رُبَّ رسمة صغيرة من يد فنان تستقلّ عنه وتبدأ حياتها الخاصة، فتغدو حياةً بأكملها، وتصير في النهاية شاهدة على زمنها وعلى من خطها. فمن كان يفكر أن رسومات متفرقة على جدران الكهوف ستخبرنا ذات يوم بأحوال الأولين، وعن بيئتهم ومخاوفهم ومعتقداتهم؟ إنها ليست مجرد رسومات وإنما أثر باق يخبرنا بالكثير؛ قبضَ الفنان من خلاله على اللحظة فأوقفها وحفظها إلى الأبد. ومن رسومات على الجدران إلى خطوط وألوان على قطعة قماش، إلى منحوتات، إلى ظلال رمادية منعكسة على شاشات بيضاء؛ كلها وسائل يعبر بها الفنان عن ذاته. وتلك الشخابيط التي حركتها خيالات النيران على جدران الكهوف نجد امتدادها اليوم في عالم الرسوم المتحركة، ذلك العالم الرحب الذي يتواصل مع الطفل الداخلي فينا، ويذكرنا بأول مرة أطلقنا فيها عنان خيالاتنا أمام صفحة بيضاء أو حائط خالٍ.
وفن الرسوم المتحركة، وإن سبقت فكرته السينما، إلا أنه، كفن سينمائي متكاملٍ، قد ولد معها وتطور بتطورها، فارتحل من دولة إلى أخرى ليصطَبغ من كل بيئة بصِبغتها الثقافية الخاصة. وفي المملكة العربية السعودية، مرَّ هذا الفن بمراحل متعاقبة منذ نهاية الستينيات وفترة السبعينيات، بدأت بالاستيراد والدبلجة، ثم التعاون مع مصر وتركيا ودول الخليج، حتى بلغ مرحلة الإنتاج المحلي المستقل الذي توج بأعمال وصلت إلى العالمية؛ من بينها فيلم «بلال» الذي عرض في 32 دولة، ورشح في القوائم اﻷولية لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم رسوم متحركة، و«مسامير» الذي تحول من مسلسلٍ يوتيوبيٍّ إلى فيلم على منصة نتفليكس.
وقد أسهمت رؤية 2030 في تسريع هذا المسار؛ إذ تضافرت جهود جهات عدة على دعم صناعة الرسوم المتحركة وتمويلها، من بينها: هيئة الأفلام، والصندوق الثقافي، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وجمعية الرسوم المتحركة، فضلا عن شركات متخصصة كشركة "المانغا" التي أسهمت في تدريب الشباب السعودي وفتح أبواب الاستوديوهات أمامهم. وعلى صعيد التعليم، باتت الجامعات السعودية تخصص برامج لهذا الفن؛ فأطلقت جامعة عفت برنامج الفنون السينمائية عام 2014، وأنشأت جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن برنامجها عام 2020، وتبعتها جامعة الملك سعود عام 2023، إلى جانب برامج الدبلومات والابتعاثات التي وسعت دائرة المتخصصين.
وفي ظلّ هذا الزخم، تحول دور المهرجانات السينمائية من مجرد منصات للعرض إلى حاضنات حقيقية للصناعة؛ فهي لا تكتفي بتوزيع الأفلام ونشرها، بل تروج للثقافات وتعبر الحدود، وتفرض معاييرها في الجودة من حيث القصة والإخراج والتحريك والتصميم. وقد اعتبرت البذرة الأولى لدعم الحراك الفني، إذ تمنح الأفلام الشابة رؤيةً واسعةً وفرصة للمقارنة والمنافسة مع أعمال من مختلف أنحاء العالم. ومن هنا جاءت أهمية مهرجان جامعة عفت الدولي الذي يحرص منذ دوراته الأولى على أن تكون الرسوم المتحركة فئة أصيلة في قوائمه، مقدمًا خلال ثلاث عشرة دورة منبرًا لأجيال متعاقبة من الطلاب الطامحين إلى دخول هذه الصناعة.
ويشارك في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان جامعة عفت الدولي ثمانية أفلام من الرسوم المتحركة من المملكة العربية السعودية، من جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وجامعة دار الحكمة، وجامعة عفت. تتراوح مدتها بين خمس وثماني دقائق، وهي أعمال تبشر بمستقبل واعد لصانعيها، وتكشف عن وعي حقيقي ببيئتهم الاجتماعية والثقافية، وحرص على عدم الانجراف وراء تقليد الموضوعات الغربية، بل تحمل الطبيعة الأصيلة للأرض التي أفرزتها.
من بين الأفلام المشاركة فيلم «ليلة الشهب» (Laylat Alshuhb) من كتابة أديم العدوان، ليان المطرودي، ورند التميمي، كما شاركت معهن في الكتابة والإخراج لجين الشثري. وإذا أمكنني وصف هذا الفيلم فهو مثل حبة رمل من صحراء العلا، يحمل عبق تاريخ هذه المنطقة؛ اختار صانعوه قالب الدراما الفانتازية التاريخية لرواية قصة نضج فتاة تدعى ليلى، تحلم بأن تصبحَ مثل والدتها ماهرةً في حرفة النسيج، حتى يكتب اسمها يومًا ما على البساط الذي يحمل أسماء من لهم مآثر في الديرة. لكن ليلى تضع جل تركيزها على الشهرة، متناسيةً أن نيل المطالب لا يدرك بالتمني، بل بالمثابرة والاجتهاد.
تؤسس المخرجة للهوية البصرية للعمل منذ افتتاحيته؛ حيث صوت الراوية الهادئ المتأني يسرد أسطورة البساط، فيما تتفاوت اللقطات بين استعراض لطبيعة صحراء العلا الذهبية وبين تفاصيل الزي التقليدي لقاطني المكان. أما الرسومات ثنائية الأبعاد فتتميز كل شخصية فيها بمظهرها الخاص، ولا سيما ليلى بعيونها الواسعة الطموحة. وقد استخدمت المخرجة جماليات الحركة والثبات بذكاء؛ فاللقطاتُ التجميعية المتحركة (Montage) تصور مراحلَ تطور ليلى في النسيج، بينما تلجأ إلى الثبات لتظهر الاحتفالات في الديرة. وحين يشتد سعي ليلى، تعزلها داخل الإطار في مساحة ضوئية محدودة بينما تتسرب أصوات الاحتفال من خارج الكادر، في تباين بصري يحمل ثقلًا دلاليًا عميقًا عن السعي المحموم.
وهذا واحد من الأفلام التي لا يقع أي التباس في إدراك أنها قادمة من أرض المملكة السعودية؛ إذ يستلهم من ثقافة العلا نقشَ البساط الذي تكشفه المخرجة في نهاية العمل، ويحمل رسالةً إنسانية تجد صداها في أي مكان. إنه ببساطة عمل يترك المشاهد متفائلا بما هو قادم.
ومن «ليلة الشهب» في صحراء العلا، ننتقل إلى نجد في فيلم «بوابة نجد» (Gate Of Najd) للمخرجتين نورة العدوان وجوري المعاري، وهو من اﻷعمال التي شارك بها طلاب جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن كذلك. وبطلته فتاة تدعى نجد، تهوى موسيقى الروك والميتال، وتعيش برفقة جدها نحات الأبواب النجدية الذي يمثل عالمًا مختلفًا تمامًا، والتناقض بينهما هو الذي يرسِلها في رحلة سحرية لم تخطر على بالها.
أسست المخرجتان الفارق بين الأجيال من خلال المساحات اللونية منذ اللقطات الأولى؛ فالجد يشغل مساحة ذهبية دافئة، بينما تعيش نجد في عالم أرجواني متشبع اللون، وحتى اللغة جاءت معبرة عن الهوة بينهما، بين لغته العربية الأصيلة ولغتها العربية المختلطة بالإنجليزية. وأجمل ما في الفيلم رحلة نجد عبر الأبواب النجدية العريقة التي تنفتح أمامها واحدة تلو الأخرى لتكتشف جوانب من تراثها؛ أصول إعداد وتقديم القهوة النجدية، وعلاقة أجدادها بالإبل في البادية، حتى تدرك في نهاية المطاف أن القلادة التي طالما تفاءلت بها ليست سوى نقش "البيدانة" الذي حملته من جدها دون أن تعرف دلالته.
تتغير نجد في النهاية وترتدي اللباس التقليدي، في إشارة إلى أن الفجوة بين الأجيال قابلة للردم حين نتوقف وننصت.
يناقش الفيلم موضوعًا يتواتر في السينما السعودية وهو الفجوة والصراع بين الأجيال، لكنه يعالجه بأداة بصرية ثريةً تعرِّف المشاهدَ خارج حدود المملكة على معلم ثقافي ربما لم يسمع عنه من قبل، ومن بينهم كاتبة هذه السطور.
والعمل الأخير المشارك من جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن هو «مغامرات حقيبة العمل» (Business Bag)، وهو عمل أول لـ رواد خالد. يتناول العمل تأثير ضغوطات الحياة العملية على الشباب في إطار من المغامرة الخيالية؛ فنرى شابًا يكافح روتين العمل اليومي ليجد نفسه فجأة يطارد حقيبته عبر مدينة الرياض، ومن خلال هذه المطاردة يتعلم ضرورة التوازن في حياته.
في سبع دقائق، يصور صناع الفيلم الحياة السريعة في الرياض من خلال ألوان قاتمة وتكوينات ضيقة داخل المكتب؛ والتفاف سلك فأرة الحاسوب على يد البطل في لقطة ذكية تعبر عن استعباد العمل له، فيما تبدو المباني الشاهقة من الزاوية المنخفضة وكأنها تنقضّ عليه.
ثم يلجأ الفيلم إلى الاستعانة بنمط الخيال العلمي من خلال وجود كياناتٍ فضائية تتدّخل لتخرج البطل من حالته البائسة. لكن بلاغةَ الفيلم الحقيقية تكمن في مشهد المطاردة؛ حيث يلهث الشاب وراء حقيبته غير عابئ بأي شيء من حوله، وفي ذلك وحده تكمن رسالة الفيلم التي تتجلّى مع بزوغ الفجر: أن الحياة تستحق التوقف والتأمل. وتمامًا كما استخدمت مخرجة «ليلة الشهب» الحركةَ الدائرية لتجسيد تعاقب الفصول، فإن صنّاع الفيلم يستخدمونها هنا تعبيرًا عن دوامة المطاردة التي تشبه كثيرًا دوامة روتين العمل.
وجدير بالذكر أن الفيلم قد حصل على جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة من مهرجان أفلام جامعة الملك عبدالعزيز KAUC، وعرض في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
ويتشابه خيط الحكاية في هذا الفيلم مع عملين آخرين يجمعهما موضوع الضغط اليومي وتقنية إيقاف الحركة (Stop-Motion)، هما: «وقت الراحة» (!BreakTime) من جامعة عفت، و«#خليك_صافي» (Stay_Safi#) من جامعة دار الحكمة.
يعد «وقت الراحة» من الأفلام خفيفة الظل. وقد استوحت مخرجته رغد إسماعيل، من أسطورة وحش بحيرة لوخ نيس، كائنًا لطيفًا يشاغب شابةً تذاكر حتى يحين موعد استراحتها. الفيلم بسيطٌ في تقنياته يجمع بين العنصر البشري وكائن الصلصال، وهو جهدُ شابة واحدة صورته بهاتف آيفون بميزانية لم تتجاوز 56 ريالًا سعوديًا. دقيقتان فقط هما مدة الفيلم، لكنهما تنبئان بحسٍ إبداعيٍّ واعد سيشهد تطورًا في المستقبل، وتصبح هذه النواة الطريفة منطلقًا لأعمال أطول وأعقد.
وفيلم «#خليك_صافي» الذي يحمل صبغةً توعويةً من مغبة الإفراط في تناول المنبهات. وخلال دقيقتين تقريبا يصور القائمون عليه فنجان القهوة وهو يطارد بطلا منهكا من قلة النوم. يستخدم صناع الفيلم الخيوط والقماش بتقنية إيقاف الحركة مع انتباه لافت إلى التفاصيل في رسم علامات الإنهاك على وجه البطل. وعلى قصره، يبقى العمل مكتملَ الأركان في وحدة حدثه، بل إن تنوع الزمان بين الحقيقي والمتخيل يضيف له طبقةً فنيةً تحت ظاهر من البساطة.
ومن الملاحظ أن أفلام جامعة دار الحكمة تنزع بوجه عام نحو التوعية الاجتماعية. فبالإضافة إلى «#خليك_صافي»، يأتي فيلم «بيت الجدة» (Grandma's House) الذي يحذر من مخاطر الإنترنت على الأطفال، وينوه في نهايته إلى اللجوء عند الحاجة إلى جمعية حماية الأسرة الأهلية. وعلى بساطة رسوماته وتوحد مكانه في بيت الجدة، نجح صانعوه في تأسيس التباين البصري بين فضاء السيدات المعبأ بالدفء والأحاديث، وغرفة الأطفال المستغرق كل واحد منهم في هاتفه. أما اللقطة الافتتاحية لباب البيت وأحذية الضيوف خارجه، والضجيج المتسرب من الداخل، فوحدها كافية لتأسيس الطابع الدافئ الذي يحمله فيلم هدفه الأول التوعية.
وفيلم مغامرات «حصة الفراغ - القفطة» الذي يتناول مبدعوه ورطةَ مجموعة من الطالبات حين تحضر إحداهن هاتفها إلى المدرسة ويبدأن في التخطيط لإخفائه خشيةَ العقاب. والملفت أن الفيلم يبدو حلقة من سلسلة، مما يوحي بمشروع سردي أوسع تحت هذا العنوان.
وأخيرًا وليس آخرًا، وهو فيلم آثرت تركه للختام؛ يأتي «دموع تحت الماء» (Tears Under the Water) للمخرجة عائشة طلال من جامعة عفت، بدعم من مهرجان البحر الأحمر، ومدته عشر دقائق. ينفرد هذا الفيلم برسالته التحذيرية من المخاطر التي يُلحقها الإنسان ببيئته، مغلفة في قالب من الفانتازيا والغموض.
يحكي الفيلم عن صيادٍ يتجول في البحار بحثًا عن أرضٍ لم يصلها التلوث، فيعثر أخيرًا على جزيرة بكر فيسكنها، ثم يبدأ في ممارسة الصيد بأدوات غير مشروعة فيلحق بها الدمار.
تؤسس المخرجة منذ البداية عالمين متضادين: عالم التلوث بمطره الأخضر السام وقاذوراته، وعالم الجزيرة المضيء بألوانه وأصوات طبيعته. ثم تضيف عالما ثالثا هو عالم البحر، حيث تعيش سيدة البحار - وترمز كذلك إلى البيئة بمفهومها اﻷشمل- التي تعتبر الجزيرة هامتها الخارجية؛ فتنتعش حين تزدهر الجزيرة، وتدرك الخطر حين تسقط عليها أول زهرة من العالم الملوث. الفيلم غني بتفاصيل مرئية تتراكم بتراكم مراحل التدهور، ترافقها موسيقى تنبئ بما هو قادم، حتى تحدث النهاية المفزعة. وتراعي المخرجة الدقة في تصميم الصوت والمكساج، من ارتطام رذاذ المطر بالزجاجات، إلى صوت راية السفينة في الهواء، مع وعي بالعلاقة بين حجم اللقطة وقرب الصوت وبعده.
يتجلى المجهود الواضح في هذه الأعمال حين نضعها جنبًا إلى جنب مع نظيراتها في القسم الدولي المشارك بأعمال من إيران وكوريا وهولندا ومصر والصين وفرنسا؛ إذ تبرز فرادة الأفلام السعودية في تمسكها بطابعها المحلي وانشغالها بثقافتها وتراثها أولا، ووعي صانعيها بالمشاكل الاجتماعية التي تحيط بهم وحرصهم على تجسيدها في أعمالهم.
أيا كانت النتيجة النهائية للمنافسة، هناك حقيقة لا تقبل الشك: أن مجال الرسوم المتحركة في المملكة العربية السعودية يشهد ازدهارًا حقيقيًا على المستوى التعليمي والإبداعي، وأن المهرجانات الطلابية والكبرى باتت تحرص على احتضان هذا الفن وتشجيع أصحابه على تقديم أعمال تعبر عن بيئتهم بصدق وأصالة. وهذه الأعمال الثمانية التي تتنافس في دورة مهرجان عفت الدولي الثالثة عشرة ليست سوى غيض من فيض آتٍ.



