تجذبنا حلاوة الحب ونتوجه نحوه مغشيي الأبصار، فاقدين بوصلة الطريق، في حيرة، إلى أي مكان نتوجه؟ يُفقدنا تركيزَنا بصلاحية ذواتنا حتى نصبح منتمين للآخر بطريقة تلبسية عجيبة لا تحدث مع بني البشر إلا في علاقاتهم العاطفية الصادقة. كما أنَّه يجعل منا أشخاصًا نصنع جوازًا للسفر تُمضى تأشيراته بختم السكينة والاستقرار. هذا ما يفعله بنا الحب حين نكون مصرّين عليه ومنتمين له، جاعلين منه نطاقًا حيويًا للاستمرارية والتحقيق. حين يكون الحب اختيارًا وقرارًا، يكون تعلقنا به ملحميًا أكثر وغِراءً أصلب.
أكثر ما يثير إعجابي وانبهاري بالأفلام السينمائية هي درجات التعقيد والبساطة المعمولة بدهاء ينم عن صانع محترف لهذا النوع من الفنون، التعقيدات الموجودة داخل الفيلم على أكبر قدر من البساطة، والبساطة الموجودة في خطوط الشعرية التي شاهدناها هي أكبر دليل على عبقرية التعقيد ومحاسنها، عندما تصادف أن تشاهد فيلمًا رومانسيًا يحكي عن واقعة إنسانية محكية بشكل انسيابي قد يجعلك تفكر بأن السينما خُلقت لهذا النوع من الأفلام والسرديات، تجعل منك تفكر بطريقة مختلفة عن المعتاد، وتصبح عوالمك الموازية كلها تدور في فلك الإبهار المعجون بخميرة الفن الصحي الذي ينتمي إلى كينونة الإنسان.
فيلم «حيوات سابقة» (Past Lives - 2023) حالة فنية متميزة على مختلف الصُعُد التي قد تكون تقارب في جماليتها البصرية والدرامية، تلك الروايات التي عندما يقرؤها الفرد ينتمي إليها بشكل سحري عجائبي، ويصبح ممارسًا لحيواته داخل قصص الأبطال ويقاسمهم فتاتهم التراجيدي. هذا ما حدث لي وأنا أحاول تفكيك شيفرات أعين الشخصيات الموجودة داخل الفيلم، أحاول سبر أغوارهم واستبحاث ذواتهم، والتطرق إلى خصوصيتهم والجوسسة على أحوالهم بكل تفاضل ومن غير كلل أو تململ. هذا ما نختبره عندما نلتقي بقيمة فنية متجسدة برقة وأناقة واحتراف. أحب هذه التصورات عن الحياة، عن الفقد والحب والاستعجال والتطرق. أحب هذه العجنة المليئة بالخمائر حتى تكبر وتنفخ وتقدم لنا في الأخير شهوة زكية فاتحة للأنفس قابلة وغير متعسرة للهضم.
الفيلم هو حالة من الممرات الثلاثة الأساسية التي جعلت من تكوينه سهل الاستساغة والقبول، قد أحاول اختصارها بشكل الثلاثي في هذا الجزئيات:
المرحلة الأولى: الرغبة في الطفولة
بداية تَشَكُّل الذوات، راغبين غير فاقدين. هذه المرحلة الأولى في الفيلم والتي تُعتبر اللبنة الأساسية في صياغة الفلسفة السردية في هذا الفيلم. تحاول المخرجة سيلين سونغ تشكيل تعقيدات كونية مبسطة عن الطفولة والأحلام والتعلق والرغبة، عن تشكل الأحلام والتلذذ في المستقبل والتصوير له برغبة الارتباط، كمشهد سؤال الأم لـ«نورا» عن الفتى الذي تحبه في المدرسة (كل أماني الطفولة والأحلام تشكلت عبر هذا المشهد والمشاهد المتابعة له، حيث إن رسم مقاليد وسِيَر الشخصيات كان في اعتقادي مؤسَسًا له من المشهد الافتتاحي، الذي كان عبارة عن حوار طريف بين الشخصيتين الرئيستين) وبكاء نورا لتَفَوُّق «هاي سونغ» عليها في نتائج الامتحانات الدراسية؛ هذا المشهد البسيط ينم عن رغبة دفينة لـ«نورا» في حبها للتفوق وتحقيق الذات، حيث إن البكاء هو استجابة فسيولوجية وعاطفية معقدة، إذ إنه سلوك بشري طبيعي ويعمل باعتباره وسيلة للتعبير عن المشاعر وإيصالها، حيث إن البكاء في الثقافة الكورية يُعبّر عن ضعف معيَّن في قدرة حياتية معينة. بالرغم من أن مشاهد البكاء لم تكن واضحة فيزيائيًا، فإنه أشيرَ إليها في عديدٍ من المواقف الموجودة داخل حلقات الفيلم المختلفة. تعمّدت المخرجة إظهار الشخصية النسوية بشكل أكبر لأنها محور الحدث، حيث إن العمليات الفعلية الدرامية هي المحرك الأساسي فيها، حيث إن الأحلام في التحقق والتمكين بدت جليًا في كل المَشاهد، بداية من رغبة نورا في حيازة جائزة نوبل، وهو حلم يصعب تحقيقه في كوريا.
من الملاحظ في الفيلم تعمُّد عدم ذكر كلمة «كوريا الجنوبية»، بل استُعمِلَت «كوريا» فقط، وهذا في اعتقادي قد يكون له دلالتان واضحتان، أولهما: الصراع السياسي–العسكري بين الكوريتين؛ لهذا السبب استُعمِلَت «كوريا» للدلالة على إنكار وجود كيان كوريا الشمالية الشيوعية، وأن هناك كوريا واحدة فقط وهي كوريا الجنوبية من دون ذكر موقعها الجغرافي لأنها هي المتواجدة والمتأصلة. وثانيهما: عدم ذكر «الجنوبية» لأن كوريا حاليًا قد تكون تنافس أمريكا في تمكين المواطنين من ممارسة حريتهم التعبيرية؛ لذلك، حاول أصحاب العمل الابتعاد عن ذكر كلمة «الجنوبية» لتفادي الإساءة لكوريا الجنوبية بشكلها الحالي.
المرحلة الثانية: جناية البوح وتكرار القَدَر
«جناية البوح» هو مصطلح قديم يُستخدم لوصف حالة شخصية يعاني فيها الشخص من صعوبة في التعبير عن مشاعره أو أفكاره بشكل صريح. يُستخدم المصطلح أحيانًا للإشارة إلى الإحجام عن البوح بما يدور في داخل الشخص، وعدم التمكن من التعبير بحرية عن مشاعره وأفكاره بسبب الخوف من الردود السلبية أو الانتقادات، وقد يكون السبب في عدم البوح هو انعدام الثقة بالنفس أحيانًا، والخوف من الرفض أحيانًا أخرى، وهذا ما حدث مع شخصية هاي سونغ ونورا حيث إن كلاهما فضّل عدم البوح خوفًا من ارتكاب الجناية التي قد تكون مؤذية لهما، حيث إن التقية العاطفية هي تقية مهلكة مستنزفة لمشاعر البشر وهذا ما حدث بين الشخصيتين، حيث إن النقلات النوعية التي حدثت لكل منهما (في حالة نورا: السفر إلى كندا، وبعدها إلى نيويورك، وفي حالة هاي سونغ: الخدمة العسكرية، وبعدها الجامعة ومشاغل تخصص الهندسة، كما هو معروف) جعلت كلًا منهما له فلسفته الخاصة وبيئة تربوية مختلفة عن الآخر، إلا أن هاي سونغ يمثل لنورا كل شيء، وسنحاول التفصيل في ذلك في الفصل الثالث.
حلقة الوصل النفسية في هذه الجزئية هي الرغبة في عدم الفقد، حيث يشير الدافع الذي يدفع الإنسان إلى الحفاظ على ما لديه من شيء معين أو على العلاقات أو الأشياء التي تمثل قيمة له. هذا المفهوم يمتد إلى مختلَف جوانب الحياة، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالممتلكات المادية أو العواطف أو العلاقات. الرغبة بعدم الفقد تعكس الاهتمام البشري الطبيعي بالحفاظ على ما يعتبره مهمًا بالنسبة إليه. هذا الدافع يمكن أن يكون مصدرًا للتحفيز على العمل بجد واتخاذ القرارات الحكيمة من أجل تحقيق الأهداف والحفاظ على العلاقات الإيجابية، وهذا بالفعل ما حدث عندما أرادت نورا وضع حد لهذه العلاقة الجغرافية مترامية الأطراف بين عالمين مبتعدين والانشغال بنفسها والتركيز على الكتابة المسرحية كهدف عابر للقارات، وهذا ما جعل نورا تنتقل الى المرحلة الأخيرة عند لقائها بأجمل الشخصيات كتابةً: آرثر.
المرحلة الثالثة: اكتشاف الذات و صوابية القرارات في الحياة الحالية
قبل الخوض في عالم الفيلم في فصله الأخير، أريد العروج سريعًا عن مفهوم القرارات في علم النفس وما هي أهم العوامل التي تؤثر في صوابية القرارات، حيث إنها تشير إلى درجة التطابق بين القرارات التي يتخذها الشخص والحقائق أو البيانات المتاحة له في الوقت الحالي. في سياق عملية اتخاذ القرار، تعني كذلك أن القرار الذي اتخذه الشخص يعكس بشكل دقيق الواقع والمعلومات المتاحة. هناك عوامل متعددة يمكن أن تؤثر على صوابية القرارات، بما في ذلك:
- جودة المعلومات: قرارات أكثر صوابية تعتمد على معلومات دقيقة وموثوقة. إذا كانت المعلومات غير دقيقة أو غير كاملة، فإن هذا يمكن أن يؤدي إلى قرارات غير صحيحة.
- التحليل والتقييم: القدرة على تحليل وتقييم المعلومات بشكل صحيح تلعب دورًا كبيرًا في صوابية القرارات. القرارات التي تعتمد على تحليل دقيق للمعلومات عادة ما تكون أكثر صوابية.
- العوامل النفسية: العوامل النفسية مثل العواطف والتوجهات الشخصية قد تؤثر في صوابية القرارات. قد تؤدي العواطف القوية أو الانحيازات إلى اتخاذ قرارات غير صائبة.
- الخبرة: الخبرة في مجال معين تساهم في اتخاذ قرارات أكثر صوابية. الأشخاص ذوو الخبرة عادة ما يكونون قادرين على تحليل المعلومات بشكل أفضل واتخاذ قرارات مستنيرة.
- الزمن: بعض القرارات قد تكون أكثر صوابية في بعض الأوقات من غيرها. قد يؤدي التسرع في اتخاذ قرار أو التأخر في اتخاذه إلى قرارات غير صائبة.
- التنوع والآراء المتعددة: استشارة مجموعة متنوعة من الأشخاص والحصول على آراء مختلفة قد تساعد في تقدير الوضع بشكل أكثر صوابية وشمولية.
أعتقد أن هذه العوامل الستة اجتمعت جميعها في ظروف زمنية معينة عند كل من الشخصيات الثلاث في الفيلم. إن طبيعة تكوين البشر وتأثير البنية النسقية الخارجية على تفكيرهم هي التي تؤدي بالضرورة إلى أفعالهم وتؤثر في سلوكياتهم في اختيار قراراتهم المستقبلية.
إن الحديث في هذه الجزئية قد يرتكز إلى شخصيتين في اعتباري، ألا وهما نورا وآرثر، حيث إن الحوارات المعمولة لهذين الشخصين هم الأكثر ذكاءً وتفردًا، خاصة مشهد السرير عندما يحاورها آرثر عن مدى صحية علاقتهما، وهل اختيارها الحالي هو الذي كانت ترغب فيه عند مغادرتها بلدها الأصلي، حيث إن آرثر يعلم جيدًا أن هاي سونغ لا يمثل مجرد رجل كوري عابر، بل هو يُعتبر جذريًا الوطن والانتماء والطفولة والعذرية والحب الأول، يُعتبر تكوينة ترغب فيها كل سيدة في الحياة، الشخص الذي يُشعرك بماهيتك ويُشعرك بتواجدك وتحققك. آرثر شخصية متفوقة وذكية ومحبة جدًا لنوار، حيث إن رغبته في إبقائها معه قد تفوق رغبته في تحقيق ذاته في عالم الكتابة، حيث إنه يَعتبر أو يؤمن بأنه قدَرُها وأنها هي قدَرُه انطلاقًا من فلسفة «إن يان» البوذية. يريد أن تكون لزوجته الحرية في الاختيار والإعجاب المطلق بهاي سونغ ظاهريًا لأنه أمريكي متحرر وكاتب مثقف، ولكن في الأخير، تنم أسألته الوجودية عن طبقات الإنسانية والأنانية والتملك العفيف لزوجته وحبه لها والتخوف من فقدها.
في مشهد البكاء الأخير يُختم فصل من الحياة. إن الحب اختيار وليس قدرًا، ولكن ليس كل ما نختاره نستطيع بلوغه. يكثف هذا الحوار مفهوم الفيلم عن الحب واﻷقدار، فالحب قد يبدو من بعيد كقدر لا راد له، إلا أن تفاصيل الحياة العادية وتعقيداتها تخلع عنه تلك القداسة وتحوِّله من قدرٍ إلى قرار، فلو كان الحب قدرًا، لكانت نورا الآن مع هاي سونج، حبيب طفولتها الذي بدا لنا منذ اللحظات اﻷولى أنه توأم روحها المقدر لها أن تقترن به للأبد، لا بآرثر زوجها اﻷمريكي.