«توين بيكس» الموسمان الأوّلان، أو: جثة البراءة الملفوفة بالبلاستيك

January 16, 2026

في ربيع عام 1990، وبينما كانت الدراما التلفزيونية الأميركية غارقة في صيَغها المعتادة عن الحبكات البوليسية والعلاقات العائلية المثالية، هبط من العدم شيء لا يُشبه شيئًا قبله: «توين بيكس» (Twin Peaks).

مسلسلٌ تلفزيونيٌ قاتم، لم يكن يبدو في ظاهره أكثر من لغز جريمة عن مراهقة مقتولة في بلدة صغيرة، لكنه ما لبث أن انقلب على نفسه وعلى المشاهدين وعلى تاريخ الشاشة بأكمله. بدا الأمر وكأن كاميرا ديفيد لينش التقطت حلم أميركا ثم أسقطته داخل بحيرة جليدية ليظهر وجهها الحقيقي تحت السطح.

تبدأ الحكاية بجثة فتاة شابة ملفوفة بالبلاستيك، جثة لورا بالمر، المراهقة التي كانت تبدو مثالية في أعين الجميع. لكن «توين بيكس» لم يكن مهتمًّا فقط بمَن قتل لورا، بل بما كانت تخفيه البلدة نفسها وراء تلك الوجوه المهذبة والمقاهي الهادئة وروائح فطائر الكرز.

لقد بنى المسلسل، الذي كتبه ديفيد لينش مع مارك فروست، عالمًا يبدو كأنه خرج من حلم أمريكي كلاسيكي: أخشاب، ضباب، موسيقى حالمة، ومحقق مثالي يأتي من خارج البلدة ليعيد النظام إليها. لكن هذا الحلم، كما سنكتشف سريعًا، لم يكن سوى كابوس متقن الإضاءة.

لينش لا يصنع عوالم خيالية، بل يسحب الخيالَ من الواقع حتى يبدو الأخير أكثر غرابة. المقاهي التي يتناول فيها الجميع القهوة والفطائر ليست مجرد ديكور، بل رموز لتكرار الحياة اليومية الذي يخفي داخله العفن. كل قطعة أثاث وكل كوب قهوة في توين بيكس يبدو بريئًا… إلى أن تتمعّن فيه بما يكفي لتشعر أن شيئًا مظلمًا يكمن في جوفه.

كان لينش وفروست يعملان على مشروع درامي في أواخر الثمانينيات بعنوان Northwest Passage. أرادا أن يرويا حكاية بلدة صغيرة تبتلع أسرار سكانها. وعندما سألهم أحد المنتجين عن فكرة المسلسل، قال لينش جملته الشهيرة: «إنه عن فتاة جميلة عُثر على جثتها ملفوفة بالبلاستيك. ومن هنا تبدأ الغابة في الهمس».

إن اختيار الممثلة «شيريل لي» لتجسيد لورا بالمر كان بالصدفة المحضة: كانت تظهر فقط كجثة في الصور الدعائية، لكن أداءها الصامت في اللقطات الأولى شد لينش لدرجة أنه قرّر توسيع دورها في مشاهد استرجاع الماضي والأحلام. ومن هنا وُلدت الأسطورة. أما في كواليس الإنتاج، فلم يكن كل شيء سلسًا. قناة ABC ضغطت بشدة على لينش وفروست للكشف عن هوية قاتل لورا، لأن الجمهور والإعلانات بدأوا يفقدون صبرهم. لكن سؤال «من قتل لورا بالمر؟» لم يكن الأهم عند لينش، وإنما «لماذا يقتل أحد فتاة مثل لورا؟»؛ إنه سؤال عن روح البلدة (العالم؟)  كلها.

قاوم لينش الفكرة لأسابيع، ثم رضخ تحت التهديد بإيقاف المسلسل. بعد الكشف عن القاتل، قال لينش لاحقًا: «حين كشفنا السر، ماتت روح المسلسل». المفارقة أن هذه الجملة أصبحت نبوءة. فقد تراجع الاهتمام الجماهيري، وبدأت الحلقات تفقد توازنها. لكن وسط تلك الفوضى، تبلورت عبقرية أخرى، إذ أصبح عالم العمل أكثر تجريدًا وغرابة، وكأن لينش يرد على المنتجين بلغة لا يفهمونها.

ما جعل من «توين بيكس» عملًا متفردًا ليس لغزه البوليسي، بل طريقته في تصوير المجتمع الأمريكي ككائن مزدوج ذي وجهين: أنيقٍ صباحًا، وشيطاني ليلًا.

لورا بالمر لم تكن فقط ضحية جريمة، بل ضحية مجتمع يحافظ على المظاهر حتى آخر رمق. هي الطالبة المثالية، الجميلة المحبوبة، التي تخفي حياة ملوثة بالمخدرات والاستغلال والعنف الجنسي. ومن هنا يكتسب المسلسل بعده الفلسفي: كل شخصية تمثل قناعًا على وجه الحلم الأميركي، وكل قناع يخفي آخر أكثر تشققًا.

ديل كوبر، العميل الفيدرالي الذي يؤديه «كايل ماكلاشلان»، يدخل البلدة كما يدخل كاهن إلى معبد مظلم. ذكاؤه وتهذيبه وحدسه الغريب يجعله يبدو كأنما جاء من عالم آخر. لكنه، بمرور الوقت، يبدأ في التلوث بدوره. والغابة التي تحيط بتوين بيكس لا ترحم أحدًا: إذ إن دخول الحمّام ليس كخروجه. وهنا تظهر فلسفة لينش حول الشر، حيث لا يصوره كقوة خارجية، بل كتيار يسري في كل شيء. «بوب» هو الأخر ليس شيطانًا بل مظهر من مظاهر الرغبة المدمرة الكامنة داخل البشر.

إن جماليات المسلسل، في مجملها، تقوم على التناقض: ضوء دافئ يغلّف وجوهًا باردة، موسيقى «أنجيلو بادلامينتي» الحالمة، التي تجعل المشاهد يطمئن ثم يرتعب في اللحظة التالية، فإذا بلينش يخلق إحساسًا يشعرك بأنك تعرف المكان جيدًا لكنك لا تستطيع الثقة به. المقهى، والمدرسة، والغابة كلها أماكن واقعية لكنها مشبعة بطبقات من الرموز والذكريات. وهذا هو عين ما يسميه النقاد The Uncanny، أو «الغرابة المألوفة»: الشيء الذي يبدو طبيعيًّا لكنه يثير فيك القلق لأنك تدرك أن هناك شيئًا ناقصًا أو زائفًا في تكوينه.

لم تستطع «شيريل لي»، بعد تصوير مشاهد الجثة، النومَ لليالٍ بسبب الإضاءة الباردة التي غمرتها في المشهد. وهو ما قال عنه لينش لاحقًا إنها «تجسيد للبراءة المقتولة في أميركا».

أما الممثل «فرانك سيلفا»، الذي أصبح رمز الشر «بوب»، لم يكن مقررًا له أي دور. كان مجرد عامل ديكور في موقع التصوير، لكن لينش لمح انعكاس وجهه في مرآة الغرفة أثناء تصوير مشهد واستخدمه فورًا كرمز مرعب. هكذا وُلد الشر في المسلسل من محض صدفة.

وفي أحد الاجتماعات مع طاقم الكتابة، رسم لينش على منديل وجه امرأة تبكي في الغابة وقال: «هنا تبدأ القصة»؛ هذا المنديل ما زال محفوظًا حتى الآن في أرشيف القناة، أما القصة فما زالت مؤرشفة ونابضة بالحياة في ذاكرة كل من شاهدها.

من الصحيح اعتبار بلدة توين بيكس أكثر من مجرد مكان، بل قوّة حيوية أقرب ما تكون لعقلٍ جمعي، فكل حلم يراه كوبر، كل أغنية في خلفية مشهد، كل برق يضرب الغابة هو جزء من ذاكرة البلدة نفسها. حين يرى كوبر حلمه الشهير داخل الغرفة الحمراء، يعلن المسلسل رسميًّا ولادته الجديدة: منذ تلك اللحظة، لم يعد يحكي قصة، بل يصنع طقسًا بصريًا. شخصيات تتحدث بالعكس، ستائر تهتز بلا ريح، ورجل صغير يرقص في الزاوية. كل هذا ليس ترميزًا وحسب؛ إنه محاولة لجعل اللاوعي مرئيًّا.

لم يكن لينش يشرح أبدًا، بل كان يؤمن أن الغموضَ يُشعرنا بالحياة أكثر من الإجابة. ولذلك ظلّ «توين بيكس» بعد ثلاثة عقود مادة للتأويل اللامتناهي، بين من يراه دراسة في الذنب الجمعي لأميركا، ومن يراه تمثيلًا لحلم التلفزيون عن نفسه.

مع نهاية الموسم الثاني عام 1991، وبعد تراجع نسب المشاهدة، بدت النهاية وكأنها صفعة. إذ نرى كوبر، الذي أنقذ البلدة في البداية، ينتهي محبوسًا في مرآة ومحاكيًا لوجه الشر الذي قاتله طوال المسلسل، بتلك الضحكة الممسوسة، في انقلاب مفاجئ من الوجه الوسيم البريء إلى أكثر الأوجه رعبًا في عالم «توين بيكس».

وخلف الوجه والمرآة، يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن للخير أن يظلّ نقيًّا إذا ما لامس الشر؟ وبالطبع، فإن من ألقى السؤال -في بحيرة؟- هو لينش. 

أما الإجابة، فإنها تحتاج عمرًا كاملًا في الفلسفة، وليس أقل من 25 سنة في الدراما، إذ عاد طارح السؤال، لينش، لإكمال ما بدأه وذلك في عام 2017 بـ «توين بيكس: العودة». لكن.. قبل ذلك، جاءت النار ومشت جنبًا إلى جنب.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى