فيلم «ديار حسمى»: ألق الجغرافيا في ظل غياب سؤال الحكاية

في الفيلم السعودي «ديار حسمى» للمخرج الواعد فهد فايز، والذي ترشّح لعدد من المهرجانات الدولية والعربية منها مهرجان أيام قرطاج السينمائية في دورته الـ32، يتحول سؤال السينما من «ماذا يريد المخرج للصورة السينمائية أن تقول؟» إلى «ماذا تريد هذه الصورة أن تُرينا؟» وعلى أن هذا سؤال مشروع، بل وضروري لدى تصورات سينمائية معينة تميل إلى التوثيق، إلا أنه لا يكفي بطبيعة الحال، لأن في هذا الفعل إعلاء لمكون سينمائي على آخر، يشعرنا بتعالي الصورة والجغرافيا على الحكاية، الحكاية التي بدت في الفيلم ثانوية مقارنة بروعة وجمال الصورة، وعلى أن صياغة حكاية ليست بالأمر اليسير، إلا أنها ليست بالمستحيلة أيضًا.

ولو سُئلتُ لماذا أقول هذا الكلام الذي يوحي بنبرة عدم رضا عن عناصر الفيلم ككتلة وكثافة مكتملة، لقلتُ إن ما يزعج ويقض مضجع أي متابع جادّ للحراك الفني المحلي -والسينما من أهم عناصر هذا الحراك- هو المستوى المتصاعد في مسألة تفويت الفرص الحقيقية والسانحة، فمخرجُ فيلم «ديار حسمى» وضع يده على موضوع فني في غاية الأهمية، متعلقٍ بألق الجغرافيا المحلية في منطقة شمال غرب المملكة العربية السعودية، التي باتت تُعرف اليوم باسم «نيوم»، وعلى أن المخرج تعامل مع جمال وروعة الجغرافيا بإخلاص عظيم، وفنية صادمة بالشكل الإيجابي لمفهوم الصدمة، إلا أنه أهدر فرصة جودة حكاية محلية قوية، الفرصة التي أعتقد بوجودها في مرمى نظره، فشخصٌ على هذا القدر من التمكين والبراعة في تقديم الثقافة الصُورية الجميلة، لا أستبعدُ قدرته وتمكّنه من صياغة حكاية تستطيع حمل الثقافة الثرية لإنسان هذه الجغرافيا الاستثنائية.

صحيح أن تجربة فهد فايز -وهي الأولى له- حملت كثيرًا من القيم الثقافية لإنسان المنطقة، من قيم الشهامة والنخوة، والنجدة، والنجاة من الصحراء، والوفاء للرفيق، إلا أن هذه القيم جاءت بشكل مباشر ومصطنع، وما كان هذا ليحدث لولا غياب حكاية متماسكة، تعتمد على الحبكة وتطور الأحداث. والدليل على ذلك هو قدرتنا على تفكيك هذه القيم المبثوثة في الفيلم، من خلال المشاهد المتفرقة، التي لا يجمعها خيطٌ ناظم ولا حبكة متماسكة، فالبطل «سالم» الذي يستأذن جماعته بالذهاب ناحية الربيع سعيًا وراء هواه، إذ يقول لهم: «إكرام النفس هواها»، ينتهي به الحال إلى ملاقاة شخص آخر هو «حميد». لا يعطينا المخرج مبررًا منطقيًا لمدى قوة العلاقة التي تنشأ بينهما، ثم يعترض طريقهما ثلاثة أشخاص من قُطّاع الطريق، وتنشب بين سالم ورفيقه والجماعة المعتدية معركة بالبنادق، تنتهي بانتصار سالم ورفيقه، اللذين يعبّران عن رمزية الشجاعة والشهامة، على المعتدين الذين يرمزون إلى النهب والدناءة، ثم تنتهي القصة باعتداء آخر ينتهي بانتصار سالم ورفيقه أيضًا، وبعد وداعهما يظهر شخصٌ يُطيح بسالم بشكل غادر، بعد ذهاب صديقه بالهدية - السيف، الذي يخص به سالم رفيقه حميد - دون وجود مبرر منطقي لا من خلال القصة ولا من خلال الحوارات. من هنا يمكن القول إن ما كان الفيلم في حاجة ماسة له، لتكتمل الكتلة الفنية المقنعة، هو وجود حكاية قوية، قادرة على حمل المدلول البصري الرائع للمكان، دون الحاجة إلى تكثيف القيم المباشرة من خلال الحوارات عالية الصوت.

ولو لاحظنا دلالة عنوان الفيلم «ديار حسمى» سنتنبه إلى اهتمام المخرج بالقيمة الجغرافية على حساب تماسك وقوة الحكاية، وعلى أن العنوان لا يَعِد المتلقي بالحكاية، إلا أن السينما تفعل ذلك، فوجود الفيلم السينمائي يحتم وجود الحكاية بالضرورة، وإن لم يُصرح بها في اسم الفيلم وعنوانه، الذي يعلي قيمة المكان على حساب الحكاية كما قلنا سالفًا، ولا بأس بالتعالي غير المخل، الذي يضم نوعًا من الانزياح تجاه مكون من مكونات الفيلم، مع الأخذ بعين الاعتبار موضوع التوازن والانسجام الفني، الذي أظن أن الفيلم ضحّى به مقابل الانبهار بالمكان وجماله الجغرافي.

أما عن أداء الممثلين -سالم العطوي في دور «سالم أخوي مغيضة» وعواد العطوي في دور «حميد أخو خضرا»- فقد كان من أجمل ما يكون، وقد يكون ذلك عائدًا إلى براعة المخرج في استثمار إنسان المكان، ما أعطى للفيلم قيمةً قَلّما نجدها في السينما السعودية اليوم، وهي قيمة الصدق الفني، فمهما كانت براعة الممثلين وتدريبهم على تقمص الشخصيات، لا يمكن -في تصوري- أن يظهروا بهذا المستوى الطبيعي والعضوي، الذي ظهر به سالم وحميد؛ أهل وأصحاب المكان منذ الأزل، سواء على مستوى اللهجة، أو الحركة في المكان، والأهم من ذلك السحنة الخَلقية وطريقة التعامل مع الزي التقليدي. كل ذلك رفع من قيمة الفيلم الفنية، وكوّن انسجامًا بين الصورة السينمائية وحركة المكون الإنساني داخل الكادر.

ما أود التنبيه إليه أخيرًا هو أنه بالرغم من كلامنا عن غياب الحكاية القوية والمتماسكة، فإن الفيلم من حيث الصورة السينمائية، وزوايا التصوير، واستنطاق الجغرافيا، يُعدّ فيلمًا فريدًا من نوعه، لا يقل بأي شكل من الأشكال عما تنتجه أكبر شركات الإنتاج العالمية، التي تصرف الملايين من أجل إظهار صورة سينمائية كالتي أخرجها لنا فهد فايز في فيلمه الأول وبإمكانات ضعيفة وإنتاج بسيط، ما يشي بقيمة فنية قادمة بكل تأكيد، لا ينقصها إلا الانطلاق في هذا العالم والغوص فيه، دون الرجوع إلى التجريب المبدئي واختبار القدرات الشخصية، فأي متابع إذا ما عرف أن هذا الفيلم ما هو إلا إطلالة أولى لفهد فايز على هذا العالم، فإنه حتمًا سيتوقع منه كثيرًا في المستقبل القريب. 

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى