هل تُدين بذرة المشمش؟

November 24, 2023

آيزنشتاين في حيرة من أمره -واقع مجازي

في خضم من الأحداث الدائرة راهنًا، يمر علينا ما يمر من اللقطات والآراء والأقوال ما بين شد وجذب. الخلق، بغير ما سبب، أصلًا، في جدل (وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا)1- ما بالنا إذن ونحن بإزاء مشهد واقعي لمذبحة عرقية ممنهجة. كنا نسمع عن التطهير العرقي، عن المذابح الجماعية، أو نقرأ أو نشاهد ما يشبهها في الأفلام. كم امرئ منا شاهد مذبحة الأوديسا في «المدمرة بوتمكين»2؟ غير أن العيان يختلف تمام الاختلاف عن السماع والقراءة. بالنسبة إلينا نحن المشاهدون، وأعني بـ«المشاهدين» مستويين من المشاهدة: أولًا، مستوى مشاهدتنا بوصفنا عاجزين نراقب ما يحدث، كلٌّ من ركنه وبحمولته من الآراء مهما اختلفت، وثانيًا بوصفنا مشاهدين سينمائيين مولعين بالأفلام وما حولها. إن الواحد منا، متى ما حمل هذين المستويين في نفسه، فحريٌّ به أن يشاهد هذه اللحظة التاريخية على أنها فيلم، وعلى أنه هو كومبارسٌ مجاني. هذا ليس من قبيل المجاز وحسب، إنه أقرب ما يكون للواقع. المصيبة: ماذا ستكون نهاية هذا الفيلم، خصوصًا أنه مما يبدو موشك على نهايته، أو في الأقل على «تويست» كبير!

فلنتخيّل، بما أن الواقعي المتوحش فاق كل خيال راودنا سابقًا.. أقول فلنتخيّل: ماذا لو أن سيرغي آيزنشتاين، أو في الأقل نسخة رديئة منه -ليس أنا بطبيعة الحال!- كان حاضرًا معنا وقرر الجلوس ومتابعة كل ما يستطيع من قنوات إخبارية، ويوتيوبية، ومنصات سوشال-ميديا، ليختار منها لقطات لصناعة فيلمه القادم -فيلم بداخل فيلم؛ ماتريوشكا!- وليس بالضرورة أن يكون فيلمه تحريضيًّا أو دعائيًّا «لا سمح الله».

ثمة سِرب من صقور بشرية -هذه لقطة افتتاحية بامتياز- ثمة صواريخ تسقط على مدنيين، ثمة حفل موسيقي ينقلب إلى حفلة لهروب الدجاج، ثمة تصريحات تؤكد على الدعم الكامل لحق الاستيطان والدفاع عن النفس مقابل هذا الحق، ثمة مستشفيات ملأى في ممراتها بجثث الشهداء، ثمة حفلة موسيقية أخرى تبعد بما لا يقل عن دولتين وآلاف الكيلومترات، ثمة مجازر مسكوت عنها في الجزء السوري، ثمة مستشفيات تتهدم على مَن فيها، ثمة من يعتذر عن الترفيه في هذا التوقيت، ثمة منددون بكل ما يحدث من هجوم جنوني، ثمة بنايات وأحياء بأكملها أضحت أثرًا بعد عين، ثمة من يحاول ركوب الترند، ثمة مقاطعات، هناك من يعلن عن حياده التام، ثمة من يقسم بالله أن القيمة الأعلى هي للترفيه لا للفن ولا للمال حتى، ثمة مجزرة أخرى جنوبًا في السودان، ثمة صمت من ثرثارين على طول العام، وثمة أطفال متفحمون، أطفال مشردون بلا عائلة، أطفال مصابون، أطفال يبكون، أطفال يرتجفون، أطفال غارقون في دمائهم، و.. أشلاء أطفال. 

 لآيزنشتاين الافتراضي مَنتجةُ هذه المقاطع، وغيرها، كيفما يشاء. إلا أنه بكل تأكيد لن ينسى -مثلي- مقاطع المذيعين المطالبين بالتنديد، وحتمًا سيجد لهم المكان المناسب مثلما وجده الشاعر للصحفي.

 

هل تدين بذرة المشمش؟ -مجاز واقعي

عندما يضحِي الواقع المُعاش، والعادي من الأمور في الحياة اليومية، خارج المنطق وعصيًّا على المعقول تخرج البلاغة العبثية والمبالغات الضاحكة بوصفها ردة فعل حتمية، ما بين محاولتين، أولى لفهم ما لا يُفهم بتصورات العقل وثانيةٍ للسخرية منه. في أحيان من التاريخ يصعب الخيار الثاني، فثمة من البلايا ما يتجاوز الضحك بمعناه الفلسفي جريًا على المثل القائل «شر البلية ما يضحك»، حيث إنها أكثر شرًا وعتمٌ عميم يصعب فيه حتى الصوت: موت، موت ولا غير. من هذه الزاوية نفهم ظهور حركات فنية مثل السوريالية في توقيت ما بعد فواجع الحرب العالمية الأولى. وفي الحال الفلسطينية نستطيع، على ضوء هذا، فهم ظهور مخرج مثل إيليا سليمان، ففي أفلامه كثير من ضحك ساخر حينما يتناول اليومي المليء بالخبل الصهيوني. إلا أنه متى ما قرر عملَ عملٍ عن اللحظة الأشد عتمًا في تاريخ العرب -والعالم كله للدقة- أي، عن عام النكبة 1948م في فيلمه «الزمن الباقي»، فإن السخرية تصير في أدنى حالاتنا أو تكاد تنعدم. رهاننا لا يبتعد عن هذا العتم التاريخي، إلا أنه، ويا للمفارقة، يظهر أكثر ما يظهر في إحدى عبثيات إيليا سليمان الساخرة.

في أبرز أعماله «يدٌ إلهية» وأكثرها بلاغة عبثية في الإجابة عن العالم، مشهدٌ يقوم فيه إيليا سليمان (الممثل) بتناول ثمرة مشمش بينما يقود سيارته في طريق سريعة. بعد أربع قضمات ينهي فيها إيليا المشمشة تبقى في يده بذرة الثمرة، فيرمي بها من النافذة. لم يكن هذا الفعل مجرّد توسيخ للشارع العام، بل تفجيرًا لدبابة صهيونية! إنه مشهد لا يتجاوز الدقيقة، وإذا ما تفحصناه جيدًا فسوف نراه مقسّمًا إلى كادر ضيق وآخر واسع. في الكادر الضيق يكون البطل متناولًا للثمرة مرةً، ومرةً وهو في حالة من اللامبالاة بينما يقود السيارة. الكادران الواسعان يُظهران أولًا لحظة انفجار الدبابة وثانيًا الحطام الناتج عن هذا الانفجار. عند التأمل نرى أن المشهد عبارة عن لقطتين منفصلتين تمامًا، أو هذا ما يريدنا أن نراه المخرج. ما من أدنى تأثير للانفجار على البطل، إنه وبكل بساطة قد أكل مشمشة وقذف ببذرتها، لا أكثر. لقد تُرك لنا، نحن المشاهدون، المعنى. هل رمى البطل بالبذرة ودار الانفجار في خياله فحسب؟ هل هي سخرية إيليا في إظهار أدنى عمل للفلسطيني كعملية «إرهابية» في عين الآخر (محتلًّا أو غربيًّا)؟ أم أنه وببساطة قد مَنتج، على طريقة آيزنشتاين، ما لا يُتوقع تحريضًا للمُشاهد؟ 

لك أن تعطي المعنى الذي ترغب، وهو حق كفله لك المخرج بنفسه. إلا أنني أود تذكيرك بأن الطرق السريعة هي من حق المسافرين على متن سياراتهم وليست مواقف ركْن للدبابات، وأن تناول المشمش حق طبيعي لأي شخص كان حتى لو وسّخ الطريق، وأن السائق لم يلتفت للخلف قط: فهل، بعد هذا كله، سوف تُدين بذرة المشمش؟  

الهوامش:

1.سورة الكهف - الآية 54
2.Battleship Potemkin, Dir: Sergei Eisenstein, 1925

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى