مهما بلغ تعقيد القضية وسوادها، فإن السخرية منها تفتح أبوابًا للعلاج، وتُفتّت مفاصلها بشكل يتيح لها التحلل والاختفاء ربما، وإن لم يكن ثمة نتيجة للسخرية سوى تسليط الضوء على الخلل والاستهزاء به لكان ذلك كافيًا، خصوصًا لو كانت قضية إنسانية عادلة، لا تزال آلاف النساء -وربما الملايين- يعانين من آثارها، وهذا ما نشاهده في فيلم «عمرة والعرس الثاني»، ثاني الأفلام الروائية الطويلة للمخرج السعودي «محمود صباغ».
يقدّم «صبّاغ» في الفيلم مجموعة من الخطوات في خطوة واحدة، حيث يخوض عددًا من المغامرات ابتدأها بكتابة القصة، واختيار بطلة بلا تاريخ سينمائي ولا تجربة سابقة في التمثيل للرهان عليها في مشروعه، إلى جانب خوضه في مساحة حساسة مرتبطة بموضوع اجتماعي مركّب يجمع في تعقيداته بين الشريعة والتشريعات والأعراف المجتمعية: الزواج الثاني، كما يضع فيلمه في قوالب تجريبية عديدة خارجةٍ عن السياق التقليدي للسرد الفيلمي.
يدخل المُشاهد إلى مجرى الأحداث عبر مدخلٍ تقليديٍ؛ هو عشاء الرجال الذي تعدّه الزوجة «عمرة»، والتي أدّت دورها ببراعة فائقة «شيماء الطيب» في أولى تجاربها التمثيلية على الإطلاق. سندرك لاحقًا أن الكوادر التي استخدمها المخرج في هذه اللقطة ستصاحبنا طيلة الفيلم عبر مزيج لوني غرائبي، يبدو كأنّ مكوناته البصرية مستوحاة من إحدى روايات الكاتب الكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز». يختلط هذا المزيج بملامح الفيلم وإيقاعه، فيما ستؤسس مشاهد عديدة للسلطة الذكورية التي يبديها الزوج عبر إصدار أوامره إلى زوجته من جهة، ومن جهة أخرى عبر الحوار بين «عمرة» وابنتها التي جاءت هاربة من جحيم زوجها، منتقلة إلى ضغط الأسرة التي تنظر إلى مؤسسة الزواج باعتبارها مُستقر المرأة ومستودعها، بغض النظر عن الشكل أو الآلية التي يقوم عليها هذا الزواج.
لنبدأ ببطلتنا «عمرة» التي راهن عليها المخرج، وأخضعها -كما ذكر في أحد لقاءاته الصحفية- لتدريب مكثف استمرّ أشهرًا عدة. يتجلّى أثر هذا التدريب، إلى جوار الموهبة، في أداء «شيماء الطيب»، التي تؤدي دور امرأة متوسطة العمر، تظهر طوال الفيلم مرتبكة، متعددة الشخصيات والمزاج، حائرة بين رغبتها في الحفاظ على زوجها وزواجها التقليدي، وبين أفكار حديثة عليها، تتأثر سريعًا بها، لكنها لا تتلبّسها إلا لبرهة من الزمن قبل أن تعاودها الرغبة في استعادة زوجها، الذي يستعد للزواج بأخرى صبيّة، تفوقها جمالًا وتصغرها عمرًا، وتحمل الأمل إلى الزوج بإنجاب المولود الذَكَر له، وهي المهمة التي فشلت في تحقيقها «عمرة» بعد ثلاث ولادات أسفرت عن إناث، وهو ما تكنّي به زوجها في تواصلهما القليل، أو عند الحديث عنه في غيابه؛ «أبو البنات»، الذي تؤيّده أمه المتسلّطة في قراره، إلى جوار الجميع، حرفيًا، بمنأى عن التضارب الذي تتخبط فيه «عمرة».
لماذا نقول إن «عمرة» متخبّطة وشخصيتها غير مستقرة؟ لأنها تشكو وتخاف الشكوى، لسانها صامت عما تفكر فيه، وعقلها غير قادر على التعبير، ملامحها فزِعة، ولباسها مشتّت، فهي تارة ترتدي عباءة على الرأس وتكشف وجهها، ثم تتنقب، ثم تضع عباءة أخرى على الكتفين، وتكشف وجهها، تحتشم برداء الصلاة وتخفي وجهها أو تبديه بحسب حالتها النفسية، لا تملك وسيلة موحدة لتقديم نفسها بالمظهر والموقف، وهي مرتبكة لأن خوفها من فقدان زوجها يدفعها إلى شتى الطرق لاستعادة هذا الزوج، مشروعها الوحيد الذي استندت إليه طوال حياتها قبل أن تكتشف أن جهدها كله ذاهبٌ إلى أخرى، وأن تضحيتها وصبرها على ضنك الحال ومكافأة التقاعد الضخمة لزوجها ستحظى بها أخرى، فتستعين بمطوّع الحيّ، الذي يأخذ مالها ليمنحها ماءً مباركًا تستعين به على الاحتفاظ بزوجها، وتُصلّي ليالٍ طوال داعية بأن يصرف الله النساء عنه، ويحببه فيها، وتلجأ إلى استعطاف حماتها وبناتها ليقفن في صفها، وتوافق على تنفيذ خطة صديقتها لاستخدام السحر كي تمنع وقوع الزواج، قبل أن تلجأ أخيرًا إلى التهديد بحرق العروسين والمدعوّين وإفساد الزواج الثاني.
المكان في الفيلم متخيّل، حيّ سكني مغلق ومعزول عن المدينة، تابع لشركة تنقيب عن النفط. الرجال يعملون هناك ويغيبون بالأسابيع والشهور، والنسوة متوزعات بين بيوتهن والسوق الشعبي؛ حيث تعمل بعضهن ويلتقين للتبضع والثرثرة، وفيه تعمل «عمرة» أيضًا. تبيع مخبوزاتها وأطعمتها لتنفق على بنيّاتها وتعين زوجها الغائب على أوضاعه المادية الضيقة. والزمان ملتبس، غير محدّد الملامح، يظهر فيه هاتف أرضي قديم، وجوّالات حديثة وأخرى قديمة، وكذلك أثاث البيت والسيارات، إلى جانب الشخوص، التي لا تحمل جميعها زمنًا محددًا. ثمة دليل ورقي قديم للهاتف، وسناب تشات. اللهجات متنوعة أيضًا، فلا تخص منطقة بعينها، ولا امتدادًا جغرافيًا محدّدًا. البطل في الأساس هو القضية التي تجسّدها «عمرة»، والتي تمثل النسوة المسحوقات جميعهن، اللواتي لا يستطعن تغيير أقدارهن، لا عبر القبول بها، ولا بتغييرها، المستسلمات لسُلطة ذكورية يقود بها هذا المجتمعُ المتخيَّل أفرادَه. الزوج الذي ينتظر موعد عرسه غائب دائمًا، لا يكاد يظهر في الفيلم تقريبًا، لكن النسوة الذكوريات حاضرات بأفكاره نيابة عنه، وقائمات بمقامه بالوعيد، والتلويح بسلطته، وضرورة الانصياع له، أيًا يكن الثمن الذي يتوجب على المرأة دفعه، ولو كان هذا الثمن إقصاءها وإهمالها، أو الاستغناء عنها نهائيًا واستبدال أخرى بها.
يمكن القول إن «محمود صبّاغ» استخدم في رؤيته للفيلم مزيجًا من الحكايات والأُطُر، مزج فيها بين الواقعية السحرية وكوميديا الموقف رغم ما تحفل به من سوداوية ومرارة. أراد أن يقول إن الأسرة مفككة فاستعان بالإيحاءات والرمز، واستطاع أن يقول بشكل غير مباشر -ودون مواربة أيضًا- كل ما أراد قوله في موضوع الفيلم، كأنه يتبنّى موقفًا واضحًا ضد ضياع وهدر حياة آلاف النساء الصامتات، ممن يعانين من إطباق القيود الاجتماعية على أعناقهن، دون إخلال بالشروط الفنية، وهو العارف بها، لكن الفيلم لم يخلُ كذلك من التجريب ومحاولات الخروج عن الفعل الكلاسيكي في السينما، سواء في السرد، أو التصوير، أو ضبط النسيج البصري للفيلم وشخصياته والتنقل بين المشاهد.
إن كان ثمة ما يؤخذ على الفيلم، وهو قليل، فهو بطء إيقاعه في البداية، وحذره في ربط خيوط الحكاية أو الكشف عن روابطها في مشاهد لاحقة، كما اتسم الحوار في بعض المواضع بالمباشرة في الطرح، والوهن في المعالجة، ولم يكن ثمة مبرر لبعض الجمل الوعظية التي عكّرت مزاج الفيلم أحيانًا، إما لعدم مناسبتها للسياق، أو عدم توافقها مع الشخصية، أو إمكانية إيجاد مبرر لها، وهي أمور يمكن تجاوزها والتغاضي عنها نظير تصاعد وتيرة الأحداث في النصف الثاني من الفيلم، وتقدُّم الشخصيات ونضجها، لا سيّما «عمرة»، حيث ظهر مشهد البحر، وكأنه غوص في عمق تضارباتها النفسية، والمسافة البعيدة بين ما ترغب في الوصول إليه وتحقيقه، وما هي عليه فعلا، وصولًا إلى المشاهد الختامية التي تنكشف غمّتها فيها، وترى في ابنتها الصغرى أملًا لكل النساء المسحوقات المختبئات في شخصيتها.