في معنى أن ترسم بورتريهًا لسعاد

كانت سعاد حسني بالنسبة إلى جيلي أكثر من مجرد ممثلة جميلة وخفيفة الظل؛ كانت حلمًا كاملًا لجيلٍ بأكمله، حلم الانطلاق والحرية، وصورة المرأة المصرية الجديدة التي خرجت من القوالب التقليدية إلى فضاء أكثر اتساعًا وإنسانية. كما مثّلت، عبر أفلامها وحضورها، روح التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عاشتها مصر منذ بداياتها الفنية وحتى أفلامها الأخيرة ونهايتها المأساوية. كانت حياتها نفسها أشبه برواية مفتوحة أو فيلم طويل متعدد الفصول.

ولم يكن غريبًا أن تعود صورتها وكلمات الأغنيات التي كتبها صلاح جاهين إلى جدران القاهرة خلال ثورة 25 يناير، فتتحول إلى أيقونة للثورة والحرية، حين نقرأ عبارات مثل: «البنت زي الولد»، أو «ولو بصّيت لرجلك تقع»، وغيرها من الجمل والأغنيات التي ما زالت حيّة في الوجدان حتى اليوم.

في أدائها كانت سعاد متعددة الوجوه والتعبيرات؛ نراها الضاحكة والمتمردة، الحزينة والغاضبة، العاشقة والثائرة. ولهذا جاء حضـورها مؤثرًا في أعمالي الفنية عنها، حيث حاولت أن أطرح في اللوحة وجوهًا وعيونًا وتعبيرات متعددة فوق سطح واحد. لم تكن الفكرة مجرد بحث عن تقنية جديدة، بل محاولة لاستدعاء الرؤية التعبيرية ذاتها، والقبض على روح شخصية متحركة ومتغيرة باستمرار.

ولأنها بطلة سينمائية يتحرك فيها الكادر بلا توقف، حاولت تجسيد هذا الإحساس بالحركة داخل مساحة ثابتة، عبر تعدد الوجوه داخل العمل الواحد، وكأن اللوحة نفسها صارت تربط بين الحركة والسكون في لحظة واحدة. أما فعل الخياطة داخل العمل، فلم يكن مجرد وسيلة لتثبيت الطبقات، وإنما أصبح إيقاعًا نابضًا يشبه الموسيقى، مُعلنًا أن قوة التعبير ما زالت حيّة ومتحركة، وأن البورتريه صار كائنًا يتنفس ويتبدل أمامنا، ولم يعد صورةً جامدة.

ومن هنا، حين نواجه شخصية بقوة وتأثير سعاد حسني، يصبح من الضروري اختيار زاوية خاصة ومختلفة للمعالجة الفنية؛ زاوية لا تسعى إلى محاكاة ملامحها بشكل واقعي أو توثيق مشاهد من أفلامها، بل تحاول خلق حياة موازية تنقل أثرها الإنساني والشعوري إلى المتلقي، حتى وإن لم يكن يعرف سعاد نفسها.

لقد كانت سعاد ملهمة للمشاعر، ومرآة لتحولات المجتمع المصري من ثورة 23 يوليو وحتى ثورة يناير. هي الفتاة التي أحببناها في «حسن ونعيمة»، ورأينا فيها صديقتنا وزميلتنا في «الكرنك»، وعشنا معها الحب والتمرد في «خلي بالك من زوزو». وربما لهذا السبب بقيت صورتها حيّة في الذاكرة الجمعية؛ لأنها لم تكن نجمة سينما فقط، بل كانت جزءًا من وجدان جيل كامل، وما تزال.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى