لعدة أيام ظل هذا الاسم الروسي يتردد في فضاء البيت بأداء ابني الصغير الذي شاهد معي فيلم المخرجة السعودية هناء العمير «أغنية البجعة». كان ابني الذي لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره، يستخدم شراشف البيت، ومحتويات الصالة، من المخدات الصغيرة، والتحف، والمرايا، في حالة من التماهي الأدائي، جعلتني أتأمل أثر هذا العرض السينمائي المُمسرح الجميل، بأداء الممثل البارع أسامة القس، على هذا الطفل الذي لم يفهم من الفيلم -بطبيعة الحال- سوى الكلمات الغريبة وغير المنتظمة في سياق، والنداءات على بتروشكا التي بدا أنها أثرت فيه كثيرًا، فشرع ينادي ويقلد الممثل ويحاول التعبير عبر التقليد والمحاكاة، تمامًا كما تَعلَق الأغنيات الجميلة بألسنتنا لفترات طويلة.
أتساءل هنا، هل للسينما هذا النوع نفسه من التأثير؟ أو بطريقة أخرى، هل للفيلم السينمائي لولا مسرحته مثل هذا التأثير الذي صنعه على طفلي؟ فمن نقطة التأثير هذه تظهر عبقرية فيلم «أغنية البجعة» الذي يتقاسم الممثل أسامة القس نجاحَه مع المخرجة هناء العمير، فلو افترضنا وجود ممثل آخر أو رؤية إخراجية مختلفة، لظهر الفيلم بمستوى أقل من حيث التأثير والتفاعل، الذي اختبرته -بشكل عفوي وغير مقصود- على هذا الطفل الصغير. هناك طبعًا عناصر أخرى أسهمت في نجاح العمل، مثل الإضاءة، والمؤثرات الصوتية، والديكور، لكنها تأتي في مرتبة ثانية بعد الإخراج والأداء التمثيلي، فالإخراج بتقنية اللقطة الطويلة، مع المحافظة على الرتم المتوازن، كان علامةً فارقة في الفيلم، كما أنه جعل من المادة الفنية مادة سينمائية لا مسرحية، أما الأداء التمثيلي فكان منحازًا ومخلصًا للمسرح بالدرجة الأولى، وهذه الثنائية التي تبدو متناقضة للوهلة الأولى هي التي كونت هذا الشكل من التأثير، وهي ثنائية صعبة ومعقدة، التزم فيها كل من المخرجة والممثل بحدود دوره داخل العمل الفني، ليصلا به في النهاية إلى بر الجمال.
أما من ناحية النص السينمائي-المسرحي، أو المسرحي-السينمائي، فالمتلقي على الأغلب لن يستطيع القبض على حدود النص وانتمائه الصريح، فالنص عابر للنوع الأدبي، ويعمل على فكرة التناص، التي تُعلي من قيمة النص المسرحي بمحاولة استثماره سينمائيًا، وتُعلي في الوقت ذاته من السينما حيث حاولت المخرجة تقديمَه كنصٍ سينمائي، لذلك برز جمال النص من خلال هذا الارتباك الأجناسي، الذي تُقدمه المخرجة كسؤال أكثر منه كإجابة، ما جعل الفيلم ككتلة فنية يدخل في حيز التجريب، الذي عادةً ما يقدّم قيمة المغامرة الفنية، على قيمة المعنى، حتى يستحيل التجريب أو سؤال التجريب إلى معنى قيمي في حد ذاته، ومن ثم يكون اختبار التأثير -الذي بدأت به الحديث عن العمل- هو وحدة القياس الحقيقية لنجاح ووصول العمل، وهو، أي التأثير أيضًا، الإجابة المدوية على مدى قيمة ونجاح العمل الفني ككتلة متوازنة، لا نستطيع تحديد بنيتها تمامًا، بينما نستطيع قبولها، بسبب أثرها الرائع فنيًا.
معلوم أن عنوان الفيلم -«أغنية البجعة»- يحيل إلى أسطورة الطائر الجريح والصامت طوال حياته، والذي يطلق صوته الحزين لمرة واحدة في حياته حين يشعر بدنوّ أجله، وقد استعمل هذا التعبير للممثل المسرحي تعبيرًا عن أدائه الأخير على الخشبة، وهو عنوان نص مسرحي لأنطوان تشيخوف، أحد أهم مَن كتبوا المسرح الروسي، كما أن العنوان استُثمر أدبيًا وسينمائيًا في أعمال كثيرة. كل هذه الإحالات تعطي للفيلم قيمة تجريبية مضافة، تميل إلى الرغبة الجامحة تجاه فعل المغامرة، والذي أذهلني وجعلني أعتبره مغامرة محسوبة وناضجة.
وفي إدخال اللغة العامية (اللهجة السعودية) في نسيج العمل، ما أضاف له خصوصية محلية، دون الذهاب بالعمل إلى مرحلة «سعودته» إن صحت العبارة. إن مجرد استثمار العامية المحلية أعطى للعمل صبغة وهوية ذاتية، تجعل الأمر يظهر على شكل حوارية ثقافية، أكثر من كونه استنساخًا ممجوجًا، أو مجرد نقل لفكرة فنية جاهزة لدى الآخر.
العجيب والمميز في الفيلم -غير نجاحه التأثيري طبعًا- هو قدرة المخرجة على نسج حكاية صغيرة من حيث البناء، لكنها حكاية كبيرة من حيث الخطاب، فرغم اعتماد الفيلم على القيمة الفنية والتجريبية للمونودراما، التي تعتبر قيمة عظيمة ومدهشة في حد ذاتها، فإن الكاتبة-المخرجة سرّبت من خلال نصها مضمون الحكاية، التي تترابط بشكل كبير مع ثيمة العنوان، وهي حكاية الفنان أو الممثل، كان ذلك من خلال حديث البطل للمرآة، التي تُعبّر عن الحبيبة صراحةً، وعن رفض أهلها الزواج به كونه ممثلًا، وفي الوقت ذاته ويلاته النفسية من خسارة جمهوره، في حالة من التبرير الذي يحيل كل مرة إلى عنوان الفيلم، ما جعل استثمار العنوان المطروق سلفًا في مكانه الصحيح تمامًا، ولكي تخبرنا المخرجة مَن هو هذا الإنسان الذي يهذي على خشبة المسرح، نادبًا حظه في لحظة، ومتعاليًا ومتجبرًا ومعتمرًا تاج المُلك المتوهم (مُلك خشبة المسرح)، نراها تضيف للعمل تلك الشخصية في دورها الصغير والنهائي (دور الممثل غازي حمد)، الذي يعلن عبر جملة وحيدة ومتناهية الصغر، عن كنه البطل، الذي يبدو أنه أستاذ لمادة الرياضيات، وأن الخشبة، ماهي إلا خشبة مسرح مدرسي مهجور تمامًا، ليتضح من خلال هذه الجملة الصغيرة التي ألقاها الممثل غازي حمد على مسامعنا بمثابة لحظة تنوير، ترشدنا إلى حكاية الفيلم، في عبقرية بنائية خاطفة وفذّة، قلما نجد مثيلًا لها في عالم السينما، والأعجب أن لحظة التنوير هذه في حكاية فيلم «أغنية البجعة» أضافت للعمل بُعده السينمائي، لأنها أخرجت الذهن من مستوى التلقي المسرحي إلى مستوى التلقي السينمائي.
ولأن كل شيء في هذا العمل السينمائي -على صغره وقلة مكوناته- جاء في موضعه تمامًا، وبحساب فني بالغ الجمال، والقيمة كذلك، أتى إهداء الفيلم إلى روح الكاتب المسرحي السعودي العظيم محمد العثيم الذي ظلت روحه حاضرة خلال العمل، وتحوم حول الحكاية، وأعتقد أن هناء العمير منذ البداية، أي من لحظة تكوين العمل، ومن خلال الحوارات الذاتية، كانت تزج بمأساة الفن التي مرت بها البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي راح ضحيتها فنانون أفذاذ، قضوا دون الوصول إلى لحظة الاعتراف بالفن والجمال، أو حتى سماع صوته، وكأن العمل بهذا الشكل التراجيدي الذي ظهر به، يُمثّل صوت البجعة المخنوق والأخير، الذي لم يسمعه أحد.