في ظهيرة يوم ممطر من عام 1953، وعلى مشارف غوتيمبا بالقرب من سفح جبل فوجي، لم تعد الأرض صلبة. فقد تحولت إلى طين لزج، معجون رمادي-أسود لزج يلتصق بالصنادل المصنوعة من القش التي يرتديها مئات من الكومبارس. لم يكن المخرج، وهو رجلٌ طويل القامة يرتدي قبعةَ صيد ونظارات داكنة، راضيًا عن هطول الأمطار الطبيعي. فأمر فرقَ الإطفاء المحلية بإحضار صهاريجها، وغمر موقع التصوير بفيضانٍ شديدٍ لدرجة أنه هدد بجرف القرية التي بُنيت بعناية على طراز القرن السادس عشر. طلب صبغ الماء بالحبر الأسود لضمان ظهور المطر على خلفية السماء الرصاصية. رقص توشيرو ميفوني في هذه العاصفة المصطنعة في الوحل، وطعن بسيفه الهواء بدقة، كان وجهه قناعًا وحشيًا شرسًا. كانت هذه بداية المعركة النهائية في فيلم «الساموراي السبعة» (Seven samurai, 1954)، وهو مشهد أعاد تعريف لغة الحركة السينمائية. لكن بالنسبة لأكيرا كوروساوا، كان الأمر أكثر من ذلك؛ كانت محاولةً لتنسيق فوضى الوجود في إطار جديد، للعثور على المركز الأخلاقي لعالم كان قبل بضع سنوات فقط قد تحول إلى رماد وعظام.
ومع احتفال المجتمع السينمائي العالمي بذكرى ميلاده، لا تزال صدى رؤية كوروساوا حادةً مثل فولاذ نصل ماساموني. إن مشاهدة فيلمٍ لكوروساوا اليوم تعني التعرف على رجلٍ كان في الوقت نفسه رسامًا للضوء، وفيلسوفًا لـ"الإنسانية الملحمية" التي سعت إلى إعادة بناء الروح اليابانية من أنقاض حرب المحيط الهادئ. كانت مسيرته المهنية، التي امتدت على مدى خمسين عامًا وثلاثين فيلمًا، جسرًا بين المسرح الكلاسيكي للشرق وقلق الحداثة في الغرب، وهي رحلةٌ نقلته من قمة الشهرة الدولية إلى ليلة مظلمة وقفَ فيها على حافة اليأس، خلال محاولته للانتحار، قبل أن تدبّ فيه الحياة مرةً أخرى في صورة بعث وإحياء كبير.
لا يمكن فك شفرة الحمض النووي الجمالي لأكيرا كوروساوا دون فهم وجود أخيه الأكبر، هيغو. ولد أكيرا عام 1910 في عائلة من سلالة الساموراي، وكان الأصغر بين ثمانية أطفال. كان والده، وهو ضابط عسكري سابق انتقل إلى مهنة التدريس ليصبح مدرسًا للتربية البدنية، رجلاً مليئًا بالتناقضات، فقد كان يقدّر الانضباط التقليدي للكيندو، لكنه كان يشجع أطفاله أيضًا على الذهاب إلى السينما، معتقدًا أن لها قيمة تعليمية. ومع ذلك، كان هيغو، الشاب اللامع والميلانكولي في الوقت نفسه، هو الذي قدم لأكيرا تعليمه الحقيقي في الفنون.
عمل هيغو كـ"بنشي"، وهو الراوي المحترف للأفلام الصامتة الذي كان دوره في الثقافة اليابانية مهمًا بقدر دور المخرجين أنفسهم. لم يقتصر دور "البنشي" على قراءة العناوين الفاصلة فحسب، وإنما كان يؤدي الحوارَ ويشرح المعنى الضمني ويقدم موسيقى تصويريةً حيةً للجمهور. تعرّف أكيرا الشاب تحت رعاية هيغو على مكتبة ضخمة من الأفلام الغربية، كما تعرف على المونتاج الحركي لسيرجي إيزنشتاين، والمناظر الطبيعية المترامية الأطراف لجون فورد، والظلال التعبيرية لفريتز لانغ. كان هيغو رجلاً مدمنًا على روايات دوستويفسكي وغوركي، وهي اهتمامات شاركها مع أكيرا، الذي قام لاحقًا بنقل عددٍ من أعمالهما إلى السينما.
كانت التجربة الأكثر تأثيرًا في حياة أكيرا هي تلك التي حدثت في أعقاب زلزال كانتو الكبير عام 1923. فبينما كانت النيران لا تزال مشتعلة في أنحاء طوكيو، أخذ هيغو أكيرا البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا في جولة عبر الأحياء المدمرة. حاول الصبي، الذي غمرته مشاعر الحزن عند رؤية آلاف الجثث المتفحمة، أن يحول نظره. أوقفه هيغو وأجبره على النظر مباشرة إلى المذبحة. قال له هيغو: «إذا أغمضت عينيك عن مشهد مخيف، فسوف ينتهي بك الأمر إلى الخوف». أصبحت هذه المواجهة التي وقفَ فيها وجهًا لوجه مع حقيقة الموت القاسية والصارخة الأساسَ الأخلاقي لأفلام كوروساوا، إذ أدرك أن الفنان يجب أن يكون شاهدًا يرفض أن يغض طرفه عن المآسي وبشاعة الحياة.
لم تكن مواجهة الجثث درسًا في الشجاعة، وإنما درس في تفكيك الخيال المرضي، ولعل ذلك كان السبب وراء شكل أسلوبه القائم على تصوير العنف دون تزويق، ومع ذلك كان العالم يتجه نحو وضوح لم يستطع هيغو النجاةَ منه. فمع وصول الصوت في أواخر عشرينيات القرن الماضي، أصبح البنشي موضةً قديمةً. قاد هيغو إضرابًا للبنشي ضد الاستوديوهات، لكن مسيرة التكنولوجيا كانت لا ترحم. ففي عام 1933، وفي سن الثامنة والعشرين، انتحر هيغو.
كان يقول لأكيرا إنه ينوي الموت قبل بلوغ الثلاثين. وقد ترك أخاه أكيرا وحيدًا في مواجهة حياة حافلة كانا يتقاسمانها. ومنذ ذلك الحين، بدت مسيرة أكيرا السينمائية وكأنها محاولة مستمرة لمنح معنى لتلك الخسارة. بدأ أكيرا التدرب في البداية كرسام في رابطة الفنانين البروليتاريين السرية، قبل أن ينضم في النهاية إلى مختبرات التصوير الكيميائي لإنتاج الأفلام، التي أصبحت لاحقا تعرف بــ"أستوديو توهو"، وقد عمل فيها تحت إشراف ياماموتو كاجيرو، كمساعد مخرج، إلى جانب عدد من المخرجين الكبار.
شكلت هذه التأثيرات الأساسية المتمثلة في انضباط والده الساموراي والتزامه بالتراث، والتعليم السينمائي الذي قدمه له هيغو، والالتزام الأخلاقي الذي فرضه زلزال عام 1923، وتدريبه المبكر في الرسم، والإرشاد الفني الذي قدمه له كاجيرو ياماموتو، الأساسَ الذي قام عليه مفهومه للجمال.
الحقيقة، الذاكرة، والخلاص الدنيوي في سينما كوروساوا
في عام 1950، نزل فيلم بعنوان «راشومون» (Rashomon) كالصاعقة في الأوساط السينمائية. وتدور أحداثه في القرن الثاني عشر تحت بوابة حجرية متداعية أثناء عاصفة مطرية، حيث يجري التحقيق في مقتل ساموراي واغتصاب زوجته من خلال أربعة شهادات متناقضة.
لقد تجاوزَ الفيلم قالب القصة البوليسية، إذ لم يكتفِ بكونه قصةً بوليسية، واضحى نقطةَ تحول وضعت العالم أمام سؤال جوهري: «هل هناك حقيقة واحدة فعلاً؟». لقد استخدم كوروساوا ما عُرف بـ"تأثير راشومون" لإظهار كيف أن اﻷحداث والواقع تتأثر بطبيعة الذاكرة. حيث يروي اللّص "تاجومارو" نسخةً تضج بالبطولة والمبارزة الشريفة تحت أشعة الشمس المتلألئة ليحمي أسطورته كإنسان خطير، بينما تنسج الزوجة رواية مأساوية تظهر فيها كضحية مكسورة مستخدمةً صورة حجابها المتطاير لتستدرّ عطف المجتمع وتحمي مكانتها، ويأتي الساموراي الميت عبر "وسيطة روحية" ليدّعي أنه انتحر بنبل حفاظًا على كبريائه العسكري، ليتضح في النهاية أن الحطّاب، الذي ظنه الجميع شاهدًا محايدًا، قد زيّف شهادته هو الآخر تحت المطر المنهمر ليخفي سرقته لخنجرٍ ثمين، مما يثبت أن كل شخصية لم تكن تروي ما حدث فعلاً، لكنها كانت تعيد صياغة الواقع بما يخدم صورتها الشخصية ويستر عيوبها.
كانت اللغة البصرية للفيلم ثوريةً بقدر هيكله السردي، إذ سعى كوروساوا ومصوره السينمائي كازو مياغاوا إلى كسر المحرمات المتعلقة بالتصوير مباشرةً في اتجاه الشمس، وذلك باستخدام المرايا لالتقاط الضوء من خلال غطاء الغابة الكثيف. وقد أدى ذلك إلى خلق جوٍّ متقلب ومتغير حيث بدا الضوء نفسه غير موثوق به مثل الرواة. في أفلام كوروساوا تستحيل الغابة إلى متاهة مظلمة تعكس الحيرةَ والتوهان وضياع الطريق. وهي هنا تتجاوز الصورة الرمزية لها بوصفها متاهة للمعرفة، لتصبح ساحة لامتحان الكبرياء، فكل راوٍ يدخلها يدافع عن صورته قبل أن يدافع عن "الواقعة"، وكأن المكان نفسه يجرح الأنا ويستفزّها لتخترع روايتها الخاصة.
كان فيلم «راشومون» بمثابة نقدٍ عميق للاحتلال الأمريكي لليابان. وقد فُسّر المطر الذي يهطل على البوابة على أنه استعارة عن القصف الذري وما تلاه من محو ثقافي. كان كوروساوا يشير -من خلال إظهار الحقيقة كبناء يصب في مصلحة الذات- إلى أن "حقائق" الدولة اليابانية قبل الحرب كانت جوفاءَ مثل القصص التي ترويها الشخصيات.
غالبًا ما يُنظر إلى خاتمة الفيلم، حيث يختار الحطاب رعاية طفل مهجور، على أنها إضافة عاطفية، لكنها تظل نداء كوروساوا اليائس لإمكانية وجود الخير البشري في عالم يكون فيه الجميع كاذبون.
شرع كوروساوا بعد النجاح الدولي الذي حققه فيلم «راشومون»، في إنتاج سلسلة من الأفلام التي رسخت فلسفته في موضوع "الإنسانية الملحمية". تنطلق هذه النظرة إلى العالم من افتراض مفاده أن الكون وإن بدا غير مبال، وأن المجتمع وإن بدا فاسدًا، فإن الإنسان قادرٌ على تحقيق الخلاص الدنيوي من خلال الإيثار. ويتجلّى ذلك بشكل مؤثر في فيلم «إيكيرو» (Ikiru, 1952)، الذي استند فيه كوروساوا إلى رواية "موت إيفان إيليتش" لتولستوي.
يلعب تاكاشي شيمورا دور كانجي واتانابي -الذي قد يكون أحد أعظم أدواره على الإطلاق- وهو موظفٌ حكوميٌ صغير يكتشف أنه مصاب بسرطان المعدة، وأن المرض في مرحلة متأخرة. في مواجهة هذه الصدمة، يدرك واتانابي أنه قضى ثلاثين عامًا في حالة من الموت المعنوي، حاضرا بجسده غائب الروح والوجدان، يمارس وظيفته بروتين آلي ويدفع الأوراقَ في مكتب حكومي أشبه بالمتاهة. وأمام هذا الإدراك القاسي، يشرع في رحلة للقيام بشيء ذي معنى، إذ يقرر مساعدة مجموعة من الأمهات في تحويل حوض مليء بمياه الصرف الصحي إلى ملعبٍ للأطفال.
تتميّز بنية الفيلم بجرأتها، إذ يموت بطلُ الرواية في ثلثي الفيلم، وتدور أحداث الفصل الأخير خلال جنازته، حيث يستعيد زملاؤه في العمل وهم في حالة سكر وندم ذكرى الأيام الأخيرة التي قضاها معهم. وقد ظلّت صورة واتانابي على أرجوحة في الثلج المتساقط، وهو يغني أغنية عن قصر الحياة، واحدةً من أكثر الصور تأثيرًا في تاريخ السينما.
تظهر صورة للإنسانية شبيهة بهذه في فيلم «الساموراي السبعة» (1954)، وهو أكثر مشاريع كوروساوا طموحًا. وغالبًا ما يُصنف هذا الفيلم على أنه فيلم أكشن ملحمي، لكنه في الواقع دراسة اجتماعية عن التعاون، والتوتر الطبقي. تقرر مجموعة من المزارعين في القرن السادس عشر، في محاولة يائسة لحماية محصولهم من اللصوص، "البحثَ عن ساموراي جائعين"؛ رجال لا يقاتلون إلا من أجل الأرز. غير أن الساموراي الذين يجدونهم يتسمون بالاختلاف والتنوع: كامبي، القائد المتعب، كيوزو، سيد السيف الزاهد، وكيكوتشيو، والمهرج الذي يلعب دوره توشيرو ميفوني.
تعتبر معركة النهاية التي دارت وسط الأمطار والوحل ذروةَ الإبداع في السينما الواقعية التي تخاطب الحواس، حيث استخدم كوروساوا عدة كاميرات لتصوير الأحداث، وهي تقنية ابتكرها لضمان قدرته على قص المشاهد دون فقدان الطاقة الحركية للأداء. يمثل المطر قوةً ميتافيزيقية تعمل على تحقيق التوازن بين المتحاربين وتجريد طبقة الساموراي من ادعاءاتهم. وبينما يقف الناجون أمامَ قبور إخوانهم الذين سقطوا، يصدر كامبي الحكم الشهير المرير: «في النهاية، خسرنا هذه المعركة أيضًا. والنصر يعود إلى هؤلاء الفلاحين وليس إلينا». يقترح كوروساوا أن محاربي الساموراي ينتمون إلى طبقةٍ عفا عليها الزمن، وأن بطولاتهم في النهاية هي خدمةٌ لمجتمع لم يعد لهم مكان دائم فيه. غير أن كوروساوا لا يكتفي بتسجيل أفول طبقة الساموراي؛ إنه يعيد أسطرة التاريخ لهدمه من الداخل. فهو يبني ملحمةً كاملةً ببطء طقوسي، يمنح كل ساموراي هالةً شبه أسطورية، ثم يُذيب تلك الهالة تحت المطر. خطاب كامبي الأخير ليس حكمةً أخلاقيةً مجردة، هو إعلانٌ صريح بموت طبقة تاريخية فقدت ضرورتها. وحتى المطر نفسه، الذي يبدو للوهلة الأولى قوةَ تطهيرٍ كونية، يعملُ كعاملِ إذابةٍ للتراتبيّة، ففي الوحل لا يبقى فرقٌ بين الفلاح والساموراي، بين من يقاتل ومن يحرث. وهكذا تتحول الملحمة إلى نقدٍ خفي للحنين الإقطاعي؛ فالتاريخ عند كوروساوا لا يُستعاد لكي يُمجَّد، وإنما لكي يُفحَص، ثم يُتركه وراءه.
مخرج بلا وطن واحد
كانت مكانة كوروساوا في السينما اليابانية متبدلةً بشكل دائم. فبينما كان يُشاد به في الخارج باعتباره الصوتَ الأكثر حضورًا للثقافة اليابانية، كان يُنتقد في كثير من الأحيان في وطنه لكونه "غربيًا للغاية". واستمدت تلك الانتقادات قوتها من ميله إلى تبني أعمال شكسبير ودوستويفسكي وغوركي، وأسلوبه البصري أيضًا الذي يرتكز على الكثير من قواعد هوليوود الغربية.
في اليابان، كان اسمه يُكتب غالبًا بالكاتاكانا، وهي الأبجدية المخصصة للكلمات المستعارة من اللغات الأجنبية، كما لو كان مخرجًا أجنبيًا.
ومع ذلك، كانت الوصمة "الهجينة" هي أكبر قوة لكوروساوا. فهو لم يكتفِ بتقليد الأشكال الغربية، بل تعاون معها لخلق لغة عالمية. وكثيرًا ما كانت روائعه بمثابة جسر بين هذه الثقافات. فعلى سبيل المثال، أعاد فيلم «عرش الدم» (Throne of Blood, 1957) تصور مسرحية ماكبث لشكسبير من خلال عدسة مسرح النو الحسية، بينما استخدم فيلم «الحصن المخفي» (The Hidden Fortress, 1958) شاشةَ TohoScope العريضة لخلق مغامرة ستصبح لاحقًا نموذجًا هيكليًا لفيلم «حرب النجوم» (Star Wars) لجورج لوكاس. في فيلم «يوجيمبو» (Yojimbo, 1961)، قدّم كوراساوا قصة ساموراي بلا سيّد يتلاعب بعصابتين متنافستين في بلدة صغيرة، مستلهمًا بنيةَ السرد القاسي في روايات الجريمة الأميركية، ولا سيما أعمال داشييل هاميت Dashiell Hammett. نقل كوروساوا هذا المزاج البوليسي الصارم إلى سياق ياباني إقطاعي، فخلق عملاً يثبت أن التأثير الثقافي بين الشرق والغرب لم يكن أحادي الاتجاه، وإنما عملية تأثير متبادل. وقد أصبح الفيلم لاحقًا مصدرَ إلهام مباشر لعدد من الأفلام مثل «حفنة دولارات» (A Fistful of Dollars, 1964) الذي أخرجه سيرجيو ليون Sergio Leone، أحد أبرز صناع أفلام “ويسترن سباغيتي”.
وبالمثل، حوّل كوروساوا في فيلم «مرتفع ومنخفض» ( High and Low ,1963) رواية الجريمة الأميركية «فدية الملك» (King’s Ransom) للكاتب إد ماكباين إلى دراما أخلاقية عميقة تدور في يوكوهاما الحديثة، حيث تتحول قصة الخطف إلى تأمل في السلطة والمسؤولية والفوارق الطبقية.
كان استخدام كوروساوا للعدسة المقربة جزءًا أساسيًا من هذا الأسلوب الهجين، إذ استخدم العدسات الطويلة التي يصل طولها أحيانًا إلى 500 ملم للمشاهد الداخلية في فيلم «اللحية الحمراء» (Red Beard, 1965) لتسطيح الصورة، مما أدى إلى إبراز الخلفية بشكل حاد. ونتج عن ذلك خلق تأثير أشبه بـ"لوحة" تعكس طبيعةَ الرسم الياباني ثنائي الأبعاد على اللفائف، لكن كوروساوا استخدم هذا التأثير لزيادة الضغط العاطفي الواقع على شخصياته. وقد استخدم في فيلم «مرتفع ومنخفض» نفس التأثير لتأطير الفجوة الطبقية، حيث أظهر بشكل جلي مكانَ الغيتو "المنخفض" الذي يعيش فيه الخاطف مقابل القصر "المرتفع" للمدير التنفيذي في نفس الإطار.
غير أن هذا التبادل الثقافي لم يكن الصراع الوحيد الذي شكّل سينما كوروساوا. فداخل إطار الصورة، كان ثمةَ صراع آخر، أكثر حميمية وأشدّ توترًا، وأقصد تحديدا علاقته بتوشيرو ميفوني. فإذا كان كوروساوا مهندسًا أخلاقيًا يبني عالمًا مضبوط الإيقاع، فإن ميفوني كان الجسد الخام، الطاقة الحيوانية المنفلتة التي تحتاج إلى توجيه وتطويق. لم يكن “الذئب” مجرد ممثل يؤدي دور الساموراي، كان قوة جسدية بدائية أضفت إلى شخصيات كوروساوا كثافةً ملموسة، وجعلت مفاهيم الشرف والولاء والغضب تتحول من أفكار مجردة إلى لحم وعرق وصوت أجشّ يقطع الهواء. كانت إنسانية كوروساوا الملحمية تحتاج إلى هذه الطاقة المتفجرة كي تتجسد. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا التوتر الخلّاق إلى إنهاك صامت. لم يكن انقطاع تعاونهما بعد «اللحية الحمراء» (1965 ,Barberousse) مجرد خلاف مالي أو إنتاجي؛ كان نهايةَ مرحلةٍ بلغ فيها التوازن بين الانضباط والهياج حدودَه القصوى. ومن دون ميفوني بدت أفلام كوروساوا اللاحقة أكثر تأملاً وأقل اشتعالاً؛ وكأن الإمبراطور قد فقد للأبد الذئبَ الذي كان يطلقه في وجه العاصفة.
بحلول أواخر الستينيات، كان "العصر الذهبي" لنظام الاستوديوهات اليابانية في طريقه إلى الانهيار. وجد كوروساوا نفسه -والذي كانت طبيعته الدقيقة تؤدي غالبًا إلى تضخم الميزانيات وطول دورات الإنتاج- في خلاف متزايد مع الصناعة. كان فيلمه الأول الملون «دودسكادن» (Dodes'ka-den, 1970)، وهو صورة مجزأة وسريالية لحياة الأحياء الفقيرة، قد فشل فشلا ذريعًا وكان ضربة قاسية له. وما زاد الطين بلة طرده العلني من الإنتاج الأمريكي الياباني المشترك «تورا! تورا! تورا!» (Tora! Tora! Tora!, 1970)، حيث وجد مسؤولو شركة "20th Century Fox" أن أساليب عمله غير منتظمة، ورؤيته مظلمة للغاية بالنسبة لفيلم حربي تجاري.
حاول كوروساوا إنهاء حياته في 22 ديسمبر 1971 بسبب الإحباط والضغوط المالية وسوء حالته الصحية. فقطع حلقه ومعصميه أكثر من ثلاثين مرة. صدمت الأخبار العالم، مشيرة إلى نهاية محتملة لعصر سينمائي كان يحمل بصمة استثنائية. ثم عاش كوروساوا لعدة سنوات في حالة من الهدوء المنزلي دون يقين إذا كان سيخرج أفلاما مرة أخرى.
لم يكن ذلك الانهيار حادثة نفسية معزولة، ولا لحظة ضعف فردية لرجل أثقلته الشهرة، كان أيضًا نتيجة تصدّع البنية التي حملته لعقود. فمع أواخر الستينيات، كان نظام الاستوديوهات اليابانية، الذي أتاح لكوروساوا ميزانيات ضخمة ومساحات زمنية مفتوحة للتصوير، يتفكك تحت ضغط التلفزيون وتراجع شباك التذاكر. فالصناعة التي احتملت هوسه بالتفاصيل وأمطرته يومًا بلقب "الإمبراطور" لم تعد قادرةً على تمويل رؤيته البصرية المعقدة، ولا على احتمال إصراره شبه المطلق على السيطرة الفنية. تحوّل اللقب نفسه إلى عبء؛ فالإمبراطور الذي اعتادَ أن يُمنح الوقت والمال والحرية، وجد نفسه فجأة مطالبًا بالاقتصاد والتنازل والامتثال لمنطق سوق بات يتقلص ويتراجع. كان السقوط، إذًا، سقوط نظام بقدر ما كان سقوط رجل؛ وانهيار علاقة طويلة بين مخرجٍ يرى في السينما فعلاً كونيًا، وصناعةً لم تعد تملك رفاهيةَ هذا الطموح.
لقد جاءت عودته الثانية من مكان غير متوقع. فقد أدرك الاتحاد السوفيتي عبقريته ودعاه لإخراج فيلم «درسو أوزولا» (Dersu Uzala, 1975)، الذي تدور أحداثه في سيبيريا. كانت عملية الإنتاج شاقة، واستمرت لمدة عامين في ظروف قاسية، لكنها أعادت إحياء روح كوروساوا. ركز الفيلم على العلاقة بين ضابط روسي وصياد محلي، مما عكس تعاطف كوروساوا مع "الغريب" الذي يعيش في بيئة معادية. فاز الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، مما أثبت أن الإمبراطور لم يمت بعد.
حظيت المرحلة الأخيرة من مسيرته المهنية بدعم من حركة هوليود الجديدة أو الموجة الأمريكية الجديدة (The Movie Brats)، وهم ذات المخرجين الذين كان قد أثر فيهم يومًا ما. فقد حصل جورج لوكاس وفرانسيس فورد كوبولا على التمويل الدولي لفيلم «كاجموشا» (Kagemusha, 1980)، وساعد ستيفن سبيلبرغ في إنتاج فيلم «أحلام» (Dreams, 1990).
تتميز أفلامه الأخيرة بـأسلوب أكثر تجريديةً وتأثرًا بموضوع الموت. في فيلم «ران» (Ran,1985)، وهو اقتباسٌ من مسرحية الملك لير، استبدلَ كوروساوا الإنسانية التي تميّزت بها أعماله في شبابه بمنظورٍ كوني مرعب. فالرياح التي تعصف في قلعة اللورد هيدتورا المحترقة ترمز إلى عالم لا يوجد فيه سوى "الفوضى" كثابت وحيد.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يمثل تخليًا عن الإنسانية بقدر ما هو توسيعٌ لمجالها. ففي أعماله المبكرة، كان خلاص الفرد ممكنًا عبر فعلٍ أخلاقي واضح، كما في «إيكيرو» أو «الساموراي السبعة»، أما في «ران»، فإن المأساة تتجاوز قدرة الفرد على الإصلاح، وتنتقل من أخلاق الشخصية إلى فوضى الكون ذاته. لم يعد السؤال: ماذا ينبغي أن يفعل الإنسان؟ وإنما ماذا يفعل الإنسان حين يصبح العالم نفسه غير قابل للإصلاح؟ هنا تتقلص البطولة، وتتضخّم الريح، ويغدو الصمت أكثر حضورًا من الخطاب. وفي «أحلام»، لا يعود كوروساوا إلى السرد التقليدي، وإنما إلى اللوحة. كأن الشيخ الذي بلغ نهايته يعود إلى صورته الأولى: الرسام الذي أراد أن يكونه. ليست الأحلام سيرة ذاتية بصرية فحسب، إنما مراجعة متأخرة لذاكرة الضوء واللون والطبيعة، ومحاولة أخيرة لمصالحة الفن الذي كان يمكن أن يختاره، بالسينما التي اختارته.
في السنوات الأخيرة من حياته، اتجه كوروساوا نحو الداخل. تجلى ذلك في فيلمه الأخير «ماداديو»، (Madadayo, 1993)، وهو دراما كوميدية لطيفة عن أستاذ ألماني متقاعد وطلابه. يشير العنوان، الذي يعني "ليس بعد"، إلى إعلان الأستاذ السنوي في حفلة عيد ميلاده أنه ليس مستعدًا للموت بعد. وقد قيل أنه فيلم عن المتعة البسيطة في العلاقات بين الطلاب والمعلمين، والقرابة، وكون المرء على قيد الحياة.
ترجع الصورة المؤثرة، من أعمال الإمبراطور المتأخرة التي بقيت عالقة في الأذهان، إلى جزء "قرية الطواحين المائية" من فيلم «أحلام». يدخل شاب قريةً رفض سكانها التكنولوجيا الحديثة وفضلوا العيش في تناغم مع الفصول. يحتفلون بموت رجل بلغ مائة عام بموكب وموسيقى، وينظرون إلى الحياة على أنها دائرة وليست خطًا مستقيمًا نحو الفراغ. تعمل العجلة المائية، التي تدور ببطء في النهر، كاستعارة أخيرة لمسيرة كوروساوا المهنية: حركة ذات إيقاع مستمر تلتقط طاقة العالم وتحولها إلى شيء مفيد.
حيث يُولد الفيلم: كوروساوا محرِّرًا
لفهم طريقة عمل كوروساوا، يجب النظر إليه في غرفة التحرير وليس في موقع التصوير فقط. فقد كان محررًا مهووسًا، يؤمن بأن التحريرَ عملٌ مثيرٌ للاهتمام لأنه المكان الذي يتم فيه اكتشاف إيقاع الفيلم في النهاية. كان غالبًا ما يقوم بتحرير اللقطات في نهاية كل يوم تصوير، معتقدًا أن عرض اللقطات المحررة على طاقمه "يثير اهتمامهم" ويظهر لهم ثمار عملهم.
كان تحرير كوروساوا يخضع لمبدأ صارم من الموضوعية. لم يتردد في حذف مشاهدَ استغرق تصويرها أيامًا إذا لم تخدم البناء الدرامي.
غير أن هذا المبدأ لم يكن تقشفًا شكليًا فحسب، وإنما كان تعبيرًا عن تصور أعمق للفيلم بوصفه بناءً أخلاقيًا. فالمونتاج عند كوروساوا ليس مسألةَ إيقاعٍ فقط، وإنما هندسة دقيقة للحركة داخل الزمن: كل قطعٍ هو قرار بإعادة تنظيم الفوضى، وكل حذف هو إقصاء لما ليس له ضرورة في المسار الأخلاقي للشخصية. حتى القطع المعروف بالقطع على المحور ( قاعدة ال 180° في المونتاج) لا يعمل كتقنية بصرية وحسب، وإنما كتضييق تدريجي لمسافة الإدراك، كأن الكاميرا تفرض على المشاهد الاقتراب القسري من لحظة حاسمة لا مفرّ منها. والانتقال داخل الحركة، الذي يقسم الفعل الواحد إلى وحدات متتابعة، لا يضاعف الإثارة بقدر ما يكثّف الوعي بالفعل ذاته. وفق هذا المعنى، يصبح الحذف عند كوروساوا فعلاً أخلاقيًا: لا مكان للزائد، لا تساهل مع اللقطة التي لا تخدم المعنى. إن الفيلم، كما كان يراه كوروساوا، لا يحتمل الترف؛ إنه منظومة ضرورة.
ألقد حدث فيلم «يوجيمبو» ثورة في تصميم الصوت من خلال تضمين صوت واقعي لقطع لحم الإنسان، في خروج حاد عن تقاليد الشانبارا، أي أفلام الساموراي الشعبية التي تُقدَّم فيها مبارزات السيوف بأسلوب منمّق وإيقاع أقرب إلى الرقص، مع اعتماد على الصمت أو الموسيقى بدلاً من الواقعية الصوتية القاسية.
كان اهتمامه بالتفاصيل مذهلاً. فقد أعطى تعليمات لمارتن سكورسيزي (الذي لعب دور فان جوخ) في موقع تصوير فيلم «أحلام» بالعدد الدقيق للخطوات التي يجب أن يخطوها قبل طي الرسم. ملأ في فيلم «اللحية الحمراء» خزانات الأدوية المستخدمة في التصوير بأدوية حقيقية لن تظهر أمام الكاميرا، وذلك ببساطة لضمان أن يشعر الممثلون بأن البيئة "حقيقية". لم يكن هذا مجرد غرور؛ بل محاولة لخلق عالم كامل بحيث تظهر الحقيقة منه بشكل طبيعي.
في النهاية، لم يكن أكيرا كوروساوا مجرد صانع أفلام ملحمية، ولا إمبراطورًا وراء الكاميرا كما أحب النقاد أن يلقبوه، كان مهندسًا أخلاقيًا يحاول تنظيم الفوضى البشرية داخل الإطار السينمائي. من الطين الأسود في معركة «الساموراي السبعة» إلى الثلج الصامت في «إيكيرو» ومن شكوك «راشومون» إلى الرياح العاتية في «ران»، ظل يسأل السؤال نفسه، كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا وسط الخراب؟ لم تكن تقنياته، من القطع الصارم إلى العناية المهووسة بالتفاصيل، مجرد براعة شكلية، وإنما أدوات للبحث عن مركز أخلاقي في عالم متصدّع. وإذا كانت العجلة المائية في «أحلام» تدور بهدوء في مجراها، فإنها تذكّرنا بأن سينما كوروساوا لم تتوقف عن التقاط طاقة العالم وتحويلها إلى معنى. ولعل الساموراي لم ينتصر في معاركه، لكن كوروساوا نفسه انتصر في معركته الأعمق: أن يجعل من السينما فعلاً من أفعال الشهادة، لا الهروب. لقد رحل الإمبراطور، لكن المطر لا يزال يهطل، ملونًا بالحبر، ولا يزال الساموراي ينتظرون الحصاد.



