«يا نساء العالم… لا تلدن!»: كيف جسّد فيلم «مُت يا حبّي» اكتئاب ما بعد الولادة؟

January 18, 2026

هناك أفلام تحمل في داخلها حيوات، تستحيل عند مشاهدتها إلى مساحات للتفكير والانفعال، وتفرض علينا الوقوف أمامها بقدرٍ كبير من الاستعداد الثقافي والذهني، بل وحتى الوجداني أيضًا. وأمام هذا النوع من الأفلام، نجد أنفسنا في أحيان كثيرة نندفع إلى المشاهدة بشغفٍ أكبر، وفي أحيان أخرى نتردّد أو نؤجل اللقاء، لأن الفيلم يطالبنا باستعداد أكبر. فيلم لين رامزي الأخير «مُت ياحبي» (Die My Love, 2025) ينتمي، في تقديري الشخصي، إلى هذه الصنف النادر من التجارب، ليس فقط بسبب موضوعه، بل لطريقته القاسية والحميمية في آن واحد في تعامله مع الإنسان وعلاقته بالموجودات من حوله. وانطلاقًا من هذه الزاوية، سأسعى في هذه المقالة إلى مقاربة الفيلم من خلال أركانه البصرية والدرامية، وتتبّع الكيفية التي يشتبك بها مع أعمق ما في التجربة الإنسانية من توتر وهشاشة.

الجوانب المظلمة للنفس البشرية كما قدّمتها السينما

يحاول فيلم «مُت ياحبي» فتحَ بوابة واسعة على تجربة إنسانية معقدة وموجعة تُعرف بـ اكتئاب ما بعد الولادة، من خلال متابعة التحولات النفسية والوجدانية لشخصية غرايس، والتي تجسّدها جينفر لورانس بأداء شديد الحساسية والانكسار.

تنتقل غريس برفقة زوجها، الذي يلعب دوره روبرت باتينسون، من المدينة الصاخبة إلى بيت عمه المهجور في عمق الغابة، في محاولةٍ لبدء حياة جديدة أكثر هدوءًا وربما أكثر إلهامًا بالنسبة لغرايس التي تمتهن الكتابة ولكنها توقفت عنها منذ مدة. غير أن هذا الانتقال لا يتحول إلى فرصة للعودة إلى نشاطها كما يتمنى زوجها، بل يستحيل تدريجيًا إلى عزلة طويلة تتكثّف فيها الوحشة وتتمدد التفاصيل اليومية الصغيرة التي تعيشها المرأة في هذا المكان البعيد. 

في بداية الفيلم، نرى العلاقة بين الزوجين في لحظات حميمية مصورة بجمالية عالية، كأن المخرجة تريد القول أن ثمة شرارةَ حياة كانت موجودة بالفعل قبل أن تتراجع وتضمحلّ شيئًا فشيئًا. نلمح في شخصية غرايس طاقةً جنسية أعلى من المعتاد، لا بوصفها نزوة أو شهوة، وإنما باعتبارها جزءًا من هشاشتها الداخلية ومحاولاتها لملء فراغٍ لا تستطيع تسميته. هذا المنحى الجسدي لا يُوظَّف كعنصرٍ للإثارة الحسية، بل لتأسيس هوية المرأة التي تحاول فهم ذاتها من خلال العلاقات المحيطة بها، ومن خلال رغبة لا تنطفئ بسهولة، وكأنها تبحث باستمرارٍ عن شيء يثبت وجودها.

بعد ولادة طفلها الأول، يتباطأ إيقاعُ الحياة ويتحول الروتين اليومي إلى ثقلٍ لا يُحتمل. هناك صمت طويل، وفراغ يتسلّل من النوافذ والجدران والأيام المتشابهة. تبدأ غرايس في الانسحاب تدريجيًا من العالم ومن ذاتها، وتغرق في حالةٍ نفسيةٍ ضبابية يصعب الإمساك بحدودها، فلا أحد يعرف بالضبط ما الذي يحدث لها: أهو الحزن؟ أم الملل؟ أم الوحدة؟، أم انهيارٌ داخلي كانت مقدماته موجودة قبل الحمل والولادة؟ لكن الفيلم، عبر إيقاعه البطيء والكاميرا التي تلاحق التفاصيل بانتباهٍ شديد، يكشف عن عملية تآكلٍ بطيئة لشخصية كانت تبحث عن معنىً عميق يمنح الوهج لحياتها، فلم تجد سوى الفراغ.

ما يميز الفيلم أنه لا يقدم حلولًا ولا يوهم المتلقي بعلاج  سحري، بل يطرح الأسئلة كما هي، دون تجميل. فالفن، كما يبدو في هذا العمل، ليس مطالبًا بإنقاذ الشخصيات، وإنما بإظهار ما قد يؤدي إلى سقوطها. إن اكتئابَ ما بعد الولادة، كما يشير الفيلم، هو تجربة قد تصيب المرأة العاملة كما قد تصيب ربة المنزل، لكن الأخيرة قد تكون أكثر عرضة له بسبب الوحدة، ورتابة الحياة اليومية، التي تخفي وراءها ألمًا صامتًا لا ينتبه إليه أحد. لا يبني الفيلم خطابه على الوعظ أو على الشعارات، بل على ملاحظة حساسة لكيفية تحول الزمن اليومي إلى قيدٍ نفسي يخنق المرأة التي تجد نفسها فجأة وسط مسؤوليات هائلة لا تملك طاقة لها.

في مرحلة ما، يطفو السؤال الكبير إلى السطح دون تصريح مباشر: هل يجب على النساء أن يلدن أصلا؟ هل الأمومة قدر طبيعي أم اختراعٌ اجتماعي يُفرض عليهن بوصفه النهاية الحتمية لكل علاقة زوجية؟ يبدو أن الفيلم لا يدعو إلى الامتناع عن الإنجاب بقدر ما يكشف عن الجانب المظلم الذي يغيب عن الخطابات التقليدية حول الأمومة، إنه يقول لنا بطريقة فنية هادئة أن الولادة ليست مجرد حدث سعيد، بل تجربة وجودية قد تُسقط المرأة عميقًا في منطقة مظلمة، إذا غاب عنها الدعم والاحتواء والاعتراف الحقيقي بآلامها.

وعلى مستوى الأداء، يقدم الفيلم واحدًا من أفضل أدوار جنيفر لورانس منذ سنوات طويلة، تُسيطر على الشخصية بكل ارتباكها ورغبتها وتهميشها واندفاعها، من خلال توازن دقيق بين القوة والانهيار، لدرجة تجعل المتفرج لا يندمج فقط مع أدائها الآسر، وإنما يعيش داخل رأسها ويشعر بإحساسها ووحدتها. إن أداءها يجعل من الصعب ألا نتوقع لها حضورًا قويًا في موسم الجوائز، وترشح مُستحق للأوسكار، فهذا النوع من الأداء المتوتر والصادق والمتغلغِل في الأعماق، هو ما يترك عادةً أثرًا كبير في ذاكرة النقاد والجماهير على حد سواء.

غرايس ... انهيار يصنعه الآخرون

يذكرني هذا الفيلم كثيرًا بما يطرحه ميشال فوكو في كتابه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي)، حول الكيفية التي تتحول بها مؤسسات المجتمع والدولة إلى أدوات مُنتجة للجنون، ولا ينحصر دورها على مراقبته فحسب. يرى فوكو أن الجنون لا يولد من الفرد وحده، بل من لحظةٍ يلتقي فيها الفرد بنظامٍ اجتماعي صارم، يحدّد ما هو طبيعي وما هو شاذ، وما يجب استيعابه وما يجب إقصاؤه. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة شخصية غرايس بصفتها نتيجة مباشرة لاصطدام إنسان هش بنظام اجتماعي واقتصادي لا يُوفر مساحة آمنة للانكسارات الداخلية.

إن البنية الاجتماعية الأمريكية الحديثة، كما يلمّح الفيلم، وإن لم يصرح بذلك علنًا، تعتمد على إيقاع حياة شديدة القسوة قائمٍ على التنافس، والخوف من المستقبل، وضغط العمل، وتشتت العلاقات الاجتماعية، وانعدام الاستقرار العاطفي والنفسي. في ظلّ هذا الواقع، لا يصبح القلق ظاهرةً فردية، بل منتجًا اجتماعيًا يتغذى من نمط الحياة ذاته، وحين تضع المرأة مثل غرايس طفلًا في وسط هذا الضغط الهائل، فإن ما يبدو كـ إكتئاب ما بعد الولادة، لا يعود حالة طبية معزولة، بل نتيجة لسياق كامل يدفع الفرد دفعًا نحو الانهيار.

لا يبوح الفيلم بذلك بشكل مباشر، لكنه يلمح إليه في مشاهد كثيرة، خصوصًا تلك التي يظهر فيها تفاعل غرايس مع الأخرين، مثل مشاهد البقالة أو الحفلة، أو الحوارات العابرة مع الغرباء، إذ تظهر فيها مرتبكة، قلقة، عاجزة عن مجاراة التوقعات الاجتماعية البسيطة. يبدو سلوكها في هذه اللحظات وكأنه رد فعل على ثقل المجتمع نفسه، حينما تتحول أسئلتهم العادية إلى ضغط، وعندما تنقلب نظرتهم البسيطة إلى تهديد مُبطن، وكأن الفيلم يخبرنا بأن المؤسسة الاجتماعية بكل تفاصيلها اليومية يمكن أن تكون مصدرًا باعثًا للجنون أكثر من كونه علاجًا له.

في نهاية الفيلم، نجد أنفسنا أمام عملٍ سينمائي صادم في هدوئه، قوي في شعريته، قاس في صدقه، يضعنا أمام هشاشة الإنسان في لحظات ضعفه. إنه ليس فيلمًا بسيطًا، ولا يسعى أبدًا إلى أن يكون فيلمًا ترفيهيًا، إنما يتجلّى بوصفه عملًا يفرض على المتلقي مواجهة الأسئلة التي نفضّل عادةً تجنبها، خصوصًا تلك التي تتعلّق بالمرأة والأمومة، والجسد، وما يمكن أن يفعله الصمت الطويل في الروح البشرية.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى