «يوميات لص في شنجكو» (Diary of a Shinjuku Thief, 1969) لمزيدٍ من التفاصيل). استوعبَ وعي تيراياما، بلزومه المشفى، قالبًا موازيًا جمع بين أشباح جبل أُسوري وحياة الشارع في شنجكو، وهذا منحه موردًا من الصور المجازية تشبّعت بها معظم مؤلفاته اللاحقة.
دخل تيراياما الوعي الياباني العام شاعرًا، ناشرًا تانكا كلاسيكية-جديدة «قصائد من 31 مقطعًا» بمسحة سريالية. وكان فور خروجه من المشفى ومشاركته في تأسيس الفرقة المسرحية "تنجو ساجِكي" - ومعنى الاسم «أطفال الفردوس» [ترجمتها الحرفية من اليابانية: معرض السقف]- في طريقه إلى سوء السمعة الوطنية، بسبب دعواته التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة النطاق للشباب لهجر أسرهم الجائرة، وقطع صلّتهم بالأمهات المستبدات تحديدًا.
ويُعد مثل هذا الترويج مخزيًا لأي دولة، أما في يابان الفكر الجماعي الملتزمة بتقاليدها فقد كان زلزالًا. بقي تيراياما في المشهد العام آخر 15 سنة من عمره تحت اﻷضواء من خلال وابل من المسرحيات والأفلام والروايات والقصائد، ووصل حتى إلى فئات لم تطل اهتماماتها الفن بفضل ظهوره عدة مرات معلقًا على مواجهات الملاكمة ودليلًا للمراهنات على السباقات. كان بمثابة ما يُعرَف اليوم بمسمى «المثقف الشعبي»، يظهر باستمرار بآرائه المتفردة في البرامج الحوارية ونقاشات الأخبار. وقد سعى عبر كل هذا إلى أن يكون صوتَ اليسار المنفصل والسريالي المتصلف، مناديًا بثورة للعقول.
لقد كانت جُلّ مؤلفات تيراياما متصلة؛ فقد اقتبس قصائده في أفلامه، وكثيرًا ما عَرض حتى صورًا وتعزيزات بصرية من مسرحياته على الشاشة. فيلمه الوحيد الذي يعتبر ضمن التيار السائد في صناعة الأفلام كان «الملاكم» (The Boxer, 1977)، مستغلًا ضلوعه بالتعليق الرياضي فيه، وضمّ عددًا من أبطال الملاكمة الحقيقيين.
غمرت مؤلفاته كلا الاتجاهين. عرض في أحد أفلامه القصيرة مسامير بأحجام مختلفة تخترق حيوات الشخصيات، وانتهى بدعوة الجمهور للترجل وطرق المسامير على الشاشة. وآخر يبدأ ببغايا يُهِنَّ الحضور بعجزهم وخضوعهم، إلى أن ينهض رجل معترض ينثر الفشار -وهي حيلة مدبرة بالتأكيد- فتسحبته النساء إلى الشاشة ويجرّدنه من ملابسه ويذللنه ثم يخرجنه إلى المدرج عاريًا.
كان آخر إنتاج لفرقته "تينجو ساجيكي"، الذي أقيم في مستودع مرافئ شاسع على ثلاثة مسارح، تفصل بينها مئات الأمتار، نسخةٌ من رواية «مئة عام من العزلة» لماركيز. أما آخر أفلامه «وداع السفينة» (Farewell to the Arc, 1984) - استكمله فريقه بعد موته عام (1984)- فكان بدوره نسخة من المسرحية المقتبسة عن ماركيز، نُقلت أحداثها إلى أوكيناوا وعَرضت أضخم تضاد شوهد بين الشخصيات والمكان.
في مسيرته السينمائية، كان تيراياما ينتقل بسلاسة بين الأفلام الروائية -التي تعرض في دور السينما- وأفلامه القصيرة «التجريبية» أكثر من أي مخرج يأتي على البال! أحد الأسباب أن كلا الخطّين في إنتاجه ضمّ أعضاء من فرقة "تنجو ساجكي"، واستند إلى أفكار سبق لهم استكشافها على المسرح.
أفلامه القصيرة الأولى مثل: «كاتشب طماطم الإمبراطور» (Emperor Tomato Ketchup)، عن أطفال بين الخامسة والعاشرة يتمردون على الراشدين المتحكمّين، كانت، في الأساس، جمعًا من الارتجالات معيّة الممثلين، وفيلمه الطويل الأول «ألقوا كتبكم واخرجوا إلى الشارع» (Throw Away Your Books, Rally in the Streets, 1971) كان مأخوذًا من مسرحية من نوع «مسرح الحقيقة» تحمل الاسم ذاته؛ حيث دُعيَ الجمهور إلى المسرح ليطبّقوا رغباتهم وتخيّلاتهم. بيد أن الفيلم عَرَضَ سردَ تيراياما المعتاد عن طقوس مرور فتىً من الطبقة العاملة في خضم أحداث يائسة، ومنه وُضِعَ النمط لأفلام لاحقة مثل فلميه: «غميضة ريفية» (Pastoral: to die in the country)، و«متاهة الأعشاب» (Grass Labyrinth, 1979)؛ فكلاهما يركز على شبّان يكتشفون رغباتهم الشهوانية لكن مع مفهومٍ جديدٍ للاعتماد الجمالي.
آخر ما قدم تيراياما، في أي مجال كان، تبادلُ الرسائل التصويرية مع الشاعر تاكيناوا شينتارو (معروف بأنه المترجم الياباني لحكايات الأوزة الأم [Mother Goose]). يزخر مؤلَّفه "رسالةٌ تسجيلية 1982" [Video Letter] بالومضات الصغيرة الشبيهة بالوحي، حيث يستكشف "المراسلان" إمكانيات ما اعتُبَر وسيطًا جديدًا آنذاك، إلا أنه أيضًا سردٌ مؤلمٌ لتدهور صحة تيراياما والألم الذي عاناه في أشهره الأخيرة. يعيد هذا العمل مسيرته الفنية إلى نقطة البداية، مُعيدًا إياه إلى حبه الأول: الشعر.



