«حينها تحيا القصص»: هواجس الحياة في قوالب متحركة

من أغنى وأبرز التجارب التي يعيشها الناقد قبل صانع الفيلم تعرّضُه لتجارب مبكرة من مواهب تحمل وهجًا مميزًا وتتنبأُ بمستقبل سينمائي واعد؛ فالتجارب الأولى توحي لك بالكثير حول أسلوب المبدع ورؤاه، وتكشف عن بصمة خاصة وفطرية له، غير متأثرة أو مقيدة بأي سياق كان. كما أنها تكفل له حق التمرد والإبداع اللامتناهي، ليضع شكلًا ستراه حتمًا يتشكل وينضج في بقية أعماله مستقبلًا. فمن أجمل وأروع القراءات النقدية التي تتعلّم منها التعرُّض للأعمال اﻷولى للمبدعين، فترى أسلوبهم في أكثر أطواره قابلية للتجربة، وتستشفّ منه غاياتهم وطموحاتهم وآمالهم. من هنا تأتي الأهمية الكبرى لمهرجان جامعة «عفت» لأفلام الطلاب تحت شعار «حينها تحيا القصص»، بوصفه منصة تتيح لنا تلمّس هذه البدايات، وقراءة ما تخبئه خلف أدواتها من هواجس ومحاولات لصنع لغة متفردة، وتحديدًا في هذا المضمار الصعب والممتع: مضمار صناعة أفلام الرسوم المتحركة.

إن السمة الأبرز التي شكلت القاسم المشترك بين جميع أفلام فئة الرسوم المتحركة المشاركة في مهرجان «عفت» السينمائي ﻷفلام الطلاب، هي هواجس تتمحور حول كيف يمكن لفن الرسوم المتحركة أن يعكس تفاصيلَ حياتنا وآمالنا، فرغم انفصال شكل أدوات هذا الفن نظريًا عن تصوير الواقع الحي المباشر، إلا أنه يمتلك سحرًا ومرونة تجعله يحمل تأثيرًا كبيرًا في تشكيل الوجدان الإنساني، لا يمكن تناسيه على الإطلاق. وعندما يُستغلّ بكل هذا التأثير والغنى البصري، فإنه يغدو ترجمةً لرغبة مشتركة لدى هؤلاء المبدعين بأن يعكسوا حياتهم، وشكل بيوتهم، وتفاصيل علاقاتهم الإنسانية فيها، وصولاً إلى امتداد تراثهم الموروث من حكايات تشبه الفانتازيا، ومحاولة سبكها في قوالب حبكة تشد متابعيها وتغوص بهم في عوالمها المرسومة بعناية. وهذا ما يتجلّى في فيلم «ليلة الشهب»، الذي أظهر محاولةً جادة لاستنطاق قصة تحمل جزءًا مما نسمعه ويتداول بيننا من قصص الجدات. انطلق الفيلم من هذا الإرث ليجسّد قصة شابة حالمة تسعى إلى وضع اسمها وبصمتها على تلك السجادة الممتدة من الحكايات. وعكست عوالمه لغة بصرية متقنة تقنيًا إلى حد كبير في مجال التحريك وتصميم الشخصيات. كما حمل بين طياته جهدًا تنفيذيًا يجب الإشادة به، حيث حاولت المخرجة وفريق التحريك تطويعَ الصورة لخدمة الحالة الشعورية، جاعلين من الليل والشهب مسرحًا للأحلام، بما يخدم الخيال البصري.

ولو انتقلنا من ذلك الماضي البعيد والفانتازي الذي كانت تحكي عنه الجدة، لنعيش أمسية في منزلها المعاصر، سيبرز فيلم «بيت الجدة» كعملٍ يُلامس وترًا حميميا ودافئًا. فالتحدّي الأكبر هنا كان في تطويع فن التحريك لنقل ما هو مألوف ويومي: كيف تُدار الغرف في منزل الجدة الذي يتسيّده الأحفاد بلعبهم للكرة ومشاهدتهم للأجهزة اللوحية، في اندماجٍ مبالغٍ فيه يعزِلهم عن محيطهم المادي. والجدة في المقابل، تراقب ذلك المشهد بحنانٍ وروحٍ عطوفة، وهي نظرةٌ قد تنقلب لشكل أشرس نوعًا ما إن استمر الوضع في تماديه. إن جميع تفاصيل تلك الحياة اليومية، من زوايا البيت المرسومة بعين محلية بحتة، إلى تفاصيل حركة الأطفال المتداخلة مع هدوء الجدة، هي فعلاً ما نحتاجه اليوم إذا ما تطرقنا للمشهد السينمائي في شكله الأكبر؛ فنحن بحاجة لتوثيق حميمية هذه الأماكن من خلال وسائط فنية عديدة، ولعل الرسوم المتحركة هي أحد أبلغ هذه الوسائط، لأنها لا تقتصر على الشرائح الواسعة من المجتمع من أطفال ويافعين، وإنما تمتد إلى عالم البالغين أيضًا. لكن في هذا الفيلم، ورغم الابتسامة التي لم تفارقني طوال مدة العرض، إلا أنها البوصلة ضاعت وضلّت القصة طريقها، ولم تعلَق في الذهن سوى من خلال الاستعراض البصري المباشر، الذي كان صادقًا ونجح في بناء ملامح البيئة المحلية بامتياز.

وانتقالًا من استعراض القصة اليومية، وعودةً إلى الرمزية مجددًا، يبرز فيلم «دموع تحت الماء» ليقدم لنا شكلاً مغايرًا تمامًا على مستوى الطرح البصري واللوني. ونقطة الاهتمام البارزة هنا، التي اشتغل عليها صناع العمل، كانت هاجس الحياة، وتحديدًا الحياة الفطرية والبيئية. وقد طُرح ذلك بأسلوب شاعري بديع للغاية، إذ استفاد العمل من جميع الأدوات البصرية التي تمنحها الرسوم المتحركة، لخلق شكلٍ مبهجٍ ومفعمٍ بالألوان الخلابة. وقد عكس هذا التوظيف الذكي للألوان أثرَ الإنسان على البيئة، الذي صُوّر وكأنه قرصان استولى على نحو غير شرعي، ودون وجه حقٍ، على تلك الجزيرة الوادعة، بعد أن عاث في سابقتها خرابًا وتدميرًا. وقد جاء الاستخدام الذكي لتدرجات الألوان وتصميم البيئة هنا تحديدًا، ليُعوض الحوار الغائب بكل إتقان، ويعكس من خلال الصورة أشياء كثيرة ومشاعر كانت ستُقال بمونولوغات مطوّلة. ورافقه أيضًا شريطٌ صوتيٌّ ممتاز ساعدَ في توجيه المشاعر وجذب الاهتمام نحو الحدث. وهنا تحديدا، نقترب أكثر من جوهر الرسوم المتحركة، التي تمتلك أساليب سرد بصرية مغايرة، قد أحاط بها الفيلم الذي اتسم بالعمق والجمال، لولا طول مدته نسبيًا، وتمحوره حول الحدث الواحد فقط. وهو ما أفضى إلى شعور نسبي بالملل في بعض لحظاته نظرًا لغياب تصاعد درامي يكسر الرتابة. لكن ما أنقذه بلا شك هو ذلك التصميم الفني الرائع الذي سيجعَلني مستقبلاً أنتظر صناع هذا الفيلم بحماس كبير في أعمال أخرى قادمة.

ويتجلّى هذا الهاجس المشترك في استعراض جوانب الحياة المعاصرة واغتراب الإنسان فيها من خلال الفيلم اللطيف «حقيبة عمل»، الذي أشاهده للمرة الثانية بعد عرضه الأول في مهرجان البحر الأحمر. حيث نرى في هذا الفيلم موظفًا بائسًا محاصرًا بين أكوام من الملفات الورقية والإعلانات الساذجة، يعيش روتينًا قاتلاً. ويستمر على هذا الحال حتى يلتقط حقيبته مشاغبان فضائيان، بعد أن قررا منحه ليلةً صاخبةً تكسر من روتينه الذي يشغل أغلب أمثاله في عصر الوظائف الباردة. 

ولا يمكنني تجاوز هذه التجارب دون التوقف بابتسامة أمام فيلم «وقت الراحة» (Breaktime). فكوني طالبًا جامعيًا، يجعلني أعيش مواجهةً يوميةً مع ذلك المشاغب الأزرق، في كل مرة أحاول فيها إنجاز فروضي. ينجح الفيلم في التقاط حالة التشتت والتهرب من المذاكرة، ويحولها إلى نكتة بصرية خفيفة وممتعة. وما ضاعف من بهجتي بهذا العمل هو شعوري العميق بالانتماء؛ فكم هو جميلٌ ومحفزٌ أن أرى أبناء جيلي يلتقطون تفاصيل تشبهنا، ويصنعون القصص التي نعيشها، محولين يومياتنا إلى سينما متحركة تنبض بالمرح وصدق التجربة.

وفي الختام، وبنظرة شاملة على هذه التجارب، نجد أن هذه الأفلام جميعها كانت مبنيةً على اهتمام كبير بتجسيد الحياة اليومية بكل تفاصيلها وهواجسها. لكنها، رغم هذا الشغف البصري الواضح، سقطت كتابيًا في فخ الاستعراض المجرد للحالة. وتكمن المشكلة الأساسية في أن هذه الأعمال قد اكتفت بتأسيس الموقف بدلاً من بناء قصة. لقد برع الصناع في خلق البيئة، وطرح الفكرة المبدئية، وتوقفوا عند هذا الحد، غافلين عن ضرورة وجود صراع درامي يتصاعد، وأزمة حقيقية تدفع بالشخصيات نحو تحولات تخلق حبكةً متماسكةً. ولعل ما شاهدناه كان أقرب لتوثيق بصري أو استعراض لمنظور فني، يفتقر إلى مسار سردي يورّط المتلقي ويشدّ انتباهه حتى النهاية. فالحدث الدرامي وتصاعده هو ما يمنح السينما روحها التواقة للبقاء في الذاكرة، وما لم تُدعم هذه الصورة المبهرة بحكاية تنبض وتتصارع وتتطور داخل إطارها، فإنها ستظلّ مجرد لوحة استعراضية نعجب بها لبرهة ثم نمضي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى