كيف يمكن لشخص وقف خلف الكاميرا وأدار فرقَ عملٍ كبيرةٍ ومثّل أمامه نجومٌ، وَرُصدت لأجل مشروعاته أوقاتٌ وميزانياتٌ وجهود، أن يخذل الجمهور ويقدّم فيلمًا بهذه الضحالة؟ وعندما نَصِف العمل بالضحالة، فإننا نعني كلّ ما فيه. ربما تكون الفكرة الأساس جيدة وقابلة للتطوير لكن هذا لم يحدث، وباستثناء الأداء الجيّد نسبيًا لبعض الممثلين، فإن مجمل فيلم «حياة امرأة» (2022) الذي كتبه عبدالهادي السعدي وأخرجه سمير عارف، لا يستحق الحصول على أي نقطة في تقييمه.
المخرج سمير عارف يمتلك خبرة طويلة في قطاع العمل الفني، أخرج بعض الأجزاء من المسلسل الشهير «طاش ما طاش» وعمل مع النجمين الكبيرين ناصر القصبي وعبدالله السدحان، وأخرج أيضًا عددًا من الأفلام والمسلسلات، لعل أكثرها انتشارًا - بغض النظر عن مستوى جودته - مسلسلُ «شباب البومب» الذي استمر فيه تسعة مواسم من أصل أحد عشر موسمًا، وحقق نسب مشاهدة عالية، ويبدو أن كل تلك التجارب والتغيرات استمرت بإيقاع واحد وبخط لا صعود فيه، وإلا لما كانت النتيجة الوصول إلى فيلم بهذا المستوى، الذي كان مقبولًا ربما قبل ثلاثين عامًا، لكنه لم يعد كذلك الآن في ظل الانفتاح على الإمكانات الضخمة للإنتاج السينمائي، والاطلاع على التجارب الفنية المتقدمة والاحتكاك بها.
يُفترض بالفيلم أن يعكس كثيرًا من الجوانب المؤثرة في الحياة الإنسانية، مثل القوة والصمود في مواجهة الصعاب والأمل الذي يمكن أن يولد من تلك الصراعات. بدايته كانت مبشّرة، وأوحت بصراع إنساني هائل أو معاناة مقترحة لامرأة لم تجد حلًا لضمان استمرار علاقتها بزوجها الذي أحبّته وتزوجته رغمًا عن عائلتها سوى الهروب من المكان الذي تعيش فيه، والانتقال إلى مدينة أخرى أكبر، على أمل أن تذوب أسرتها الصغيرة في فضاء هذه المدينة، وتحيا بعيدًا عن الاختناق الذي يلاحقها من رافضي زواجها من الأقارب.. لكن مسار الفيلم ليس كذلك، ولا تحظى مريم التي تؤدي دورها الممثلة فوز عبدالله بمساحة وافرة للتعبير عن حياتها، سواء بالديالوج الداخلي أو عبر الأحداث التي تقتطع كثيرًا من حياتها، دون أن يظهر أن لها تأثيرًا فيها.
تبدأ القصة مع مريم، امرأة شابة تعيش في بلدة صغيرة، وتواجه صعوبات كبيرة في الحفاظ على حياتها التي اختارتها. زوجها، الذي يعاني من إدمان الحشيش والمخدرات، يمثل عبئًا كبيرًا على حياتها، في حين تحاول هي جاهدة أن تحافظ على أسرتها وتحقق الاستقرار، ولكن الأمور تأخذ منعطفًا مفاجئًا عندما تكتشف أن الذي هربت منه إلى المدينة الكبيرة لا يزال يلاحقها. وعلى نحو دراماتيكي غير مبرّر، يقرر الأب الواقع تحت تأثير المخدّر، أن يرسل -بعد منتصف الليل- طفلته إلى سيارة النقل التي يستخدمها لكسب عيشه في بيع الخضراوات، لتواجه قدرها المحتوم، الذي سنعرفه بعد قليل -في قطع لعشر سنوات- عبر حوار ضعيف بين الابن الذي صار شابًا، وأمه التي بدت ملامح الكِبَر ظاهرة على وجهها، وخطّ في رأسها الشيب، وهي تخبره بأن أباه وأخته ماتا في حادث سيارة! هكذا يتبدل المشهد، للزوج الذي كان يضرب زوجته وينكّل بها قبل أن يسمعا صوت ارتطام.. لا أعلم من الذي ابتكر هذه الحبكة، هل هو المؤلف؟ هل هو المخرج؟ لكننا سنعرف أثناء بقية أحداث الفيلم أن هذا النوع من «الاعتقاد» ببناء عقدة في السينما، أشبه بمحاولات الاستغفال. لا يمكن أن يمتلئ الفيلم بكل الأحداث التي وقعت فيه دون أن يكون للمرأة التي يتناول حكايتها أي دور. يبدو كل شيء في هذا العمل شديدَ السطحية، ابتداءً من القصة، والحبكة، والتصوير، وصولًا إلى الموسيقى، والمكياج، والمكان. الشيء الوحيد الذي قد نستثنِيه هو أداء بعض الممثلين، وتحديدًا شافي الحارثي ومحمد شامان، اللذان يبدوان كموهبة فردية خارجة عن النص، وربما كان لهما أن يُظهرا أداءً أكثر إتقانًا لو وُجد عمل يتيح لهما ذلك، أو حظيا بتوجيه يساعدهما.
بعد وفاة الابنة - واختفاء الزوج كما تقول الأم - تعيش مريم وحدها في مواجهة تحديات الحياة. تعمل في بسطة ملابس في أحد الأسواق، بما يتيسر لها، لكن القصة تصرّ على أن تراكم أحداثًا ومنعطفات غير منطقية، مثل الألم المفاجئ الذي تعرض له الابن - وهذا الألم لم يظهر إلا لأن الممثل قال ذلك، لكنه لم يُبد أي تألّم حقيقي يجعلنا نقتنع بذلك - ثم ماذا؟ يسقط الابن الذي أدى دوره، بشكل متواضع جدًا، الممثل مشعل الفياض، لنعرف أنه مصاب بالفشل الكلوي من دون مقدمات. ولكنه لا يكتفي بذلك، وكأن هذه الصدمة، إلى جانب قرار أمه بالتبرع له بكليتها، لا تكفي لوحدها حتى يستوعبها المُشاهد، ليقرر فريق العمل مفاجأتنا بأن سقوط الابن أدّى إلى إصابته بالشلل النصفي، وهو ما هوّن الفريق الطبي من أثره قائلًا إنه سيزول عبر جلسات العلاج الطبيعي!
مع كل هذه الصدمات والأحداث المتلاحقة والكثيرة والتقنيات المحشورة في الحكاية رغمًا عنها، فإن بطلتنا مريم لا يبدو عليها شيء من أثر ذلك. لم تقف مريم لتشتكي أو تتنهّد حتى، أو لتتساءل عن كل هذه الكوارث التي تحلّ بها. تبدو شخصية سلبية تمر عليها الأحداث دون أن تغيّر من واقعها أو من شخصيتها، شخصية تحولت بعد مشهد البداية إلى مجرد عنصر مؤدٍ متفرّج، لا يحرّك حجرًا، ولا يتدخل في تقرير مصيره، وربما ننسى في بعض الأحيان وجودها أو كونها البطلة الفعلية لهذا الوقت المهدر الذي نشاهده. وعلى طول مدة الفيلم، لا نرى مريم تقوم بأي محاولات لإيجاد حل لمشكلاتها أو العمل على تطوير واقعها، حتى بعد أن أصبحت بمفردها بعد غياب زوجها.
التفاوت في مستوى الأعمال السينمائية أمر موضوعيّ ومفهوم، ومن غير المنطقي أن نطالب بالمستوى ذاته إذا تحقق الحد الأدنى لتقديم فيلم لا يغيب من عناصره الأساسية عنصر أساس، لكنّ هدر الموارد وجهود فريق العمل في صناعة فيلم، لا يقدم ولا يؤخر في مسيرة السينما السعودية، أمرٌ يثير حالة من الانزعاج، ومواجهة هذه الأفلام بحقيقة ضعفها هو الحل الأمثل للتخلص من تكرارها.