كانت ليلة عادية جدًا تلك التي اخترتُ فيها مشاهدة فيلم «حياة تشاك» (The Life of Chuck, 2024) للمخرج مايك فلاناغان، عن قصةٍ للكاتبِ العظيم ستيفن كينغ. غير أن تلك الليلة تحوّلت إلى أمر آخر تمامًا، عبر سلسلة من المشاعر الغامرة: تأمّل، بكاء، سعادة، رضا، غضب، خوف، والكثير من التقلبات التي لم تنتهِ إلى هذه اللحظة، بعد مرور أكثر من ستة أشهر على مشاهدته. وهذه المشاعر، للمناسبة، لم تكن تجاه الفيلم فقط، بل تجاه حياتي الخاصة أيضًا.. نعم، إلى هذه الدرجة كان تأثير الفيلم عميقًا.
يقدّم «حياة تشاك» تأمّلًا عميقًا يقوم على فكرة أن الإنسان ليس مجرد «جرم صغير»، بل عالم كامل قائم بذاته، تحتشد فيه المعاني، وتتراكم التجارب. هذه الفكرة، المتأصّلة في الشعر الصوفي والفلسفة الشرقية، تظهر هنا عبر تركيبة سردية غير تقليدية تسير بالعكس، وتعيد تشكيل معنى الحياة لا من خلال الأحداث، بل عبر الشعور المتراكم في الذاكرة.
لا يعرِضُ الفيلم حياةَ شخصية مشهورة أو استثنائية، بل على العكس، يقدّم رجلًا عاديًا تتقاطع حياته مع سؤالٍ كوني: «هل الكون الذي نراه، موجودٌ خارجنا فعلًا؟ أم أنه مجرد إسقاط ينبع من داخلنا؟»، وهذه ليست مسألة فلسفية فحسب، بل قاعدة أساسية تم الارتكاز عليها في بناء الفيلم سرديًا وبصريًا.
كما يفكّك الفيلم الأسطورة الهوليوودية عن الذات البطولية، مقدّمًا الإنسان كنسيجٍ هشّ من الذكريات العابرة والقرارات غير المكتملة. لا نعرف بطلنا تشاك من خلال أحداث «كبيرة»، وإنما نكتشفه عن قربٍ من خلال التفاصيل الدقيقة، في معارضةٍ واضحةٍ للسرد الكلاسيكي الذي يربط القيمة بالإنجاز.
من ناحية أخرى، يُعيد الهيكل الزمني المعكوس التفكيرَ في العلاقة بين الذاكرة والهوية، ويطرح تساؤلًا جوهريًا: «هل نحن ما عشناه، أم ما نتذكّره؟». يقترح الفيلم أن الزمن النفسي ليس خطيًا، بل أقرب إلى بنيةٍ شعريةٍ، ما يدعو إلى مقارنته بمفهوم الزمن المتداخل في أعمال كريستوفر نولان، ولكن مع التوجه نحو صورة أكثر حميمية، وأقل ميلًا إلى ما هو تقني.
فلاناغان، المعروف بأعماله في الرعب النفسي، يفاجئنا بتحوّلٍ شبه كاملٍ نحو السينما التأملية، متجهًا إلى الذات لا بوصفها شخصية فقط، بل كمساحةٍ كونية قابلة للتمدّد والانهيار. يستخدم لتحقيق ذلك بنيةً غير خطية وسردًا عكسيًا كوسيلتين لتفكيك المعنى وفصله عن الترتيب المعتاد الذي نلمحه في الحياة. كما يتعمّد ترك الانتقالات الزمانية والمكانية دون تفسير، ما يخلق فراغًا يتطلّب من المشاهد أن يملأه بذاته. يُضاف إلى ذلك توظيفٌ جمالي للصمت والضوء والتكوينات الواسعة، يجعل كل مشهد يبدو كأنه امتداد لحالة ذهنية، لا مجرد حدث معزول.
أما على صعيد التمثيل، فيقدّم توم هيدلستون أداءً حميميًا رقيقًا، يتجنّب فيه المبالغة، معتمدًا على الإيماءات البسيطة ونظرات الهروب لتجسيد البعد الداخلي لشخصيته.
بينما عزّز بقية الطاقم، الممتد من كارين غيلان إلى شيواتال إيجيوفور، العناصرَ الشعورية للذاكرة الممتدّة، بما يرسّخ الإحساس بأن «هذا العالم قد يكون من نسج وعيٍ فرديٍ بحت»، لا عالَما من الشخصيات القائمة بذاتها.
لا يقدّم الفيلم إجاباتٍ عن الموت، أو الحياة، أو العلّة، بل يترك كل شيء معلّقًا، ببطء، ليجبِر المشاهدَ على مواجهة الفراغ، لا ملئه.
إن هذه سينما التي يصنعها المخرج لا تصدح قائلة: «هكذا هي الحياة»، بل تسأل: «هل هذا ما تراه حقًا؟»، إنها دعوةٌ إلى التأمّل، لا إلى التماهي.
في الختام، يمكن القول إن «حياة تشاك» فيلم لا يُروى بقدر ما يُعاش، إذ لا يرتكز على القصة، بقدر ما يستكشف الإحساس بمرور الحياة وهي تنطوي على الداخل. وفي هذا السياق، تستدعي التجربة ما طرحه المنظّر السينمائي كريستيان ميتز حول التقمّص: «أن المشاهد لا يبقى خارج الفيلم، بل يتماهى مع الكاميرا، ومع الشخصيات، ومع ما لا يُقال على الشاشة». وهكذا تصبح السينما مرآةً متخيّلةً يرى فيها المتفرج ذاته، لا كما هي في الواقع، بل كما يشعر ويحس بها في الوجدان.
بهذا المعنى، لا يخاطب «حياة تشاك» العقلَ فقط، بل يخاطب الذاكرة والرغبة والخوف من الزوال، ويذكّرنا بأن كل إنسانٍ، مهما بدا عاديًا، فإنه يحمل في داخله كونًا بأكمله في انتظار أن يُروى. ولهذا السبب، سيبقى هذا الفيلم عندي أبلغ من كونه سردًا جميلًا فحسب، إنما هو حدث وجودي؛ ولحظة غامرة شعرتُ فيها حقًا بعبارة: «وفِيَّ انطوى العالم الأكبر».



