هل لنا أن نتخيل للحظة كيف كان سيبدو المشهد السينمائي بدون المهرجانات السينمائية؟! ربما لم يكن سيتَهادى إلى مسامعنا اسم المخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا، ولن نشاهد رائعته «راشومون» (Rashomon) التي شهد مهرجان فينيسيا ميلادها عالميًا ورسخ بها مكانة السينما اليابانية على خارطة العالم السينمائية، ولم يكن ليدري العالم الغربي بفيلم «باب الحديد» ليوسف شاهين ويدرج في أهم قوائم اﻷفلام العالمية، ولم يكن يتسنى لنا معرفة سينما العالم الثالث، والسينما اﻷفريقية، وسينما بلدان العالم، ولم يكن ليسطع نجم مخرجين أمثال ديفيد كروننبرغ، ريتشارد لينكلاتر، سبايك لي، الذين انطلق معظمهم من مهرجانات محلية نحو العالمية.
تخيّل مخرجًا شابًا يشارك بعمله لأول مرة أمام لجنة تحكيم في مهرجان طلابي صغير، يحمل فيلمه الأول المصنوع بميزانية محدودة وطموح لا حدود له، لا يعلم أن هذه اللحظة قد تكون الخطوة الأولى في مسيرة ستُغيّر وجه السينما العالمية. هذا بالضبط ما عاشه جيم جارموش حين عرض فيلمه «إجازة دائمة» (1980, Permanent Vacation) وهو مشروع تخرجه الجامعي في مهرجان مانهايم-هايدلبرغ، قبل أن تمنحه سعفة كان الذهبية اعترافًا عالميًا لاحقًا. وهو ما عاشه أيضًا جورج لوكاس حين فاز فيلمه الطلابي القصير بالجائزة الأولى في المهرجان الوطني للأفلام الطلابية، قبل أن يبني إمبراطورية «حرب النجوم» (Star Wars).
ربما تحولت المهرجانات السينمائية مع مرور الوقت إلى احتفاليات مبهرة، تتبارى فيما بينها على اقتناص ألمع الأسماء في سماء الفن السابع، واستعراض النجوم في أبهى حللهم، لكن كل هذه المظاهر الاحتفالية لا تحجب الدور الحيوي الذي تقدمه هذه الفعاليات للفن السينمائي، فلا يقتصر دورها على الاحتفاء بالنجوم والأفلام بل تمتد كذلك إلى منح الفرص لرؤى سينمائية واعدة.
نبذة تاريخية عن المهرجانات السينمائية
لم تنشأ المهرجانات السينمائية من فراغ، ولكن شكلتها بيئة ثقافية خصبة سبقتها. وسنعود بالذاكرة السينمائية إلى ما قبل حقبة الثلاثينيات وهي الفترة التي شهدت ميلاد أعرق المهرجانات السينمائية «مهرجان البندقية». انتقلت الافلام سابقًا عبر العروض المتنقلة، فكانت المعارض المتجولة أحد قنوات عرض وانتقال الأفلام من بلد إلى آخر. وقد يسّر ذلك على التجار شراء نسخ متنوعة من الأفلام، حيث انتقلوا بها عبر الحدود لعرضها في أي مكان يجدون به جمهورًا، من مقاهي وقاعات مؤقتة، كما انتقلت الأفلام بين الدول عبر آليات توزيع وتبادل، مختلفة عن وقتنا الحالي. وقد اعتمدت هذه الآليات على طبيعة السينما الصامتة التي سهّلها غياب حاجز اللغة، وبدأت اﻷفلام تنتقل مثلها مثل أي سلعة أخرى في ظل وجود شركات متخصصة في التوزيع مثل شركة «باتيه» (Pathé) الفرنسية. كانت الدول تدرك القوة الدعائية للسينما، فكانت الأفلام تنتقل عبر الحدود كجزء من التبادل الثقافي الرسمي أحيانًا، أو كأداة للتأثير والنفوذ، حيث كانت السفارات تسهل أحيانًا وصولَ أفلام من بلدانها إلى أسواق جديدة، ثم جاءت المهرجانات أخيرًا لتنظيم كل هذه العمليات التبادلية، ولحل مشاكل التوزيع، وأضفت على هذه العملية طابعًا احتفاليًا رسميًا.
لقد جاء أول مهرجان سينمائي في التاريخ من مكان غير متوقع، من منبع الفاشية الإيطالية. ففي عام 1932، أضاف موسوليني مهرجان الأفلام إلى بينالي فينيسيا العريق، معتقدًا أن السينما هي "أقوى الأسلحة". لكن سرعان ما تكشّفت الطبيعة السياسية للمهرجان حين راحت جوائزه تذهب للأفلام الفاشية والنازية، فانسحب أعضاء لجنة التحكيم البريطانيون والأمريكيون احتجاجًا على ذلك.
وقد جاء مهرجان «كان» السينمائي عام 1939 كرد سياسي مباشر، إذ كان يجمع بين ثلاثة دوافع متشابكة: مقاومة الفاشية الثقافية، ودعم الصناعة السينمائية الفرنسية، وإحياء موسم المنتجعات الساحلية. ثم جاء مهرجان «برلين» عام 1951 في قلب الحرب الباردة، حين أسّسه الأمريكيون كأداة دعاية ثقافية في مواجهة الكتلة الشرقية، فأقاموا عروضًا في الهواء الطلق على الحدود بين برلين الشرقية والغربية، ليصل الفيلم الغربي إلى المشاهد الشرقي. وفي الستينيات، دخلت المهرجانات مرحلة التمرد والتفاعل مع السياقات السياسية والاجتماعية حين اقتحم المخرجون الشباب أمثال تروفو وغودار مهرجان «كان» 1968 وأغلقُوه احتجاجًا، فأسفر ذلك عن ولادة "أسبوع المخرجين" كمساحة مستقلة وغير تنافسية تفتح أبوابها لكل مخرج يتقدم بعمله. هكذا، من رحم الصراع السياسي والتمرد الفني، تشكّلت ملامح منظومة المهرجانات التي نعرفها اليوم.
المهرجانات وخريطة السينما العالمية
تتجاوز المهرجانات السينمائية دورها كأماكن لعرض الأفلام لتصبح سلطة ذوق تُقرر ما يُحفظ في الذاكرة السينمائية الجماعية وما يُنسى. تتجلّى هذه السلطة في آليتين متوازيتين، الجوائز التي تحوّل الفيلم من عمل عابر إلى علامة ثقافية، والاستمرارية التي تضمن للمخرج الفائز موقعًا ثابتًا في المنظومة السينمائية. فالمخرجُ الذي يصبح محبوبًا في مهرجان «كان» مثل جعفر بناهي، أو اﻷخوين داردين، نادرًا ما يكون بعدها في حاجة إلى تقديم أعماله في مهرجانات أقل شأنًا، محافظًا بذلك على وجوده المستمر في المهرجان.
والأهم من ذلك أن المهرجانات تُعيد رسم الخريطة السينمائية العالمية، كل عقد تقريبًا وفق اهتمامات متغيرة، فمثلًا في الخمسينيات احتفت بالسينما اليابانية مع كوروساوا وميزوغوتشي، ثم تحوّلت في الستينيات إلى الموجة الفرنسية الجديدة والسينما الإيطالية الجديدة، وفي السبعينيات صعد نجم المخرجين الأمريكيين مثل سكورسيزي وكوبولا وألتمان، ثم جاء دور أوروبا الشرقية في الثمانينيات، فالسينما الإيرانية في التسعينيات مع كياروستامي ومخملباف، وصولاً إلى السينما الرومانية في مطلع الألفية الثالثة. يكشف هذا التسلسل أن المهرجانات تُشكّل بوضوح خارطة السينما العالمية وتوجهها.
المهرجانات الطلابية ودورها في الصناعة السينمائية
إذا كانت المهرجانات الكبرى هي "بوابة الانطلاق"، فإن المهرجانات الطلابية هي "المصنع" الذي يكتشف الموهبة ويصقلها ويهيئها لتكون قادرة على العبور من تلك البوابة. ساهمت المهرجانات السينمائية، وخاصة المهرجانات الطلابية، بشكل كبير في اكتشاف وإطلاق مسيرة العديد من المخرجين المشهورين عالميًا ومحليًا، في مشهد سينمائي مزدحم وآخذٍ في التوسع.
إن للمهرجانات السينمائية وجهان لا يمكن الفصل بينهما، وإن اختلفا في الحجم والأثر: وجه المهرجانات الدولية الكبرى، ووجه المهرجانات الطلابية المتنامي الذي لا يقل عنه أهمية. فمنذ عقود، لعبت المهرجانات الدولية العريقة دور "حارس البوابة" الذي يكتشف المواهب الجديدة ويقدمها للعالم. فقد كان مهرجان «كان» دومًا المنصة الأكثر إثارةً للجدل والأعمق أثرًا في مسيرات المخرجين؛ ففي عام 1994 وقف كوينتن تارانتينو على درجات قصر المهرجان حاملًا السعفة الذهبية عن فيلم «خيال رخيص» (Pulp Fiction) ليتحول من مخرج مغمور إلى اسم لا يمكن تجاهله.
وهناك أيضًا مهرجان «صندانس» السينمائي في الولايات المتحدة، حيث يعتبر هذا المهرجان الوجهة الأولى للسينما المستقلة. وقد استطاع مخرجون مثل جيم جارموش وكوينتن تارانتينو (مرة أخرى) بناء سمعة قوية من خلال أفلامهم المستقلة التي لفتت الأنظار إليها في صندانس قبل أن يصبحوا أيقونات عالمية. وقد تم اختيار فيلم جارموش «الميت لا يموت» (The Dead Don‘t Die) لاحقًا لافتتاح مهرجان كان. وإلى جانب ذلك، فقد تقلد مهرجان برلين السينمائي (برليناله) هو الآخر دورًا فعالًا أيضًا، إذ كان له فضل كبير في تعريف العالم بالسينما المصرية والعربية. على سبيل المثال، فاز المخرج المصري الكبير يوسف شاهين بجائزة الدب الفضي عن فيلم «إسكندرية ليه؟» عام 1978، مما عزز مكانته الدولية بشكل كبير بعد مشاركاته السابقة في البندقية وبرلين.
ومهرجان البندقية السينمائي، كما ناقشنا سابقًا، كان بداية انطلاقة المخرج الياباني أكيرا كوروساوا العالمية، عبر فوزه بجائزة الأسد الذهبي عن فيلم «راشومون» عام 1951. وهذا المثال وحده يوضح كيف يمكن لمهرجان دولي أن يغير مسيرة مخرج إلى الأبد.
أما المهرجانات الطلابية التي غالبًا ما تنظمها الجامعات، فلها حضور مختلف تمامًا في حياة المخرج الشاب؛ ورغم أنها ليست المكان الذي يُتوَّج فيه، لكنها المنصة التي يكتشف فيها أن فيلمه يستحق أن يُرى. حيث توفر هذه المهرجانات الطلابية حول العالم منصةً أولى لعرض مشاريع التخرج والأفلام القصيرة، مما يمنح الطلاب الثقةَ بأن أعمالهم تستحق المشاهدة. على سبيل المثال، في اليمن، شاركت "الجامعة التخصصية الحديثة" في مهرجان طلابي بهدف اكتشاف وصقل المواهب الطلابية في مجالات الإخراج والسيناريو. وفي مهرجانات مثل «مهرجان عفت الدولي لأفلام الطلاب» في جدة، يتم تنظيم ورش عمل وندوات يشرف عليها خبراء عالميون في كتابة السيناريو والإخراج والتصوير، مما يتيح للطلاب فرصة ذهبية للتعلم المباشر.
كما تعد المهرجانات فرصة استثنائية للطلاب لبناء علاقات مع منتجين ومخرجين محترفين، مما يفتح لهم أبواب التدريب العملي وفرص العمل المستقبلية. أما في الإمارات، فقد ساهمت مهرجانات مثل «أفلام من الإمارات» في خلق وعي سينمائي وربط المواهب المحلية بالسوق.
وفي المقابل، فإن الجوائز التي تقدمها العديد من المهرجانات الطلابية تساعد الفائزين على تمويل مشاريعهم القادمة، إذ يقدم مهرجان «عفت»، على سبيل المثال، جوائز مالية تتجاوز الخمسين ألف ريال سعودي، بالإضافة إلى دعم مادي لتطوير المشاريع المستقبلية.
وهناك قصصُ نجاحٍ ملهمةٍ نشأت في كنف هذه المهرجانات، فقد بدأت رحلة العديد من المخرجين السعوديين الواعدين من خلالها، مثل سارة مسفر، خريجة جامعة عفت، التي انطلق فيلمها «من يحرقن الليل» من المهرجانات الطلابية ليُعرض في مهرجانات دولية مرموقة مثل "بالم سبرينغز" في أمريكا، ويفوز بجائزة السينما الصاعدة في مهرجان أيام قرطاج السينمائية. وهناك أيضًا المخرجة جواهر العامري، وهي من خريجات جامعة عفت أيضًا، حيث فاز فيلمها «انصراف» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بعد أن نال استحسانًا في المحافل الطلابية، والمخرجة الواعدة ريما الشهري، التي فازت بجائزتي أفضل فيلم قصير وأفضل مخرج عن فيلمها «الشريطة الحمراء» في مهرجان جامعة الملك عبدالعزيز للأفلام الطلابية، معتبرة أن هذه الجوائز هي بداية رحلتها.
لا يكفي الحديث عن دور المهرجانات الطلابية في تنمية المشهد السينمائي دون الوقوف عند نموذج حي يجسد هذا الدور بعمق واتساق. ومهرجان أفلام عفت الدولي، الذي يحتفل هذا العام بدورته الثالثة عشرة تحت شعار «حينها تحيا القصص»، يُعد مشروعًا رؤيويًا تبلور على مدى ثلاثة عشر عامًا ليثبت أن الجامعة يمكن أن تكون منطلقًا حقيقيًا وحاضنةً فعليةً لصناعة السينما.
ولأن صناعة السينما في جوهرها هي صناعة قصص. والقصص موجودة في كل مكان: بين دفتي الكتب، وعلى لسان الجدات، وفي همسات الأصدقاء، لكنها تنتهي بانتهاء اللحظة التي وُلدت فيها. فإن القصة حين تتحول إلى فيلم، فإنها تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ إذ تُشاهد في أكثر من بلد، وتُسمع في أكثر من لغة، وتبقى إلى ما لا نهاية. وفي هذا السياق، فإن السينما في نظر القائمين على المهرجان هي الحارسة الأبدية للقصص، وما الفيلم إلا وسيلتها في منح الحكايات، تراثيةً كانت أم خياليةً، حياةً لا تزول، ومن هذا المنطلق ولد شعار هذه الدورة «حينها تحيا القصص».
وفي تصريحات حصرية لـ«ميم» أدلى بها الدكتور محمد غزالة، أستاذ الرسوم المتحركة، ورئيس مدرسة الفنون السينمائية بجامعة عفت في جدة، تتضح الفلسفة التي يقوم عليها المهرجان منذ نشأته:
«حين أُطلق المهرجان عام 2014، لم يكن المشهد السينمائي في المملكة العربية السعودية قد اكتملت بعد ملامحه»، يقول د. غزالة، مضيفًا: «كان ما يحرّكنا حدسًا أكثر منه توقعًا مبنيًا على معطيات. غير أن الحماس الذي عرفناه في طالباتنا الأوائل، الست عشرة اللواتي التحقن بقسم الفنون السينمائية في جامعة عفت عام 2013، أكّد لنا أن ثمة قصصًا تستحق أن تُرى خارج الحرم الجامعي.
ومنذ تلك البداية المتواضعة، توسّع المهرجان تدريجيًا، من جمهور الجامعة إلى الأسرة، ثم إلى المجتمع المحلي في جدة، فالخليج العربي، فالعالم العربي، حتى بات يستقبل ضيوفًا من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين واليابان. وفي دورته الحالية، تجاوزت أعداد الأفلام المتقدمة خمسة آلاف فيلم من شتى أنحاء العالم، منها سبعون فيلمًا سعوديًا من أكثر من عشر جامعات».
يرفض د. غزالة النظر إلى المهرجان باعتباره غايةً في ذاته، إذ يصف العلاقة بينه وبين المشهد الاحترافي الحالي في المملكة العربية السعودية بأنها "علاقة تمهيد وتكامل": «نمنح الطالب منصته الأولى ليختبر عمله أمام جمهور حقيقي، وليَقيس مدى تقبّل هذا الجمهور لما أنجز وصنع، فإذا به يجد الجرأة على السير نحو مهرجانات أكبر مثل مهرجان البحر الأحمر السينمائي ومهرجان القاهرة ومهرجان قرطاج ومهرجان أفلام السعودية. فمهرجانُ الطلاب إذن بوابة أولى نحو عالم أوسع. وامتدادًا لهذه الرؤية، يُعنى المهرجان بتجهيز طلابه لمواجهة تحديات التوزيع التي كثيرًا ما تقف حائلًا بين الموهبة والوصول؛ من عدم الإلمام بحقوق الملكية الفكرية، إلى غياب الخبرة في التعامل مع المنصات والموزعين. ولهذا تحضر في كل دورة شخصيات من صميم الصناعة الدولية، وفي هذا العام مثلًا تُلقي المديرة الإبداعية لمهرجان «كابوم» (Kaboom) للرسوم المتحركة في أمستردام، أنيتا أوزريك، الضوءَ على استراتيجيات التعامل مع المهرجانات العالمية وآليات توزيع الأفلام الطلابية».
وإذا تطرقنا لمقياسِ نجاح المهرجان بالنسبة للقائمين عليه، نجده يبتعد عن المنطق الكمي ليصل إلى ما هو أعمق، ونستشف ذلك مما أدلى به د. غزالة بأن: «النجاح بالنسبة لنا ليس رقمًا نقيسه بمعزل عن سياقه، لكنه تجربة متكاملة تبدأ بالحضور وتنتهي بالأثر. نعمل لأشهر طويلة على برمجة كل دورة، ويُسهم في بنائها شركاء كثيرون بجهود حقيقية، وتتوج هذه الجهود جميعها في اللحظة التي يجلس فيها الجمهور ليستمتع بالأفلام والورش والندوات ويتفاعل معها».
ولعل هذا ما يجعل مهرجان أفلام عفت الدولي نموذجًا جديرًا بالدراسة، لأنه يثبت أن المهرجانات الطلابية حين تنطلق من رؤية واضحة وتصبر على بنائها، تكون قادرة على تشكيلِ وجدان جيل كامل من صناع الأفلام، ومدّ جسورٍ حقيقية بين قاعة الدراسة والعالم.
لهذا تتخطى المهرجانات السينمائية كونها احتفالات بالأفلام، وتصبح المنظومةَ التي تُنتج المعرفة السينمائية وتُحدد من نُسميه مخرجًا وأي أفلام تستحق أن تبقى. وكما كانت نوادي السينما في العشرينيات والثلاثينيات البذرة التي نبتت منها المهرجانات الكبرى، فإن مهرجانات أفلام الطلبة هي اليوم الحاضنةَ الأولى لسينما الغد، تلك اللحظة الهشة والثمينة، التي يكتشف فيها المخرج الشاب لأول مرة أن فيلمه لم يعد مجرد حلم شخصي، بل رسالة تستحق أن تصل إلى أنظار مشاهد ما في مكان ما، وتمنحه ما هو أثمن من الجائزة، اليقينَ بأن ما يصنعه يستحق أن يُرى.
ثمة فارق جوهري بين المهرجانين لا يمكن تجاهله؛ المهرجانات الكبرى تُضفي الشرعية الفنية وتقدم المخرجين للعالم، أما المهرجانات الطلابية فتعمل على مستوى أعمق وأكثر تأسيسًا، حيث تمثل الورشة الأولى التي تُصقل فيها الموهبة الخام، وتُختبر فيها الأفكار الأولى، وتُنسج فيها العلاقات المهنية الأولى. إنها الجسر الذي يعبر عليه الطالب الموهوب من قاعات الدرس إلى منصات التتويج العالمية.



