«بعد 28 عامًا»: نهاية العالم في المخيال الغربي.. من البطل المُخلِّص إلى سردية الناجي

لم أغادر صالة السينما بعد مشاهد فيلم «بعد 28 عام» (28Years Later, 2025) إلا وأنا مشدوهة من التباين بين التصوير الأمريكي والبريطاني للعيش في مرحلة ما بعد نهاية العالم. فبعد مشاهدة عدة مواسم من مسلسل «الأموات السائرون» (The Walking Dead, 2010-2022)، ثم مشاهدة فيلم داني بويل المبهر، بدا لي أن السرد الأمريكي يتشبث بإمكانية وجود البطولة المطلقة في حياة ما بعد نهاية العالم، بينما تركز الحكاية البريطانية على تمثيل البقاء وصراعاته. ورغم حضور كل من مفهومي البطولة والبقاء في كلا السياقين، إلا أن البطولة المطلقة كانت هي المسيطرة على أحدهما، بينما ساد تصوير صراع البقاء على معظم مشاهد النسخة البريطانية لحياة ما بعد نهاية العالم. ويمكن قراءة هذا التباين بوصفه انعكاسًا لمواقف الدولتين خصوصًا في العقود الأخيرة حيث تتمسك أمريكا بموقف البطولة المطلقة والوصاية على العالم، بينما تلاشى إرث بريطانيا الاستعماري وحل محله الذوبان ومحاولة البقاء والتعايش مع آثار الحربين العالميتين والاختباء تحت ظل الدولة الأقوى.

يستهل بويل فيلمه بمشاهد تصور إصابة البشر في الجزيرة البريطانية بفيروس يحولهم إلى أموات أحياء في مشاهد دموية نستشف من خلالها بقاء أحد الشخصيات سليمًا من الإصابة. ثم ينتقل المخرج إلى مشاهد تمثل الحياة في بريطانيا "بعد 28 عام"، ويظهر للمشاهد تعايش الشخصيات مع وضعهم الراهن واختيارهم وضعية الدفاع. فنرى قريةً محاطةً بسور خشبي تقع في جزيرة صغيرة مجاورة للجزيرة البريطانية. ونرى أن أهلها عادوا إلى نمط حياة بدائي يعتمد على الزراعة الجماعية والحرف اليدوية من صناعة السهام والأقواس وغيرها. ورغم مظاهر التكيف والتعايش هذه، نرى مشاهد توحي بما يبدو كموقفِ من مواقف المقاومة ومحاولةٍ لتصيّد البطولة، ومن جملة ذلك سعي الأب إلى مرافقة ابنه إلى الجزيرة الكبرى. لكن سرعان ما يعود موقف التخلي عن البطولة إلى الواجهة، حين يُعلن قادة القرية أن من يذهب ويتأخر في العودة فلن يُرسَل أحد للبحث عنه. إن كل إنسان هنا مسؤولٌ عن نفسه، والهدف هو البقاء وليس خلق الأبطال. وحين يعودُ الابن مخذولًا بعد اقترابه من الموت وعدم استطاعته قتل أي من الموتى الأحياء، نرى أباه يتّخذ دورَ الحكواتي ويتغنّى ببطولات ابنه المزيفة، فنرى الابن يهرب من هذا الاحتفاء مهزومًا، غير متقبلٍ لهذه البطولات المُختلقَة.

تتداعى الأحداث ونصل عند نقطة تبدو كمحاولة مترددة لخلق بطلٍ لا تلبث إلا وتنتهي بتفنيد الفكرة من أساسها، بل والتلميح إلى أن البطولة هي مجرد فكرة لا توجد إلا في ذهن مدعيها فقط. في هذه المرحلة، نرى الابن يهرب بأمه المريضة إلى الجزيرة الأساسية بحثًا عن طبيب يعتقد أهل القرية أنه هجر الطب واعتنق الجنون. عندما يصل الابن " البطل" إلى الجزيرة التي تعج بالموتى الأحياء، يختار مكانًا يُخيَّل إليه أنه مثالي للاختباء، ويُقدم ببسالة على مهمة حراسة أمه أثناء نومها. لكن يكتشف المشاهد أن "البطل" كان يغط في نومٍ عميق حينما زحف نحوه أحد الأموات "البطيئين"، وحينما كان قاب قوسين أو أدنى من البدء في التهامه نكتشف أن الأم المريضة تمكنت من قتله وحماية البطل المزعوم. 

وتتجلى عبقرية المخرج في تصوير بعض مشاهد الفيلم -ومنها هذا المشهد- بكاميرا هاتف آيفون، إذ اتسمت، مقارنةً بمشاهد سينمائية عبقرية أخرى في الفيلم، بعدم الوضوح وبالإطارات المحدودة. وقد صرَّح المخرج بأن اللجوء إلى التصوير بكاميرا الهاتف المحمول كان تسهيلًا للوصول إلى بعض المواقع في الغابات والتي يصعب حمل معدات تصوير سينمائي معقدة فيها. غير أن قراره، القائم على هذا التباين في جودة التصوير بين كاميرا الأيفون وبين كاميرات أعلى تقنية، كان يهدف أساسًا إلى محاكاة ضبابية وضيق رؤية الشخصية في تلك المشاهد المرعبة، مقارنةً بمشاهد أخرى كانت الشخصية فيها أكثر تقبلًا لمصيرها وأكثر تعايشًا معه.

تعتبر شخصية الطبيب في الفيلم مكونًا آخر لتمثيل التعايش مع الوضع الراهن بدلًا من تقمُّص دور البطولة، إذ تخلّى الطبيب عن مهنة الشفاء واستبدلها بفكرة تقبّل أن الفناء هو الحقيقة المطلقة ولا جدوى من المقاومة. وقد بنى هرمًا من الجماجم احتفاءً بالموت وتعايشًا معه، وتمجيدًا لمن ماتوا ولم ينتشروا في الأرض لإرهاب الأحياء. فهو يحرق جثثهم ويبقي جماجمهم كعرش يتربع عليه الموت. ويتجلى لنا تعايش الطبيب مع الحالة الراهنة لسيطرة الفيروس على البشر في صبغ بشرته بمحلول اليود لينفر الأموات-الأحياء. فهو لا يسعى إلى مقاومتهم وقتلهم في الأساس. وحين يضطر إلى المواجهة، فهو يتصدى لهم بحقنةِ مورفين لتخديرهم فحسب. فهم بالنسبة إليه موتى على أية حال، ولا فائدة من مقاومتهم بالقتل، وإنما يجب تقبّلهم كجزءٍ من محيطه وعالمه.

أما أكثر المشاهد تأثيرًا، التي مثلت الصراع مع البقاء وما يصاحبه من فزعٍ، فهو الانتقاء العبقري للقراءة المبهرة للممثل تايلور هولمز في عام 1915 لقصيدة الأديب البريطاني روديارد كيبلينج «حذاء البوت» (Boots)، والتي نشرها ضمن ديوان «الأمم الخمس» عام 1903. وتتجلّى عبقرية اختيار بويل لهذه القصيدة، كخلفيةٍ موسيقيةٍ لمشهدِ محاولة اختراق الغابة التي تعج بالموتى-الأحياء، في التركيز على فكرة أن التصدي للبطولة سرعان ما ينتهي بعيش تجاربَ مرعبة وذلك لعدة أسباب؛ أولها أنه رغم أن القصيدة كتبت لتمثيل تجربة الجنود البريطانيين في حرب البوير الشرسة للسيطرة على جنوب أفريقيا، فإننا حين نتأمل كلماتها لا يظهر لنا أنها احتفاءٌ بالاستعمار والدعوة إلى السيطرة، بل تنضح بتجربة الرعب المريرة للجنود المشاة بالتحديد. فتتكرّر الكلمات فيها لمحاكاة خطوات الجنود المشاة وتئزّ منها معانٍ خانقة مفادها أنهم متجهون إلى الموت ولا مهرب لهم. حيث يكتب كيبلينج في قصيدته:

«نمشي و نكدح.. نكدح.. نكدح.. كادحين على أرض أفريقيا

بأقدامنا..أقدامنا.. أقدامنا.. أقدامنا.. كادحين على أرض أفريقيا

(البوت.. البوت.. البوت.. البوت.. يعلو تارة وينخفض!)

لا مفر إذن من الحرب!»

لا يوجد في القصيدة ما يمجد البطولة، فهي وصف لأرواح مهتزة يكتنفها الرعب وتصارع من أجل البقاء. حتى تكرارُ الكلمات فيها، والذي يحاكي خطوات الجنود، يعكسُ خطوات الرجاء في الخلاص وليس التقدم نحو النصر. ولا تتجلى عبقرية اختيار هذه القصيدة في تفرّد معانيها وموسيقاها فحسب، بل بقراءة الممثل هولمز الذي يتقمّص معاني القصيدة بعمق فيستهلّ إلقاءه بهدوء ورتابة متقمصًا رباطة الجأش، لينتهي به المطاف مرتعشًا وصارخًا، عاكسًا غرق الجندي في الرعب من الأهوال التي تجري حوله. فكان لمزاوجة هذه القصيدة وأسلوب الإلقاء المفعم بالخوف مع مشهد اختراق الأب وابنه لجزيرة الموتى الأحياء أثرًا عميقًا عند المشاهد، إذ خلق بذلك شعورًا بالرعب والقلق المفرط والبحث عن المفر، بل واليأس من الخلاص بدلًا من ترقّب ظهور البطل وانتصاره في هذا المشهد. 

وعلى عكس هذا التقهقر الموضوعي عن تمثيل دور البطولة المطلقة، في تمثيل المخرج البريطاني لتجربة العيش في ما بعد نهاية العالم، يبرز في المقابل حضورٌ متكررٌ لتتويج الرجل الأبيض تحديدًا كبطلٍ، في الحلقات المتتابعة من مسلسل «الموتى السائرون». فنرى "ريك" بطل المسلسل يتصدى للموتى-الأحياء، ثم الأعداء من الأحياء ويحمي رفقائه بلا كلل، وحتى عندما يرجح موته، سرعان ما نراه يخرج حيًا ليستكمل مسيرة مقاومة الأخطار، في استعادة واضحة لأسطورة المستعمر الأمريكي الأبيض للأرض الجديدة، والذي قاوم السكان الأصليين، واستعمر الأراضي القاحلة، في سعيه لخلق حياة زاخرة بالتجارة والزراعة والصناعة، وخرج بهذا منتصرًا حتى على القارة التي هاجر منها معلنًا استقلاله وسيادته.

وتتجلى ملامح هذه السردية كذلك في مشهد مواجهة "ريك" لقرار حاسمٍ، حينما يُخيَّر بين قطع يد ابنه وبين التضحية بأصدقائه، فيتردد كثيرًا ولا يختار إنقاذ ابنه في الحال، وهذا الموقف يأتي تأكيدًا على صورة البطل القائد الذي يحرص على حماية رعاياه. ورغم تراوح البطولة بين "ريك" الذي يظهر على أغلب بوسترات المسلسل بوصفه البطَلَ الفعلي، وبين "داريل"، ظلَّ هذا التصوير مركزًا على تمثيل الرجل الأبيض كمنقذٍ في أغلب حلقات المسلسل.

إلى جانب هذا، تُظهر لنا النسخة الأمريكية، كذلك، أن الإنسانية لا تحتاج في الغالب إلى الرجوع إلى الحياة البدائية لأن التقدم التكنولوجي الأمريكي يمكن الاعتماد عليه حتى بعد نهاية العالم. فمثلًا نرى السيارات مازالت تعمل بكفاءة والوقود لم ينضب. ونلاحظ ملامح ذلك في الموسم التاسع من المسلسل عندما يضطر قوم نيغان لزراعة الذرة وصناعة الإيثانول لاستخدامه كوقود بديل في إشارة إلى براعة الأمريكيين في الصناعة، وقدرتهم على تحسين أوضاعهم باستخدام التكنولوجيا. وتتضح مظاهر التقدم التكنولوجي كذلك في توافر الأسلحة من مسدسات ومدافع، حتى في المواسم الأخيرة من المسلسل، بما يظهر متانة العلاقة بين تصوير البطولة في أمريكا وارتباطها بحمل البنادق، والتي تعود إلى صورة "الفاتحين" الأوائل لأمريكا الشمالية، متمثلة  في الرجل الأبيض البارع في استخدام السلاح -ذي التكنولوجيا العالية في ذلك الوقت- من جهة، والرماية بالقوس مثل السكان الأصليين من جهة أخرى، فهو يماثلهم في المهارة ويتفوق عليهم. وهذه الصورة التي تم تأصيلها في روايات مثل «آخر سالالة الموهيكيين» (1826) لجيمس فينيمور كوبر تمثل المزاوجة بين الرجل الأبيض (ذي الذكاء والمهارة العالية) والرجل الهندي الذي يفهم أسرار الطبيعة وخيراتها، ليعاد تركيب الشخصيتين في صورة البطل الأبيض الذي رباه الهنود. وقد عادت شخصية البطل "هوكاي"، في الرواية، إلى الظهور في زمننا هذا، حيث تجلت في صورة نمطية للبطل الأمريكي الذي يحمل سلاحه على كتفه ولا يهزم تحت أي ظروف.

ورغم أن المشهد الأخير من الفيلم البريطاني «بعد 28 يوما» يظهر فيه بطل (أبيض) يقود مجموعة من المقاتلين الذين يقضون على الموتى الأحياء بحركات بهلوانية لحماية البطل، فإن هذا المشهد يطرح احتمال تأثر النسخة القادمة من الفيلم بالتصوير الأمريكي. ويظل السؤال هنا مفتوحًا وبلا إجابة، تماما مثل نهاية الفيلم: هل تتجه نسخة بطل الفيلم البريطانية نحو نموذج البطل المتردد الذي يركن إلى البقاء متخفيًا في عزلته، أم تتحول إلى النسخة الأمريكية للبطل المطلق الذي يغير مسار القدر بشجاعته وتفوقه في التدبير والتكنولوجيا؟ ربما.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى