جمالية فيلم «حد الطار» (2020) لعبدالعزيز الشلاحي، تبدأ من الطاقة الإيحائية التي يبثها عنوان الفيلم المُستل من مفردتين دالتين، الأولى «حد» التي تُعبّر عن السيف، الذي يُنفَّذ به حكم الإعدام في السعودية، كما تُعبّر المفردة أيضًا عن مفهوم الحد الشرعي، والمفردة الثانية «الطار» وهي مفردة تحمل دلالة المعنى المضاد تمامًا، المعبر عن الفرح والبهجة والرقص الذي يكونه صوت هذه الآلة الإيقاعية شديدة الخصوصية في البيئة السعودية، والجمالية تَبرز من هذا التناقض بين المفردتين، دم ورقص، حزن وفرح، كراهية وحب. كل هذه الدلالات المتباينة سنجد لها ما يبررها داخل سياق وحكاية الفيلم.
الفيلم يحكي قصة «دايل» ابن السياف، الذي يعشق «شامة» بنت المطربة الشعبية (الطقاقة)، في حي شعبي من أحياء الرياض، يتميز بخصوصية ديموغرافية، حيث يعيش أبناء طبقة اجتماعية دنيا، حياتهم على الهامش، وتقوم على خدمة وإبهاج طبقات أعلى، منها طبقة الشيوخ، بينما ترزح هذه الطبقة التي يصور الفيلم مكانها في الفقر والجهل والفساد، ما يجعل من الفيلم بشكل من الأشكال فيلمَ مهمشين، لكن دون أن يبرز في الحكاية هذا الحس الطبقي، بمعنى تراجع الشكل الخطابي للحكاية، لكننا سنشعر ذلك من خلال أحداث الفيلم المتلاحقة.
لطالما كانت مطالب النُقّاد والمتابعين للمشهد الفني السعودي مُلِحّة بخصوص القصص العضوية، التي تُعبّر بشكل حقيقي عن حياة وقصص الناس في المجتمع السعودي، بعيدًا عن الأنماط الفيلمية المكرسة للحمولات الفكرية، التي كانت إلى وقت قريب تستحوذ على الفضاء الفني، وكأن الفيلم عبارة عن مادة فكرية مأخوذة من فضاءات عراك كُتّاب الرأي من مختلف التيارات الفكرية. فيلم «حد الطار» ضرب بكل هذه الأمور الفكرية عرض الحائط، وقدّم للمُشاهد وجبة روائية أصيلة وعضوية، مأخوذة من نسيج الحياة الحقيقية، بحمولتها السردية والدرامية، وهذا الأمر يبرر حالة قبول الفيلم السريعة، التي تباينت فيها الآراء بين قبول للمبدأ الفلسفي لصناعة الفيلم السعودي، وبين النقاش الحاد حول الأمور الفنية، وهذا التباين جيد وصحي، لأنه حوَّل النقاش من نقاش في الأفكار والموضوعات إلى نقاش في الفنيات والتقنيات.
شخصيًا شاهدت الفيلم مرتين، المرة الأولى ركزت فيها على الجانب المفقود فنيًا، والذي شعرت فيه بأن الفيلم اقترب كثيرًا من النظرية السينمائية المنشودة، التي تعلي من الجوانب الفنية على حساب الجوانب الموضوعية، لكنه أهدرها بسبب التكوين الدرامي للصناع على ما أعتقد، وكنت مستاءً في البداية بسبب زحام الأحداث الكبيرة، التي يصح التركيز على واحد منها لصناعة فيلم مكثف وغني فنيًا.
وبعد المشاهدة الثانية أحسست أن الفيلم قد حقق عددًا من المكتسبات، يمكنها أن تشفع له بعض ما كنت أراه مآخذ في المشاهدة الأولى، ومن هذه المكتسبات، ما بدأت به مقالي، وهو البُعد الإيحائي لعنوان الفيلم، الذي أعطى للفيلم صفة أدبية مضافة، كوّنت جمالية لغوية خاصة وذات بُعد مبتكر ونوعي، والمكتسب الآخر هو الدخول في حكايات المجتمع الطرفية، أو المهمشة كما وصفتُها آنفًا، بل والغوص في تفاصيلها، وتقديمها بإخلاص فني منقطع النظير، ولا شك أن في هذا الأمر جهدًا مضاعفًا محفوفًا بالمخاطر، أولها مخاطر قبول الحكاية، ومدى تأثيرها في المتلقي، الذي تعوّد حضور الموضوعات الفكرية الضاغطة في السينما السعودية، وهذا مكتسب مهم في هذه المرحلة بالتحديد، يجعلنا ندخل براحة بال إلى مرحلة جديدة في السينما السعودية، يمكن تسميتها بمرحلة سرد حكاياتنا العضوية، الخارجة من نسيج المَشاهد اليومية في حقبة زمانية سابقة، هي بداية الألفية الثالثة.
إن النظر والتعاطي مع الفن كنوع من الخلاص، يعطي إحساسًا مريحًا للمبدع، يمثّل البديل الموضوعي للشكوى والتذمر الفكري، الذي تنشأ من خلاله المشاعر السلبية، وبالتالي الفعل المتطرف. من هنا ومن خلال هذا التصور للفن يبرز نوع من القبول الطوعي والناعم للذات بكل تناقضاتها، فصورة المجتمع داخل الفريم هي صورة موازية أو مقترحة للذات الجمعية، وكلما كان تقديم هذه الصورة على نحو فني وجمالي مؤثر، كانت نتائجه ذات انعكاس حضاري مقبول.
وهذا ما تحققه السينما التي تُعلي من قيمة الحكاية، عكس السينما التي تكرّس الخطاب الفكري الفج والصارخ، وأعتقد أن فيلم «حد الطار» نقل من خلال العناصر الفنية البحتة، قصةً انعكاسية أصيلة جعلت من المتلقي يرى واقع المكان في صورته الحقيقية، ولعل هذا النوع من الانعكاس يحتاج دائمًا إلى التحديق إلى المكونات الواقعية، من أماكن تصوير، إلى رسم شخصيات، إلى واقعية وإمكانية الحكاية، وانتهاء بالفضاء العام المقنع والحقيقي، بأصواته وأدوات تحريكه، وفي هذه النقطة يمكن أن أذكّر بمشهد صغير من مشاهد الفيلم يبين ما قصدته، وهو المشهد الذي يلملم فيه دايل بطل الفيلم أعقابَ السجائر المتناثرة على سطوح بيت شامة محبوبته. هذا ما كنت أعنيه بالإخلاص الفني للحكاية، فوراء هذا الفعل الصغير جدًا إيحاء بحقيقية الصورة المنعكسة للواقع الاجتماعي الضاغط، الذي يراقب كل صغيرة وكبيرة منعًا لوقوع حالة حب في الأرجاء، وهذا ما يجعل للحكاية بُعدها الجمالي المؤثر في الوقت ذاته.
وبالإضافة إلى ما ذُكر سابقًا من مكتسبات الفيلم، هناك مكتسب في غاية الأهمية حققه باقتدار فيلم «حد الطار»، يكمن في النظر إلى المُراد عرضه على الكادر مع صعوبته، لا الممكن والمتاح، فقد مرّت السينما السعودية بمرحلة الممكن، ما جعل من صفة (فيلم سعودي) يتبعها منطقية المتاح، بمعنى وقوع تلقي الفيلم السعودي ضمن ظرفية معينة، تحيل إلى تاريخ نشأة هذه السينما، وفي ذلك اعتذار مسبق لإمكانية أي فيلم سعودي على تحقيق قفزة نوعية، تجعل تقييمه الفني موازيًا لأي فيلم آخر يُنتَج في أي بلد لديه تجربة تاريخية عريقة في السينما، فصنَّاع فلم «حد الطار» أخذوا على عاتقهم القفز بالصناعة السعودية من منطقة الممكن إلى منطقة المُراد، وهذا الطموح وافقه جهد وعمل على مستوى الكتابة التي أبدع فيها كاتب السيناريو مفرج المجفل، كما وافقه مواكبة واشتغال من قِبَل المخرج المتمكن والمبدع عبدالعزيز الشلاحي، وبالطبع بقية أفراد العمل من كادر فني وتقني إلى أداء الممثلين الرائع، ما جعل العمل يشكل حرجًا لبقية صنَّاع السينما السعودية، وهذا سينقلهم بطبيعة الحال إلى مرحلة جديدة، تنظر إلى الواقع من خلال المُراد لا الممكن، والطموح والتطلع لا مجرد المشاركة.
أخيرًا، ومن خلال متابعتي لتحرك فيلم «حد الطار» بعد مرحلة إنتاجه، لاحظتُ الجهد الإداري الرائع لتوزيع وانتشار الفيلم، فبمجرد كتابة اسم الفيلم على محركات البحث ستظهر عشرات المتابعات واللقاءات والمقالات التي تتابع أصداء الفيلم، وهذه نقطة في غاية الأهمية يغفلها أو لا يتنبه إلى أهميتها أو يتقاعس فيها كثيرٌ من صانعي الأفلام السعودية، ممن يكتفون بالذهاب بأفلامهم إلى المهرجانات العالمية والمحلية، متجاوزين مرحلة حضور الفيلم عبر المنصات الأكثر أهمية وجاذبية وجماهيرية، وأعلم من خلال المتابعة أن بعض المشتغلين في السينما السعودية لا يعطون جانب التحريك هذا أهميةً كبيرة، وهذا خطأ فادح لا يمكن الاعتذار عنه، خاصة مع توفر خدمات المنصات الشبكية، وقدرتها على رصد ومتابعة التقييمات، وأعتقد أن تجربة ما بعد العرض الأولي لفيلم «حد الطار» يمكن اعتبارها نموذجًا فريدًا يُستفاد منه في تجارب الأفلام اللاحقة، فحتى اليوم لا يزال هناك مواد نقدية ولقاءات مع صنَّاع الفيلم رغم مرور قرابة ثلاث سنوات على عرضه، وهذا دليل على وعيٍ إنتاجي وتحريكي قلما نجد له مثيلًا في السينما العربية ليس السعودية فقط.