انقسمت الآراء حول الفيلم الطويل الأول للمخرج السعودي الشاب مشعل الجاسر «ناقة» بصورة حادة، ما بين ممجد للفيلم وساخط عليه، وتنوعت المواقف مدحًا وذمًا للموضوع والقصة والسيناريو أو القالب السينمائي والرؤية الإخراجية والتمثيل، وفي خضم هذا النقاش الإيجابي، الذي يوحي بأن هناك رغبة في مشاهدة الأعمال السعودية، ورواجًا لها، وحرصًا على تطويرها، تصعبُ كتابة قراءة متوازنة وسط هتافات «دعم أعمال الشباب» أو «تشويه صورة المجتمع» وهي هتافات معتادة في عدة مجالات انتقلت مؤخرًا إلى قطاع السينما، الذي بات يشهد نموًا مطردًا في الآونة الأخيرة.
بداية، وقبل الحديث عن الفيلم، يبدو أن التذكير ببعض البديهيات مهم في مناقشة ونقد الأعمال السعودية الحديثة في ظل رؤية مشحونة ومتشنجة لقطاع ناشئ يحاول أن يشق طريقه ويصنع هويته. أولى هذه البديهيات أن «دعم أعمال الشباب» يكون بنقدها بصورة متزنة، لا بكيل المديح الزائف، فتطور الأعمال الجديدة مرهون بمواكبَتها لرؤية نقدية، خصوصًا مع الزعم الذي أتبناه بأن السعوديين يمتلكون ذائقة مميزة في الأفلام والمسلسلات، فالكتابة النقدية الجادة تساهم في نهاية المطاف في الارتقاء بصناعة السينما في المملكة، وفتح آفاق أوسع أمام العاملين في القطاع والمشاهدين، أما التمجيد والاحتقار فهي مواقف متشنجة لا طائل من ورائها.
أما مسألة «تشويه صورة المجتمع» فهي أيضًا مسألة بلا معنى، فليس هدف الفن، أو السينما تحديدًا، نقل واقع أو تجميل مجتمع أو تشويهه. فالسينما تخلق مرجعيتها من داخلها إلا إذا ادعت غير ذلك كما في الأفلام الوثائقية أو التاريخية أحيانًا. لذا، فإن النقاش الدائر حول كون السينما تُجمّل أو تشوه المجتمع هو نقاشٌ زائف، سبق أن تكرر قبل سنوات عند الحديث عن الرواية السعودية. ففي النهاية، يأتي الحكم على مضامين الفيلم من الوعود التي يقدمها، والقصة والسيناريو والحوارات التي يجسدها، أما فكرة مجتمع الملائكة أو مجتمع الشياطين فمن الأفضل تجاهلها، ولا أود التفصيل هنا في كليشيهات أن المجتمع يتكون من الصالح والطالح، وأننا كلنا نعرف أن «الرجل الوطواط» لا وجود له، و«هانبيال لكتر» حالة شاذة، وأن تصوير قاتل متسلسل يعمل سائق سيارة أجرة لا يشوه سائقي سيارات الأجرة ولا يصمهم بشيء غير بشريتهم.
أعود إلى موضوع هذا المقال، وهو فيلم «ناقة»، الذي سأحاول التحدث عنه من جانبَين: الأول هو القالب السينمائي والإخراج، والثاني يتعلق بالقصة والسيناريو والحوارات. فمن جانب القالب السينمائي نجد أن الفيلم متكلف تقنيًا من خلال مَشاهد لا تتطلب هذا التكلف، فهنا نجد أن المخرج يحاول فرض أسلوب معين في الإخراج بصورة متكلفة ومفتعلة ومبالغ فيها أضرّت بالعمل بصورة عامة، فالتلاعب بالكاميرا والتصوير بزوايا مختلفة والتقنيات الإخراجية هدفها في نهاية المطاف إبراز المَشاهد وإيصال رؤية ما للقصة، وأن توصل من خلال التصوير شعورًا أو فكرة أو تُكثّف مشهدًا أو حالة، وإلا ستصبح عبثية بلا معنى. عندما تهتز الكاميرا -على سبيل المثال- في مشهد يحاول فيه البطل الهروب من خطر داهم، فإنها ستوصل مشاعر البطل في تلك اللحظة بصورة أكثر فاعلية، أما عندما يكون هذا الاهتزاز في كل المَشاهد فلن يكون له معنى، وهذا ما شهدناه بصورة مكررة في «ناقة»، فالتقنيات الإخراجية لم تكن مواكبة للمَشاهد ولم تضف معنى للعمل ولم تسد الثغرات في القصة أو السيناريو أو تكثف المشاهد والحوارات أو تعطيها بُعدًا مختلفًا.
إن الإصرار على خلق أسلوبٍ سينمائيٍّ مميزٍ للمخرج هدف رائع، إلا أن محاولة فرض هذا الأسلوب بصورة متكلفة ابتداء، ودون خبرة كافية، يضر بالعمل السينمائي بصورة عامة. فعند مشاهدة أفلام لمخرجين عالميين تميزوا بأسلوب مميز في الإخراج، سنجد أن هذا الأسلوب قد تبلور عبر سنوات طويلة من المحاولات الناجحة والفاشلة على حد سواء، ولم يُفرض دفعة واحدة على المتلقي. فالأساليب السينمائية المميزة التي اختطّها كريستوفر نولان، وكوينتن ترانتينو، وويس أندرسون -على سبيل المثال- لم تولد دفعة واحدة. على عكس فيلم «ناقة»، الذي رغم كونه المحاولة الأولى للمخرج لصنع فيلم طويل، إلا أن طبيعة الفيلم تُظهر محاولاتٍ لفرض وصناعة أسلوب إخراجي جديد لم يُدرَس بشكل كافٍ، فبدا وكأنه محاولة لاستخدام كل التقنيات التي يتقنها المخرج، وإمكاناته الإخراجية المميزة، بصورة عشوائية أضرت بالعمل ولم تضف إليه.
الأمر الثاني الأهم، هو أن القالب السينمائي والرؤية الإخراجية لن تنقذ قصة ضعيفة وسيناريو مفككًا وحوارات جامدة. يمكن القول إن أسلوب ويس أندرسون في الإخراج مميز بصورة واضحة، حتى إنك تستطيع أن تخمن أن هذا العمل أو ذاك من إخراج أندرسون دون قراءة اسم المخرج، إلا أن هذا التميز في القالب السينمائي والرؤية الإخراجية وإن قاد إلى أفلام جيدة مثل «فندق بودابست الكبير» (The Grand Budapest Hotel - 2014)، فقد أفضى أيضا إلى أفلام تعيسة مثل «مدينة الكويكب» (Asteroid City - 2023)، وكما قدّم فيلمًا قصيرًا رائعًا، هو «القصة الرائعة لهنري شوغر» (The Wonderful Story of Henry Sugar and Three More - 2024) المقتبسة من قصة كتبها البريطاني رولد دال، فإنه قدّم أيضًا ثلاثة أفلام تعيسة مقتبسة من قصص الكاتب نفسه: «صائد الجرذان» (The rat catcher - 2023)، و«السم» (Poison - 2023)، و«البجعة» (The swan - 2023)؛ في تأكيد واضح على أن تقنيات الإخراج وحدها لا تصنع فيلمًا جيدًا.
أما عند الحديث عن قصة وسيناريو وحوارات فيلم «ناقة»، فيمكن القول إنها ضعيفة بالمجمل. لقد حاولت الحكاية استثمار ملامح غارقة بالمحلية، وهذا رائع ومميز، فتناولت العلاقات العائلية، والعلاقة بين الجنسين، والإبل، والشِعر الشعبي، والمخيمات البرية، وغيرها من العناصر الغائرة في نسيج المجتمع، لكنها عناصر جاءت مفككة في القصة، فلم تُقدَّم عبر حوارات متماسكة، ولم تصنع سيناريو جذابًا، بل انتثرت بصورة عشوائية وقُدمت عبر حوار ضعيف وأحداث لا تذهب بالمشاهد إلى أي مكان، كما أن محاولات إضفاء الإثارة إلى الفيلم، من خلال عرض «الساعة» بصورة متكررة، لم تجعل الأحداث مثيرة للاهتمام، فعند الوصول إلى خيمة الشاعر الشعبي لا تشعر أن هذا امتداد طبيعي للأحداث، فإما أن الأحداث السابقة هدفها الوصول إلى هذه النقطة (ولا أعتقد ذلك) أو أن هذه القصة الجانبية لا معنى لها، أو أن القصة بأكملها بحاجة إلى أن تُكتب بشكل مختلف؛ إذ لا نجد في الفيلم استغراقًا في اللحظة، ولا تطورًا للأحداث، ولا سياقًا يدفع المُشاهد للمتابعة.
جاء الفيلم ساردًا لقصة شاب وشابة أرادا الخروج إلى مخيم في الصحراء، وركّز على عرض الأحداث التي عاشاها في هذه الرحلة، إلا أن ترابط الأحداث كان ضعيفًا، وقد أضيفت مشاهد إلى الفيلم بدا أن الغرض الوحيد منها هو تطويل مدته لا غير (سيارة الآيسكريم والاعتداء على سائقها، وشرح الشاعر لطريقة الطعن بالسيف)، كما أن رمزية الناقة-الحقد في الفيلم تحتمل تفسيرات عديدة وتنطوي على إمكانات أكبر بكثير مما استُثمر في الفيلم. ورغم أن حضور الناقة خلق مَشاهد جيدة في الفيلم، إلا أن توظيفه في القصة والسيناريو والاستثمار فيه لم يتم بالصورة المثلى التي تُعبّر عن إمكانات هذه الرمزية.
يمكن القول إن فيلم «ناقة» هو تجربة جادة للمخرج الذي يمتلك أدوات تقنية ورؤية سينمائية جيدة، وهي محاولة أولى ينقصها الكثير لتكون تجربة ناجحة، ورغم الأداء الجيد لبطلة الفيلم «أضواء بدر»، فإن «ناقة» لا يزال بحاجة إلى الكثير على مستوى الإخراج والقصة والتمثيل، ليكون الفيلمَ السعودي الذي تستمتع بمشاهدته عدة مرات وترشّحه للأصدقاء بأريحية.