«توين بيكس» الفيلم، نار تمشي معي، أو: جرح لورا بالمر المفتوح

January 19, 2026

حين أُعلن عام 1992 عن عودة ديفيد لينش بفيلم يروي الأيام الأخيرة من حياة لورا بالمر، كان الجمهور ينتظر الإجابات عن أسئلة كثيرة ظلّت عالقة، لكن فيلم «نار تمشي معي» (Twin Peaks: Fire walk with me) لم يمنح أحدًا أي إجابة، إذ بدلًا من أن يُغلق الدائرة التي فتحها المسلسل، حفر فيها أعمق، وما خرج به المشاهدون لم يكن حلًّا للغز بل سقوطًا حرًّا داخل جحيم فتاةٍ لم يبتغِ أحد أن يراها حقًا.

في مهرجان كان، عندما عُرض الفيلم لأول مرة، قُوبل بوابلٍ من الصافرات والاستهجان، إذ وصفته الصحافة الفرنسية بأنه إهانة لجمهور التلفزيون، أما النقاد الأميركيون فقد اتهموا لينش بالجنون، وبأنه يقتل أسطورته بنفسه. لكن، بعد عقدين، عاد النقاد أنفسهم ليصفوه بالقطعة الفنية الخالدة.

لم يكن لينش يصنع تكملةً للمسلسل، بل كان يقدّم نقيضه تمامًا. فبدل البلدة التي تراقب جثة لورا، جعلنا نحن الجثة. والكاميرا لم تعد تبحث عن القاتل، بل تلاحق اللحظة التي تتفتت فيها روح لورا أمام أعيننا.

لورا في المسلسل فكرة، رمز للبراءة المفقودة، فتاة ميتة نعرفها من خلال الآخرين. أما في الفيلم، فهي كائن حيّ، يتنفس، يصرخ، يضحك، ينهار. يتحول الرمز إلى لحمٍ ودم، ويبدأ المشاهد في التورط العاطفي الكامل مع من كان لغزًا من قبل. لقد تحوّلت «شيريل لي» من جثة غامضة، إلى جسّد حيٍّ يرقّص فينا مكامن الرعب. تلك المكامن نفسها التي رآها لينش، إذ صرّح لاحقًا: «كنت أرى في شيريل نورًا داخليًا محاصرًا بالظلام. أردت أن أحرر هذا النور». 

لورا هنا ليست ضحية فحسب، بل مرآة لعالمها: والدها ليلاند، الذي يحبه الجميع ويخفي تحت قناعه أبشع الأسرار، والمجتمع، الذي يعبد المظاهر بينما يغرق في الكذب والرغبة. وهكذا نجد أنه إذا ما كان «توين بيكس» قد صاغ الرعبَ في صورة بلدة، فإن «نار تمشي معي» صاغ البلدة في صورة روحٍ واحدة؛ حيث الدراما تتحوّل إلى طقسٍ كهنوتيّ: كلّ مشهدٍ هو صلاةٌ غير مقبولة، وكل قُبلة من لورا على خدّ أحدهم هي وداعٌ مبكّر.

يتحرك الفيلم في إيقاعٍ متقطّع بين السريالي والواقعي، وكأنه يعكس اضطرابًا داخليًّا في وعي البطلة. اللقطات الطويلة، التكرارات الصوتية، الأصوات الكهربائية، كلها أدوات لإدخال المُشاهد في عقل لورا نفسه، عقلٍ يتداعى بين الإدراك والكابوس. وهنا يظهر «بوب» لا كشيطان خارجي، بل كاستعارةٍ جسدية للانتهاك. فالشر -طبقًا للعمل- ليس كائنًا يأتي من الغابة، بل من السرير المجاور.

«العنف لا يسكن الشوارع فقط، بل البيوت التي نحبها»، كما قال ابن الطبقة المتوسطة البيضاء بالتعريف الأوّل، أو ديفيد لينش، المخرج والرسّام بالتعريف الأخير، وبالتعريفين معًا فإن الرجل يقدّم في عمله هذا إدانةً لثقافةٍ بأكملها: الحلم الأمريكي الذي يدفن رعبه المنزلي تحت زينة عيد الميلاد.

في أحد أكثر المشاهد تأثيرًا، تجلس لورا وحدها في غرفتها، تسمع صوت أبها يهمس باسمها من وراء الباب. الكاميرا لا تُظهر المشهد، بل تترك الفراغ يتكلّم. هذا الفراغ هو الشر الحقيقي، المساحة التي نختار جميعًا أن نصمت عندها. في الدقائق الأخيرة، حين تهرب لورا إلى الغابة وتجلس في مواجهة الملاك، لا يقدّم لينش نهاية سعيدة. لكنه يمنحها غفرانًا بصريًا: دموعها تتحوّل إلى ضوء. وهو ذاته المشهد الذي أثار سخرية بعض النقاد في التسعينيات، ليصبحَ اليوم أحد أكثر اللحظات إنسانيةً في سينما لينش.

هنا، تتحقق فكرة أن الجمال ليس نقيضَ الألم، بل طريقه. فشخصيات لينش غالبًا ما تُعاقَب لأنها تحلم، لكن لورا وحدها نالت خلاصًا حقيقيًّا، لأنها كانت الحلمَ نفسه. ومن المثير للانتباه أن لينش كان يُصوّر مشاهدَ لورا في ترتيبٍ غير زمنيّ، مما جعل «شيريل لي» تعيش حالة اضطراب حقيقية،  وفي أحد أيام التصوير، انهارت باكيةً بعد مشهد الاغتصاب وقالت إنها لم تعد تعرف من تكون؛ فماذا عنّا نحن المشاهدون؟ هل نعرف لورا حقًا؟

وعلى جانب آخر، أساسي أيضًا، فإن عنوان الفيلم «نار تمشي معي أو امش معي وسط النار» يبدو شطرًا من قصيدة، أو سطرًا من صلاة. النار هنا ليست مجرد رمزٍ للعقاب، بل للوعي نفسه: إنها الضوء الذي يُضيء الحقيقة حتى لو أحرقها. وهكذا يحوّل لينش النار إلى لغة، ويجعلها تمرّ عبر الألوان والإيقاع والموسيقى.

ما فعله لينش هنا لم يكن تتمّة لمسلسل ناجح، بل عمل تطهيري، كأن السينما نفسها أرادت أن تعتذر للورا بالمر بعد أن جعلها التلفزيون أيقونة استهلاكية. الفيلم يدفن المسلسل القديم ليولّد منه وعيًا جديدًا: أن الغموض لا يُحلّ، بل يُعاش و البطولة ليست إنقاذًا، بل اعترافًا، وأن الفن، في النهاية، هو الطريقة الوحيدة لقول ما لا يُقال.

في هذا الفيلم، تتحوّل لورا من جثة إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى طاقة نورانية ستعود لاحقًا في «توين بيكس: العودة» حين يحاول كوبر أن يعيدها إلى الحياة من جديد. وبعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا، يُقرأ فيلم «نار تمشي معي» الآن بوصفه مقدمةً ضروريةً لـ«العودة». فمن دون الغوص في الألم لا يمكننا فهم الحلم.

ورغم أن النقاد قد عابوا الفيلم ثم عادوا وامتدحوه، إلا أنه، ومنذ اللحظة الأولى، وُجد من بينهم من رأى فيه قيمة. فبالنسبة للنقاد النسويين كان العمل سابقًا لزمنه، من جهة أنه مثّل الصدمةَ الأنثوية داخل البنية الأسرية. أما بالنسبة لمحللي لينش، مثل «تود ماكغوان» و«مارك فيشر»، فقد رأوا أن الفيلم ينهي البراءة السردية للتلفزيون، ويحوّل الحكاية إلى تجربةٍ ذهنيةٍ عن الوعي الجمعي للألم.

في نهاية الفيلم، عندما تضحك لورا وسط الضوء الأبيض، يبدو المشهد كأنه وُلد من رحم النار نفسها. بلى، لقد احترقت، لكنها لم تختفِ. وكأن لينش يريد أن يخبرنا بأن الذين يسيرون وسطَ النار لا يموتون؛ إنهم يتغيرون فقط.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى