«بانت سُعادُ».. في رثاء الأيقونة

كنّا نقف أمام منضدة العرض في متجر الصواني الشهير، تلك العلامة التجارية العريقة التي أغلقت أبوابها لاحقًا، يُقلب البائع البضاعة النادرة من الحُلي، بتلك الحماسة المصرية المحببة التي تجعل من كل صفقة بسيطة حفلةً بأكملها، ونحن في زحام استعدادنا لعُرس عائلي قادم، رنّ الهاتف المتنقل في يد عمتي، وعلى الطرف الآخر ابنها البالغ من العمر آنذاك أحد عشر عامًا، يخبرها بلا توطئة ولا مقدمة: «سعاد حسني ماتت».

شهقت عمتي، كان صوتها جهوريًا مدويًا كما هو في سائر أحواله، لكن شهقتها في تلك اللحظة كانت موازيةً لذلك الجهور كله، شهقة صاعدةً من الأعماق، أوقفت الزمن في المتجر، وحوّلت البضاعة المعروضة إلى كومةٍ من الدهشات، ثم قالت بصوتٍ يتشقق وهي تنظر نحو الجميع: «سعاد حسني ماتت!».

كان الباعة من الجنسية المصرية، وقد توالت دهشاتهم تباعًا من منضدةٍ إلى أخرى، ومن صوتٍ إلى آخر، وتعالت النداءات في أرجاء المتجر الواسع: «سعاد.. سعاد حسني!» ..«لا إله إلا الله!»، «مش معقول!» وقف كل بائعٍ خلف منضدته، وتصاعدت أصوات الاستنكار وتشابكت، حتى صار المتجر مأتمًا يتناوب الباعة فيه التعازي، شهقةً جماعيةً وحزنًا فوريًا خرج من القلوب. وخرجنا نحن، أصحاب العُرس وأفراحه وزينته، بأرواحٍ جنائزية، تاركين خلفنا الملابس الفاخرة والحُلي النادرة، وصدى الشهقات على أطراف المنضدة.

باقٍ على العُرس عشرُ أيام، وعلى منضدة دماغي، أقراطي التي أبحث عنها من جهةٍ، وجنازة سُعاد التي أٌذيعت على الهواء من جهةٍ أخرى، لم تتوقف شاشة القنوات الفضائية عن إطعامنا التفاصيل. تدافعت التحقيقات التلفزيونية، وأصدرت المجلات طبعات خاصة، وكل من جلس معها مرة في غرفة، أو مشى بمحاذاة العمارة التي سكنت فيها، سواء كان قريبًا، أو صديقًا حميمًا، أدلى بدلوه! غير أن أحدًا لم يجرؤ على القول ببساطة: لا أعلم.

العد التنازلي للعرس يقترب، نساء وفتيات العائلة لا يهدأن، والهاتف الأرضي يرن لعرض الصفقات المتبادلة، بين من ينقصها حذاء ذهبي، ومن تحتاج عقدًا لؤلؤيًا، وأنا مازلت أبحث عن أقراطٍ مميزة، ليست ماسًا ولا ذهبًا، أريد فقط ما يليق بالفستان الأسود المرصع بالكريستالات على الكتفين. اتصلت عمتي تبشرني: «وجدت أقراطًا (شريهانية)»، نسبةً إلى شريهان نجمة الاستعراض في فوازيرها «حول العالم». انحلت أزمتي الصغيرة، بينما على الشاشة كان مصفف شعر سُعاد يتحدث عن ذوقها في الملابس كون (عبد الحليم) يحب اللون الفلاني وهي «عايزة تغيظه». تفاصيل شخصية تُحكى، أسرار تتوالى، والجميع يعرف سُعاد حق المعرفة، لكن، ما المقصود بحق المعرفة؟ فنحن أيضًا نعرفها، غير أن معرفتنا نبتت من جذرٍ آخر.

سُعاد التي عرفتها، غير تلك الفتاة ذات الغنج والدلال والرموش المستعارة، والتي تفيض بطاقة المرح والشقاوة كما في «السبع بنات»، «عائلة زيزي»، «من غير ميعاد» و «إشاعة حب»، إذ كانت هذه المجموعة هي نُسخة سُعاد  المُقررة علينا في أشرطة الفيديو الأبيض والأسود. لكن "سُعادتي" وجدتني قبل أن أجدها، في حقبة الثمانينيات عندما كانت الشاشة  الصغيرة نافذة الدنيا كلها، فتسري المقدمة الموسيقية لمسلسل «هو وهي» في البيت مساءً، كما يسري العطر في الغرف المغلقة. حينها، ما كنت بلغت سن المدرسة بعد، وما كنت أملك تسمية ما يشدّني إليها، غير أن شيئًا ما في ملامحها وهي في الثالثة والأربعين كان يُعلّق البصر ويحبسه. منحوتة جمالٍ مُعتّق. بشرة واضحة المسام، غير مفلترة، تحمل أثر الحياة كما تحمل الأرض أثر المطر. أسنان غير مصطفة، تخبيء ابتسامة فيها شيء من الوجع المكتوم. وخطّا الحزن اللذان يحيطان بتلك الابتسامة، يحرسانها من الاكتمال، لأن الابتسامة المكتملة بالنسبة لي لا تعني شيئًا، أما التي يجري تحتها نهر من الشجن الأنيق، فتلك هي التي تسكن فيّ وتبقى. ثم جاءت المرحلة الابتدائية، وصارت مخطوطات سعاد تملأ كراساتي، تبحث أقلامي الخشبية في ملامحها عن شيٍء ما، شيء يشبه الحقيقة في ثوب الحُسن.

وقبل هذا كله "صوتها"، صوتها الذي يهدي العافية إلى نفسي، صوتها الحريري، الآمن مثل زورق يصلني بين ضفتين.

صوت سعاد لؤلؤة تعرف متى تضيء ومتى تحتجب. تعلو العُرَب فيه دون ضغط ودون زهو. تظهر البحّة الخفية الساكنة في أعماقه كلما نادت: «يا بحر الهوى.. يا حبيبي أنا» فتسبح أوتارها في الماء الرقراق. وحين تردف مع علو الطبقة الموسيقية: «بيقولوا أنك قوي.. وبتجرح بالقوي»، ثم تسقط في العتمة المائية الخفيفة في قولها: «بقى هي الدنيا كده؟»، يكون السقوط بحلاوة العسل ومرارة العلقم. صوتها الذي انكسر في «يا تُرى إنت فين يا حبيبي» ازداد نضجًا بين الكلمات، وأضحى مرثية تسبق نفسها. 

طرّز كمال الطويل لهذا الصوت المزدوج أغنياتٍ مرحة وأخرى عذبة، فأضاف إليها كلها ذلك الظل الخفي الذي يجعل الفرح قادرا على إيلامك، والحزن يلوذ بك دفئًا. عرف صوتها أيضًا كيف يشع مع كرنفالات عمار الشريعي الموسيقية، عندما غردت بوجهٍ مصقول وملامح متوهجة وشفاه باللون الأحمر القاني يظهر الخطوط الحادة كأنها مشقوقة بسكين في أغنية  «الهند أم العجايب» عن حكاية تبدأ بالعشق والحماسة والوله، ثم يزيح صوتها بشكل فائق العذوبة إلى الكوبليه الأخير لتسرد النهاية المأساوية.

"سُعادتي" الخاصة إذن، هي هذه الحديقة من الورد والشوك، من الأغنيات المبهجة والحيوية في إيقاعها والملغمة في مضمونها بمعانيها المؤلمة مثل «بانوا بانوا» و«شيكا بيكا»، سُعادتي السينمائية هي ما بعد "زوزو" بينما بقيت زوزو هي تفاحة سُعاد الشهية، تفاحتها المسمومة.  

في الصغر كنت أتمثل بالفنانين الكبار، فأرسم الحزن الذي يرتدي ثوب الجمال. كبرت وأصبحت أرسم نفسي بملامح سٌعاد. وهنا بالتحديد تُفتح بوابة "علي بابا" عن المنجز الفني حول سعاد، فالوعي الذي "تألمظ" مع صحبة "صلاح جاهين" أتى بثمنه دفعات مقطرة. ذلك الوعي الذي يُلحق صاحبه بالوسوسة، ويجعله يسير على إيقاع الشك، تتضاعف فيه الحساسية، فيخشى المرء أن يتعثر بظله الخاص، تشيخ طفولته أو تتوارى، حتى ينسى اللحظة التي ألصق فيها أنفه بالزجاج، لأنه شاهد العالم متوحشًا، والمفارقة، أنه أصبح متوحشًا بسبب جماله قبل قسوته. 

الوعي الذي يفتح صناديق في الروح يشبه الدمية الروسية، ولعنته هي النافذة التي تطل على نفقٍ مظلم.

يسكن الإبداع في هذا النفق، ويقيم فيه الإكتئاب كذلك.

وسُعاد كانت تعرف هذا. لم تقله، لأن من يعرفه حقًا نادرًا ما ينطق به جهرًا. لكنه كان مكتوبًا في ذلك البراح بين عينيها وقوس الحاجب، كان محفورًا في تلك الخطوط التي تحيط بابتسامتها، وفي البحّة التي تسكن صوتها الخجول، وفي كل هذا الجمال المعتّق الذي شوهه المرض و الخذلان.

اختفت سُعاد. سافرت إلى لندن وصمتت، والصمت بعد كل تلك الضجة كان إعلانًا من نوعٍ آخر. جاء نبأ رحيلها مباغتًا، غامضًا كحياتها الأخيرة، في حياتها صمتت وفي موتها صرخ الجميع. 

اليوم، بعد 25 عامًا، تصدح في رأسي أغنية شقيقتها "نجاة الصغيرة" بألحان عبد الوهاب: 

«كل شيء راح ..راح وانقضى..»

لقد بانت سُعاد! 

"بانت سُعاد فقلبي اليوم مبتولُ.." كما يصدح كعب بن زهير،

انسابت من الشرفة.. تمددت على الرصيف، حزينة.. وحيدة.

ومثل كل الرهيفات اللاتي عشن في وهج الضوء، يقطفن النجوم من الأعالي، ويصنعن غزل البنات من الغمام، أمسكت سُعاد الحياة من عنقها، ولم تتركها حتى أمسكت الحياة بعنقها هي. 

وقد كان.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى