في السنوات الأخيرة، تحولت السينما العربية إلى حقل تجارب لتجميل البؤس، وإعادة تغليف الهزيمة في لقطات بصرية صامتة تصلح لمهرجانات أوروبا. صار الفقر ديكورًا، والمأساة مادةً قابلة للتداول الفني، والهوية مجرد خلفية أنيقة لقصص "إنسانية" تُروى بعيون الآخر. ما كان يومًا سينما للناس، صار اليوم سينما عنهم، موجّهة لمن لا يعيش عالمهم ولا يفهمه. هكذا صارت المهرجانات العالمية - لا الجمهور ولا النقاد المحليون - هي المقياس الأوحد لما يُعتبر "سينما جيدة"، والنتيجة: جيل من المخرجين يصنع أفلامًا بوعي استعماري مقلوب، يكتبون واقعهم بلغةٍ ليست لغتهم، ويصوّرون أوطانهم كمن يعرض جثةً أمام كاميرا أجنبية تبحث عن الدموع أكثر مما تبحث عن الحقيقة.
لم تعد المهرجانات مجرد منصات عرض، بل أصبحت بنية إنتاج قائمة بذاتها، تمتلك المال والمعايير واللغة. الدعم الأوروبي، الذي يُقدَّم تحت شعار “التنوع الثقافي”، هو في جوهره آلية تمويل مشروطة - لا رقابة صريحة فيها، بل توجيه ناعم. فالموضوعات المفضَّلة معروفة: المرأة في مواجهة المجتمع، الجسد في مواجهة الدين، المهمش في مواجهة النظام، واللاجئ في مواجهة البحر. القضايا حقيقية، لكنها تُقدَّم في قالبٍ متكرر، محايد سياسيًا، وخالٍ من الجذور. ما يهمّ المهرجانات ليس التجربة، بل قابليتها للتصدير. وهكذا صارت الكاميرا العربية، تحت ضغط التمويل والتوزيع، تُعيد إنتاج صورة “الشرق البائس الجميل” الذي يُثير التعاطف ولا يُهدد أحدًا.
كان فيلم «كفرناحوم» (نادين لبكي - لبنان، 2018) هو الشرارة الأولى التي مهدت الطريق لموجة ما سُمّي لاحقًا بـ”جماليات البؤس” في السينما العربية الحديثة. منذ عرضه في مهرجان كان ونيله جائزة لجنة التحكيم، ثم ترشحه للأوسكار، بدا أن المؤسسات الأوروبية وجدت ضالتها في هذا النوع من الأفلام التي تمزج المأساة بالنعومة البصرية، وتحوّل الألم العربي إلى مشهد قابل للتأمل الإنساني من بعيد. رسّخ “كفرناحوم” معادلة البؤس الجمالي، وأعاد تعريف الفقر لا كأزمة اجتماعية محلية، بل كمنظر إنساني قابل للتداول الفني. لبكي، بذكائها البصري وقدرتها على إدارة العاطفة، منحت الغرب ما كان يبحث عنه: ألمًا مؤطرًا بالضوء، دموعًا يمكن مشاهدتها بأمانٍ جمالي.
الفيلم جميل ومؤثر بلا شك، لكنه يقدّم المعاناة بوصفها منتجًا بصريًا أكثر من كونها تجربة داخلية تخص بيئة بعينها. بيروت في “كفرناحوم” ليست مدينة تُعاش، بل مدينة تُصوَّر. والفقر ليس صرخة من الداخل، بل خطاب موجه إلى الخارج بلغة الرحمة العالمية. في هذا الفيلم، تُروى المأساة بلسانٍ يفهمه العالم، لكن يفقد في المقابل لهجة المكان. ومع “كفرناحوم”، وُلدت الصيغة التي ستتكرر بعده في تجارب عربية عديدة: صورة جميلة لمعاناة لا تُفهم إلا من بعيد، وبكاءٌ أنيق يعبر الحدود بسهولة لأنه لا يُهدّد أحدًا.
وإذا كان «كفرناحوم» قد جلب التعاطف إلى ذروة جماليته، فإن «ريش» (2021 - Feathers) للمخرج عمر الزهيري، أخذ المعادلة نفسها إلى أقصاها، منزوعًا من العاطفة هذه المرة، كأنه التجسيد الأكثر تجريدًا للبؤس كفنّ. نال الفيلم تصفيق المهرجانات الأوروبية بوصفه “اكتشافًا جديدًا للسينما المصرية”، بينما انقسم حوله المصريون بين الغضب والاستغراب. ليس لأنهم ضد الفن، بل لأنهم رأوا فيه صورة لا تشبههم. البؤس في الفيلم يبدو مصمَّمًا بعناية: إضاءة رمادية، وجوه متيبسة، زمن راكد، كل شيء مُرتَّب ليُرضي نظرة المهرجان الباحثة عن الغرابة.
في هذا العالم الصامت، لا يُقدَّم الفقر كتجربة اجتماعية، بل كمادة بصرية خالصة تُدار كما تُدار لوحة تجريدية، حيث القبح يُرتَّب ليصبح جميلًا. الجماليات هنا لا تكشف الواقع بل تُزيّنه، لا تهدم الصورة النمطية بل تصقلها لتصبح مقبولة أكثر في عيون الآخر. كأن الفقر نفسه لم يعد معاناة بل مشهدًا مؤطرًا بالضوء، مشهدًا عن “القسوة الشرقية” التي يحب الغرب تأملها من بعيد. حين يفقد الفقر سياقه، يتحول من حياة تُعاش إلى تصميم يُعرَض، ومن صرخة داخلية إلى صمت مدروس يُريح ضمير المتفرج الأوروبي.
ليس «ريش» استثناءً، بل جزء من منظومة أوسع تحوّل فيها الفقر إلى مشهدٍ صالحٍ للعرض. في «ورد مسموم» (2018 - Poisonous Roses) للمخرج أحمد فوزي صالح، يبدو كل شيء صادقًا حتى لحظة التصوير. فالفيلم مأخوذ من رواية مصرية، يدور في حي المدابغ، ويتعامل مع شخصيات حقيقية، لكنه بمجرد أن يبدأ، ينفصل عن الواقع الذي يزعم أنه يصوّره. الكاميرا تنظر من علٍ، لا من الداخل، كأنها تراقبُ حياةَ الفقراء من خلف زجاج الفن المعاصر. الوجوه متعبة، لكن التعب مصمَّم بعناية. الإضاءة الرمادية، الإيقاع البطيء، الصمت الطويل، كلها عناصر تُستخدم هنا كزخارف، لا كضرورة درامية.
المشكلة ليست في التعاطف، بل في التمثيل المشروط: فوزي صالح يصوّر المهمشين لا كما يراهم المجتمع، بل كما يريد أن يراهم الغرب. الفقر يتحول إلى جمالية، والعجز إلى فلسفة، وكأن المعاناة بحاجة إلى أن تُنقّى لتصبح جديرة بالمشاهدة. الفيلم يزعم الواقعية، لكنه يهرب من السياسة. لا نقد اجتماعي حقيقي، ولا مواجهة مع البنية التي صنعت الفقر. كل ما نراه هو “بورتريه إنساني” جميل ومكسور في الوقت نفسه، جاهز تمامًا ليُعرض في قاعة سينما أوروبية تفيض بالتصفيق. لقد سقط أحمد فوزي صالح في فخّ الواقعية المستأنسة، تلك التي ترفع شعار “الصدق” بينما تخشى أن تقترب من النار. في «ورد مسموم»، لا نشم رائحة المدابغ، بل نرى لونها. الفيلم لا يعيش في المكان بل يلتقطه كصورة فوتوغرافية حزينة. وهذه هي مأساة كثير من أفلام السينما العربية الحديثة: كلّما اقتربت الكاميرا من الوجع، ازداد بعدها عنه.
ثم هناك «عائشة لا تستطيع الطيران بعد الآن» (2025 - Aisha Can’t Fly Away Anymore) للمخرج مراد مصطفى، الذي يبدو في ظاهره فيلمًا عن الإنسان، بينما هو في جوهره فيلم عن نظرة أوروبا إلى الإنسان العربي. العمل مُتقن في شكله، متعاطف في نبرته، لكنه مصمَّم بدقّة لتأدية وظيفة عاطفية أمام متفرج غربي ينتظر أن يُصاب بالتأثر. المخرِج يصوّر المهمشين كما لو كانوا رموزًا جمالية، لا أشخاصًا حقيقيين. البؤس هنا ليس حالة اجتماعية بل إستراتيجية إخراجية، تُقدَّم عبر لقطات بطيئة ومونتاجٍ خافت يجمّل الفقر بدل أن يواجهه. الفضاءات الرمادية، النظرات الصامتة، الزمن المتجمّد، كلها علامات تكرّس ما يمكن تسميته “الواقعية المهرجانية” التي تُحوِّل المأساة إلى عرض بصري قابل للتصدير.
الفيلم لا يسأل شيئًا، ولا يزعج أحدًا. إنه مصنوع ليُفهَم بسهولة، ليمنح المتفرج الأوروبي لحظة من التعاطف الخالي من أي التزام. حتى حين يحاول كشف الألم، يفعل ذلك بأناقة باردة، كأن المعاناة مشهد فني وليس حياة تنهار. لا نرى في “عائشة” مصر ولا السودان، بل ديكورًا عامًا للشرق، مكانًا مجهول الهوية يصلح لكل المهرجانات. إنّه فيلم مكتوب بوعي من يعرف تمامًا ما الذي سيُعجب لجنة التحكيم، وكيف يُحافظ على المسافة الآمنة بين الصدق والقبول. في النهاية، يُترك المشاهد الغربي مرتاح الضمير، يُصفّق للفقر من بعيد، ويغادر القاعة مطمئنًا أنه شاهد “سينما إنسانية”. لكن ما شاهده في الحقيقة ليس إنسانًا، بل صورة مصقولة لمعاناته كما يريدها الآخر.
طارق صالح (Tarik Saleh) هو التجسيد الأكثر اكتمالًا لما يمكن تسميته “الاستشراق المعكوس”: مخرج عربي الأصل يصوّر بلاده كما يتخيّلها الآخر. في فيلمه «حادثة فندق النيل هيلتون» (The Nile Hilton Incident - 2017)، يقدّم القاهرة كمدينة غارقة في العفن الأخلاقي والفساد، لكنها ليست القاهرة الحقيقية، بل نسخة كرتونية مشحونة بالإثارة البوليسية. الشخصيات تتكلم بالعربية، لكن الإيقاع، التكوين، والنظرة كلها غربية بالكامل. إنها مصر كما يتخيلها الخيال الأوروبي: مظلمة، فاسدة، عبثية.
وفي «ولد من الجنة» (Boy from Heaven - 2022)، يتكرر النمط بوضوح أكبر: الأزهر يُقدَّم كمتاهة روحية وسياسية، ورجال الدين كرموز للسلطة الملتبسة. الفيلم مشغول بالديكور أكثر من الفكر، بمشهدية الخطر لا بمعناه. لا يوجد في الفيلم مصري واحد يتنفس كما يتنفس الناس، لا حوار ينبع من لهجة الشارع، لا رائحة تراب ولا حرارة شمس. كل شيء فيه يُدار بأصابع مصمم سينوغرافيا أوروبي.
طارق صالح يصنع أفلامًا عن الشرق لا من داخله، بل من موقع المراقب الذي يريد أن “يفضح” مجتمعه أمام المتفرج الغربي. إنه لا يكتب بلده، بل يشرحها. هذه السينما لا تنتمي إلى القاهرة أو الإسكندرية أو أي مدينة عربية، بل إلى الخيال الأوروبي عن الشرق. يمكن مشاهدتها في ستوكهولم أو باريس دون الحاجة إلى ترجمة ثقافية، لأن الفيلم نفسه مُترجم مسبقًا. إنه يقدّم الاستبداد والدين والعنف كما يتوقع العالم أن يراها، لا كما تُعاش فعلًا.
فأفلام طارق صالح تبدو كأنها نتاج “وكالة أنباء فنية” أكثر منها تجربة سينمائية حقيقية. تُرضي المؤسسات الثقافية الغربية التي تمولها لأنها تُقدّم الشرق في صورته المريحة: مأزوم، غامض، لكنه فاقد للأمل. إنّها السينما التي تحوّل السياسة إلى سلعة قابلة للعرض، وتحوّل القهر إلى منتج يمكن توزيعه دوليًا دون حساسية.
وفي الاتجاه نفسه، يقدّم المخرج السوداني أمجد أبو العلا في فيلمه «ستموت في العشرين» (You Will Die at Twenty - 2019) نموذجًا لسينما تخاطب المهرجانات أكثر مما تخاطب واقعها. الفيلم بصريًا بديع، مشغول بإحساس شعري عميق، لكن هذه الشاعرية تتحول إلى قيد حين تنزع عن المكان صوته الحقيقي. الريف السوداني في الفيلم يبدو كفضاء أسطوري ساكن، محكوم بالقدر والظلال، خالٍ من الفوضى اليومية التي تصنع الحياة. الموت فيه ليس مأساة بل استعارة، والقدر ليس قهرًا بل لوحة فنية. الكاميرا تتأمل أكثر مما تُصغي، كأنها تخاف أن تقترب من لحم الواقع الحي.
«ستموت في العشرين» عمل جميل ومؤلم في آن، لكنه يؤكد كيف أصبحت السينما العربية الحديثة تُصوِّر البؤس كحالة جمالية، لا كقضية بشرية. أمجد أبو العلا لا يستغل معاناة شخصياته، لكنه يصقلها إلى حدّ يفقدها صدقها. الجمال هنا يغلب الحقيقة، والموت يتحوّل إلى مشهد هادئ، مطمئن، مصمَّم ليُبكي دون أن يُزعج. إنها شاعرية تُخدّر الألم بدل أن تفضحه، وتحوّل الوجع الإنساني إلى لوحة تصلح للتداول الفني، لا للحياة.
في السنوات الأخيرة، لم يعد الدعم الخارجي في السينما العربية مجرد وسيلة إنتاج، بل أصبح أداة ناعمة لإعادة تشكيل الذوق واللغة. فبدل أن يفتح الباب أمام تنوّع الرؤى، صار يوجّهها نحو مواضيع محددة تُرضي الخيال الغربي عن الشرق: الدين كأزمة، الجسد كرمز للتحرر، المرأة كاستعارة للاضطهاد، واللاجئ كبطل إنساني بلا سياق. القضايا حقيقية، لكن الطريقة التي تُروى بها تبدو مكرّرة، خاضعة لقالبٍ بصري ثابت، حيث البطء والسكوت والإضاءة الطبيعية يتحولون من اختيارات فنية إلى شروطٍ غير مكتوبة.
تبدو الحرية في هذه السينما كاملة، لكنها في جوهرها حرية مروّضة، مشروطة بذوقٍ جماليٍّ خارجي يُعيد إنتاج الصورة ذاتها عن العالم العربي: صورة جميلة، حزينة، صالحة للعرض في المهرجانات، لكنها منزوعة من توترها التاريخي والسياسي. هكذا يتجلّى ما يمكن تسميته الاستعمار الناعم للخيال، حيث لا تُمارس الرقابة بالمنع، بل بالتذوّق، وحيث تُصبح الجماليات البديلة أداة لتطويع الوعي لا لتحريره.
وإذا كانت هذه المعايير الجمالية قد أعادت تشكيل طريقة رؤيتنا لذواتنا، فإن أثرها يتضح أكثر حين ننتقل إلى نماذج عربية حديثة تبنّت هذا الوعي المهرجاني بالكامل، وصاغت معاناتها بلغة مصقولة تُراعي قابلية التصدير أكثر مما تراعي جذور التجربة. ومن بين هذه الأعمال يبرز فيلم "بنات ألفة" (2023 - Four Daughters) للمخرجة كوثر بن هنية، الذي يعيدنا إلى تلك المنطقة الرمادية بين الوثائقي والدرامي، حيث تتحول المعاناة الشخصية إلى عرضٍ متقن عن الألم.
يأتي «بنات ألفة» ليواصل هذا الميل إلى تحويل التجربة الشخصية إلى عرض فني محسوب. تواصل المخرجة أسلوبها المفضّل في اللعب على الحدود بين الوثائقي والتمثيلي، لتقدّم قصة أمّ تونسية وابنتيها المفقودتين اللتين التحقَتا بتنظيم متطرف. الفيلم في ظاهره بحث عن الحقيقة، لكنه في عمقه أداء يغوص في الذاكرة والذنب، مصاغ بلغةٍ تجيد شدّ العاطفة أكثر من مساءلة الواقع. تستخدم بن هنية ممثلات لتجسيد الفتاتين الغائبتين، فتمتزج الحقيقة بالتمثيل إلى حدّ الضياع، لكن هذا الضياع لا ينتج توترًا فكريًا بل عاطفيًا فقط. كل شيء يبدو مُعدًّا ليُبكي المتفرج لا ليدفعه إلى التفكير.
“بنات ألفة” عمل ذكي في بنائه، لكنه مأسور بالمنظور نفسه الذي تنتقده المخرجة ظاهريًا: تحويل الألم إلى مادة فنية سلسة، والذاكرة إلى مشهدٍ يمكن تكراره. إنه فيلم عن الفقد، لكنه يقدّمه كما يريد المهرجان أن يراه، حزينًا، جميلًا، ومهذبًا بما يكفي ليُصدَّر كقصة إنسانية صالحة لكل مكان.
ولعلّ ما يجعل هذا الميل أكثر وضوحًا هو أن كوثر بن هنية نفسها كانت قد ذهبت أبعد في الاتجاه ذاته قبل ذلك بثلاث سنوات، في فيلم “الرجل الذي باع ظهره” (2020 – The Man Who Sold His Skin)، حيث تبلغ الجمالية المهرجانية ذروتها ويتحوّل الألم، حرفيًا، إلى سلعة قابلة للعرض والاقتناء.
في هذا العمل، تبلغ الجمالية المهرجانية ذروتها. القصة لافتة في فكرتها: لاجئ سوري يوافق على أن يُحوَّل ظهره إلى لوحة فنية تُباع في الغرب مقابل حريته في السفر. الفكرة تبدو جريئة ومشحونة بالرمز السياسي، لكنها في الحقيقة تكشف بوضوح كيف تحوّل الجسد العربي إلى سلعة رمزية في سوق الفن العالمي. اللاجئ في الفيلم لا يُقدَّم كإنسان له تاريخ ومكان وألم، بل كجسد قابل للعرض، كعلامة فكرية جاهزة للتأويل.
كوثر بن هنية تصنع فيلمًا لامعًا بصريًا، دقيقًا في إيقاعه، لكنه مفرغ من الغضب الذي يوحي به موضوعه. الكاميرا لا تتساءل عن معنى الحرية أو عن النظام الذي جعل من الجسد جواز سفر، بل تحتفي بالفكرة ذاتها كما لو كانت تحفة فنية. حتى القسوة مصمَّمة بعناية، والألم محسوب ليُدهش المتفرج لا ليُصدمه. اللاجئ يتحوّل إلى رمز للعصر، لكن رمزيته تلتهم إنسانيته.
يُقدَّم الفيلم في النهاية كعرضٍ ذكي عن استعباد الجسد باسم الفن، لكنه لا يطرح أي مقاومة حقيقية لهذا الاستعباد. إنه فيلم عن استغلال المأساة صُوِّر بأسلوبٍ شديد الأناقة، حتى يبدو كأنه يكرر اللعبة ذاتها التي يدينها. “الرجل الذي باع ظهره” ليس فقط عن الجسد الذي يُباع، بل عن السينما العربية التي باعت غضبها لتشتري اعتراف المهرجانات.
حتى القضايا السياسية الكبرى لم تسلم من هذا التهذيب المهرجاني، إذ جرى تحويل الغضب إلى استعارة، والاحتلال إلى مجاز، والمأساة إلى جمالية متقنة. في «200 متر» (2020 - 200 Meters) لأمين نايفة، يتحوّل الجدار الفاصل بين الأب وابنه إلى رمز إنساني عام، مأمون العاطفة، خالٍ من التوتر السياسي الذي يُشكّل جوهر القضية. الفيلم مؤلم بصدقه الإنساني، لكنه يختار الطريق الأسهل: أن يثير التعاطف بدل الغضب، وأن يقدّم المأساة الفلسطينية كقصة عن المسافة، لا عن الاحتلال. هكذا تُختزل القضية إلى استعارة شعرية مريحة تصلح للعرض في أوروبا، لكنها تفرغ التجربة من معناها المقاوم.
في «كوستا برافا، لبنان» (2021 - Costa Brava, Lebanon) لمنية عقل تتكرّر الصيغة ذاتها. التلوّث البيئي يصبح استعارة للفساد السياسي، والبيت المنعزل في الجبل يتحول إلى نموذج للعائلة التي تهرب من الخراب الجماعي لتعيش يوتوبيا شخصية هادئة. كل شيء جميل وملوَّن ومتقن التكوين، لكن الغضب غائب. الفيلم يصنع من انهيار البلد لوحة متقنة عن التلوث، بينما الواقع يغلي تحت الركام. إن التهذيب هنا ليس ضعفًا في الرؤية، بل نتيجة لمنظومة تمويل دولي تريد سينما “تهتم بالقضايا” دون أن تصرخ بها.
أما فيلم «على كف عفريت» (2017 -Beauty and the Dogs) لكوثر بن هنية، فيتناول الاغتصاب داخل بنية السلطة، لكنه يفعل ذلك بمسافة شكلية تكاد تحيّد الصدمة. تقنية اللقطة الطويلة، رغم براعتها، تجعلنا نتابع الكابوس كعرض هندسي للاضطهاد لا كاختناق حقيقي. الصراخ هنا مضبوط، والانتهاك محسوب الإيقاع، كأن الألم يخضع لمونتاج أخلاقي يراعي ذوق المتفرج الغربي. الفيلم جريء في موضوعه، لكنه مروّض في لغته، حريص على أن يبقى ضمن حدود “المسموح”، فلا يذهب إلى ما هو فجّ أو فوضوي أو غير مريح.
وفي «زنقة كونطاكت» (2020 - Zanka Contact) للمخرج المفربي إسماعيل العراقي، تنطلق القصة من علاقة تجمع بين مغنّي روك سابق وفتاة شارع في الدار البيضاء، يحاولان الهروب من العنف والقيود عبر الموسيقى والحب، لكن هذا التمرّد سرعان ما يتحوّل إلى عرضٍ موسيقيّ مدهش أكثر منه تجربة وجودية حقيقية. الفيلم مفعم بالطاقة البصرية والموسيقى والدم والحرية، لكنه يقدّم تمرده كأداءٍ محسوب، لا كفوضى صادقة. الشخصيات تصرخ وتتمرّد بإنجليزية وفرنسية أنيقة أكثر مما تعيش بالعربية، والعنف يبدو مستعارًا من أفلام الهيبستر الغربية عن الانهيار. كل شيء فيه مثير بصريًا، لكنه مصقول بعناية تجعل من التمرّد زينة، ومن الفوضى هندسة ضوئية دقيقة. إنه “المغرب البديل” كما يتخيله المهرجان: بلد صاخب، جامح، حسيّ، لكنه يظل داخل الإطار، داخل الصورة التي يُسمح بها فقط.
وليس بعيدًا عن ذلك، تأتي أفلام المرأة العربية في المهرجانات كترجمة أخرى لهذه النظرة. المرأة لا تُقدَّم بوصفها شخصية اجتماعية معقدة، بل كرمز جاهز للحرية أو الاضطهاد. في «نورة تحلم» (2019 - Noura rêve) للمخرجة التونسية هند بوجمعة، نرى امرأة تبحث عن حبها خارج زواجها وسط نظام اجتماعي خانق. الأداء مؤلم وصادق، لكن السيناريو يصوغها بلغة غربية عن “المرأة المقهورة الباحثة عن ذاتها”. نورة ليست ابنة بيئتها بل ابنة الفكرة. إنها شخصية كُتبت لتُفهم في باريس أكثر مما تُصدَّق في تونس. الفيلم لا يخاطب المجتمع التونسي بقدر ما يخاطب لجان التحكيم التي ترى في “تحرر المرأة” عنوانًا مضمونًا لأي جائزة.
في هذه الأفلام، يتبدل معنى السياسة: من اشتباك مع الواقع إلى أداء فني عنه. الغضب يُعاد تلوينه، القهر يُترجم إلى حزن جميل، والمقاومة تُختزل في لقطة رمزية آمنة. لقد نجحت المهرجانات في تحويل السياسة العربية إلى شكلٍ من الأدب الإنساني الراقي، حيث يُسمح لك أن تحكي عن الوجع، شرط أن تحكيه بأدب. وهكذا، تم ترويض السينما الثائرة حتى أصبحت صالحة للعرض في كل مكان، باستثناء المكان الذي خرجت منه.
ويظهر هذا التهذيب بأوضح صوره في تناول السينما الفلسطينية الحديثة لمأساتها الخاصة، حيث يتحول التاريخ إلى استعارة، والمأساة إلى صورة يمكن تسويقها تحت شعار الإنسانية الشاملة. في فيلم «أميرة» (2021 - Amira) لمحمد دياب، تبدو الحكاية في ظاهرها جريئة: فتاة فلسطينية تكتشف أن والدها الأسير الذي طالما افتخرت به لم يكن والدها البيولوجي. من هذه المفارقة يبني دياب فيلمًا يزعم تفكيك فكرة “الهوية الموروثة”، لكنه في الحقيقة يفرغها من معناها. القصة التي كان يمكن أن تكون مواجهة مع الاحتلال أو مع الخديعة السياسية، تتحول إلى دراما نفسية محايدة، مصممة بعناية لتناسب حساسية المهرجانات. الكاميرا تحبّ الوجع وتدور حوله، لكنها لا تلمسه. الفقر يُعرض بأناقة، الألم يُروى كاعتراف، والصدمة تُقدَّم ببرود هندسي يثير التعاطف الآمن. حين اندلع الجدل حول الفيلم، لم يكن بسبب جرأته، بل بسبب ما غاب عنه: التاريخ، والسياق، والحقيقة. «أميرة» لا يتورط في الذاكرة الفلسطينية بل يراقبها من بعيد، كأنها حكاية رمزية عن أي بلد في أي زمان. إنّه فيلم منزوع من المكان الذي يدّعي تمثيله، مصنوع من أجل أن يُفهَم لا أن يُعاش، ولعلّ هذا ما جعل تصفيق الغرب له يوازي غضب الداخل عليه.
أما فيلم «صوت هند رجب» (2025 - The Voice of Hind Rajab) لكوثر بن هنية، المعروض مؤخرًا في مهرجان فينيسيا، فيقدّم مأساة الطفلة الفلسطينية التي ماتت تحت القصف في غزة بوصفها تجربة إنسانية كونية. بن هنية تمتلك حرفية عالية، وذكاء بصري يجعل الصورة ناعمة حتى في لحظات الموت، لكنها في هذا الفيلم تحديدًا تقع في مأزق شديد التعقيد: مأساة غزة تتحول إلى مشهد قابل للمشاهدة، لا للمعايشة. التركيز على الصوت، على الاتصال الهاتفي الأخير، على انتظار النجدة، يمنح العمل بعدًا عاطفيًا كبيرًا لكنه يسحب منه جذوره. لا تاريخ في الفيلم، لا سياق لِمَن يطلق النار، ولا بنية تشير إلى الاحتلال نفسه. الحدث يُعرض ككابوس إنساني بلا مرجعية سياسية، فيتحول الوجع إلى لغة عالمية مهذبة. بن هنية لا تستغل المأساة عن قصد، لكنها تحوّلها، كما تفعل المهرجانات دومًا، إلى مادة رمزية آمنة تُثير الدموع ولا تُزعج أحدًا. الفيلم متقن، لكنه مصالِح، يقدّم الموت في صورته الجميلة بدل أن يسأل عن سببه.
هذان الفيلمان، المختلفان في الشكل والبلد والنية، يلتقيان في فراغ المعنى ذاته. كلاهما يتعامل مع الجرح الفلسطيني لا كحدث تاريخي له امتداد وسياق، بل كصورة إنسانية منزوعة من تاريخها. «أميرة» يُحوِّل الذاكرة إلى شكّ شخصي، و«صوت هند رجب» يُحوِّل المأساة إلى لحظة شعورية عالمية. في الحالتين، تُستبدل الذاكرة بالتعاطف، ويُختصر الواقع في مشهد يمكن تصديره. هكذا تبدو السينما الفلسطينية الحديثة في مرآة المهرجانات: تملك القدرة على الإحساس، لكنها تفقد الحق في الكلام.
في بداياتها، لم تكن السينما المستقلة شعارًا بل موقفًا. كانت ردًّا على مركزية الدولة وشركات الإنتاج الكبرى، وعلى الوصاية الفنية التي فرضت على المخرجين أن يصوروا الواقع بعيون السلطة لا بعيونهم. من مصر إلى لبنان وفلسطين وتونس، خرج جيل كامل من المخرجين بكاميرات صغيرة وإصرار على الحرية، أرادوا أن يصنعوا أفلامًا بلا إذنٍ من أحد، وأن يلتقطوا ما لا تراه الشاشة الرسمية. أفلام مثل «جنة الشياطين» (1999) لأسامة فوزي، و«هليوبوليس» (2009) لأحمد عبد الله السيد، و«الجنّة الآن» (2005) لهاني أبو أسعد، كانت علامات على تلك الرغبة في كسر الشكل الصناعي والبحث عن لغة جديدة. كانت السينما المستقلة آنذاك مشروعًا للمقاومة الجمالية، تجرؤ على الفوضى، وتضع الكاميرا وسط الناس، في الأزقة والمصانع والمخيمات.
لكن مع مرور الوقت، ومع انفتاح المهرجانات والتمويلات الأوروبية، تحوّل هذا الاستقلال إلى حرية مشروطة. ما كان حقلًا للتجريب صار سوقًا للمنح، وما كان رغبة في التحرر صار نظامًا آخر من الانضباط الناعم. هكذا وُلد ما يمكن تسميته بـ”الاستقلال المروَّض”: سينما تعرف كيف تكون جريئة دون أن تُخيف أحدًا، وكيف تنتقد دون أن تزعج. ترفع شعارات الحرية، لكنها تصوغها بما يناسب الممولين والمهرجانات. صارت أفلامها تتحدث عن القضايا “الصالحة للعرض”: المرأة، الجسد، الهجرة، الاغتراب، الفقر الجميل، لكنها تتجنب الأسئلة الأشد خطورة عن السلطة والطبقة والعلاقات الاجتماعية التي تنتج هذه القضايا.
ومع ذلك، ظلّت داخل هذا المشهد أصوات نادرة تقاوم هذا الترويض الجمالي وتستعيد صدق البدايات الأولى. من بين هؤلاء تبرز هالة لطفي التي قدّمت في فيلمها «الخروج للنهار» (2012) نموذجًا لواقعيةٍ وجوديةٍ بطيئة، حيث لا يُقدَّم الفقر كصورةٍ بل كحياةٍ تُعاش في صمتٍ عميق، ومن الداخل لا من فوق. وفي المسار نفسه يسير تامر السعيد في «آخر أيام المدينة» (2016)، فيلم يتأمل علاقة الإنسان بالمدينة والذاكرة والزمن، من دون أن يُغريه التجميل أو الصياغة المهرجانية، بل بلغةٍ شاعريةٍ توثّق الانهيار اليومي كما هو.
وعلى الضفة المغاربية، يواصل نبيل عيوش في «يا خيل الله» (2012) و«علّي صوتك» (2021) مساءلة العنف والتهميش من داخل المجتمع نفسه، مستبدلًا النظرة الفولكلورية بحسّ اجتماعي يلامس الواقع دون أن يستغله. ويمكن أن نضيف إلى هذه الأصوات أيضًا آن ماري جاسر من فلسطين وليلى بوزيد من تونس، اللتين تصنعان سينما حرّة وإنسانية لا تستعطف المتفرج الغربي، بل تكلّمه من موقعها، من قلب المكان الذي تعيشه وتعرفه.
إنهم جميعًا يمثلون التيار المضاد لجماليات البؤس: مخرجون يواجهون التهذيب المهرجاني بصدقٍ داخلي، ويعيدون للكاميرا دورها الأصيل لا كمرآةٍ للتصدير، بل كعينٍ ترى العالم من موقعه الحقيقي.
غير أن هذه الأصوات، على ندرتها، تبقى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة؛ فالمشهد الأوسع يسير في اتجاهٍ مغاير تمامًا، حيث تحوّل الاستقلال إلى واجهةٍ شكلية تخفي تبعيته الجديدة.
النتيجة أن ما يُقدَّم اليوم باسم “السينما العربية المستقلة” هو في كثير من الأحيان سينما نزع الانتماء. تُسائل السلطة لكنها تخشى المجتمع، تنتقد الدين لكنها لا تجرؤ على نقد السوق الثقافي الذي يُموّلها. إنها معارضة رمزية في نظام رمزي، لا تُغيّر شيئًا، لكنها تمنح الغرب راحة ضميره بأنه “منفتح على الآخر”. ما يُسمّى بالاستقلال هنا ليس تحررًا من السلطة، بل تحررًا من الجذر. إنها سينما ترفع شعار الحرية، لكنها تتحرك داخل شروط تمويلية دولية تصوغ مضمونها مسبقًا. تُبقي هذه السينما تمرّدها ضمن الحدود المسموح بها: تختار القضايا التي تضمن القبول، لا تلك التي تُثير الجدل الحقيقي. تتناول الدين من زاوية رمزية مأمونة لا تُزعج أحدًا، وتعرض قضايا المرأة في إطار إنساني عام يخلو من مساءلة البُنى الاجتماعية والاقتصادية التي تُنتج القهر نفسه. هكذا يتحوّل التمرد إلى أداءٍ متقن بدل أن يكون موقفًا. تختار هذه السينما دائمًا الزاوية التي تُرضي لجان التحكيم أكثر مما تُربك جمهورها المحلي. وبهذا المعنى، صارت “السينما المستقلة” وجهًا ناعمًا للمنظومة نفسها التي تدّعي نقدها، تبيع الوهم بالحرية في عبوة جمالية أنيقة، تُشبع الضمير الغربي أكثر مما تُحرّك الوعي العربي.
في موازاة هذا المشهد، تعيش السينما المستقلة في الداخل العربي أزمتها الخاصة، أزمة لم تصنعها فقط المهرجانات بل أيضًا دوائرها الصغيرة. فبدل أن تكون فضاءً حرًا للتجريب وكسر القوالب، تحولت تدريجيًا إلى منظومة مصغّرة بذاتها، تحكمها فكرة “الشلة” والعلاقات المتبادلة أكثر مما يحكمها الإخلاص للفن. المخرج المستقل لم يعد يسعى إلى حوارٍ مع جمهوره بقدر ما يسعى إلى مقعد في مهرجان دولي، إلى صورة على السجادة الحمراء، إلى لحظة اعتراف تعوّض غياب الأثر الحقيقي لفيلمه في الداخل. لم تعد الكاميرا وسيلة للبحث، بل بطاقة عبور إلى منصة العرض الخارجي.
المهرجان الذي كان يومًا محطة لعرض التجارب الجريئة أصبح في ذاته غاية. لم يعد المخرج يذهب إليه ليمثّل بلده أو يعرض رؤيته، بل ليُرى هناك، ليؤكد وجوده ضمن “النخبة المعترف بها”. يتحوّل حضور المهرجان إلى جزء من هوية المخرج، إلى دليل على القيمة الفنية حتى لو لم يشاهد أحد فيلمه في بلده. وهكذا تصبح السجادة الحمراء بديلاً عن قاعة السينما، والتصفيق العابر بديلاً عن النقاش الحقيقي.
في الداخل، أصبحت الاستقلالية شعارًا مكرورًا أكثر منها ممارسة حقيقية. تُنتَج الأفلام خارج المؤسسات الرسمية، لكنها كثيرًا ما تُصنع داخل عقلية مغلقة، يعيد فيها المخرجون إنتاج أنفسهم والآخرين وفق ذوق مشترك متفق عليه. لا صوت للمدن والبيوت والأسواق، بل أصداء لمهرجانات سابقة ولغة بصرية محفوظة. هذه السينما لا تواجه أحدًا، لكنها أيضًا لا تلامس شيئًا. تسعى إلى أن تُرضي الجميع دون أن تجرؤ على الإخلال بالنظام الجمالي الذي يمنحها الاعتراف. وهكذا تتحول الحرية إلى أسلوب، والتمرد إلى مظهر، والاستقلال إلى مجرّد بطاقة عبور نحو تصفيقٍ خارجي مؤقت.
الآن، بعد عقود من الدعم الأجنبي والمهرجانات الدولية، تبدو السينما العربية وكأنها فقدت صوتها الداخلي. ما نحتاجه ليس تمويلًا جديدًا بل لغة جديدة، لغة تنبع من الداخل، من الحيّ، من الجسد الحقيقي، من لهجة الشارع والذاكرة. ليست السينما الحقيقية تلك التي تُعرض في كان، بل تلك التي يتحدث عنها الناس بعد أن يخرجوا من القاعة وهم يشعرون أنها عنهم. لقد آن الأوان أن نفكّ هذا الارتباط المرضي بين الاعتراف الغربي والقيمة الفنية، وأن نعيد النظر في معنى “النجاح” خارج منطق الجوائز. أن نؤمن أن الصدق لا يحتاج ترجمة.
حين يعود المخرج إلى ذاته، حين يتخلى عن اللغة المصقولة للمهرجانات، حين يجرؤ على أن يرى بعين المكان لا بعين العالم، عندها فقط يمكن أن تولد سينما عربية حقيقية؛ لا تشرحنا، بل تكوننا. السينما التي نحتاجها اليوم ليست سينما الفقر الجميل، ولا المرأة الرمزية، ولا اللاجئ المعلّق بين مطارين. نحتاج سينما تجرؤ على أن تقول الحقيقة دون أن تقلق إن كانت أنيقة بما يكفي لذوق لجان التحكيم. لأن الجمال لا يولد من القبول، بل من الصدق. وما لم تستعد الكاميرا العربية لغتها، سيبقى جسدها مرئيًا في العالم، لكن روحها غائبة.



