إن الفقد في السينما لا يتّخذ دائمًا شكلَ الفاجعة. فقد يأتي أحيانًا في هيئة صمت، دون ضجيج، أو صور مبالغ فيها للرثاء، أو حتى نهاية درامية واضحة، بل شعور خافت فحسب بأن شيئًا ما لم يعد موجودًا، وأن العالمَ صار أقل اتساعًا من حيث لا ننتبه.
في مثل هذه الأيام وقبل عام تقريبًا، رحل عن دنيانا ديفيد لينش. وفي مستهل هذا العام، فاجأنا رحيل بيلا تار، الذي لم يكن مجرد فقدان لاسمٍ كبير في تاريخ السينما، بل فقدان موقف كامل تجاه الصورة. ليس لأن أفلامه كانت مختلفةً فحسب، بل لأنها اعتادت النظرَ من المكان الذي لا تحبذ السينما اليوم الوقوف فيه، حيث الزمن الحقيقي، المُسهب، الشاق، وغير القابل للاستهلاك.
حين مات نيتشه، لم تمت معه الفلسفة، لكنها فقدت شيئًا لا يمكن تعويضه، ذلك الصوت الذي كان يكتب وكأنه يهدم، وفي سعيه للهدم كان كمن يحاول إنقاذ شيء ثمين. لم يكن نيتشه يقدّم أجوبةً، بل كان يعرّي الأسئلة حتى صميمها. والأمر ذاته يحدث مع بيلا تار، فالسينما لم تتوقّف، لكنها فقدت إيمانًا قديمًا عنيدًا بأن الصورة السينمائية ليست للشرح ولا للتسلية، بل للمواجهة.
العدمية بلا زينة
غالبًا ما يُختزل الحديث عن سينما بيلا تار في كلمة واحدة: "الطول". أفلام طويلة، ولقطات ممتدة تحتاج لصبر طويل. لكن بدل أن يفسِّر هذا الاختزال التجربةَ، نجده يُزيحها إلى منطقةِ سوء الفهم. فالزمن عند تار ليس اختيارًا أسلوبيًا، ولا رغبة في التمرّد على المتلقي، بل هو جوهر الرؤية نفسها. لا تطول اللقطة لأنها "قابلة للتمدد"، بل لأنها لا تستطيع أن تكون أقصر دون أن تغدو عرضةً للتزييف. طوّرت السينما عبر التاريخ أخلاقيات خاصة بها دون الحاجة إلى إعلانها. فمثلا، حين نرى مشهدَ عنفٍ يُختصر في ثوانٍ، أو مأساةً تُعرض كمحطة درامية، فإننا نتعلّم -دون وعي- أن الألم قابل للاختزال، وأن المعاناة يمكن احتواؤها داخل مشهد، غير أن بيلا تار يرفض هذا المنطق بالكامل.
في «تانغو الشيطان» (Sátántangó, 1994) لا نشاهد فيلمًا يمتد لسبع ساعات ونصف؛ بل ندخل زمنًا آخر. زمنًا يشبه الزمن الداخلي للإنسان، متكررًا، متثاقلًا، ممتلئًا بالفراغات، لا يتحرّك وفق منطق "الحكاية"، بل وفق منطق الوجود. وفي هذا الزمن تُستعاد الأماكن، وكذلك الشخصيات، وحتى الكلمات تبدو كأنها قيلت من قبل. هنا يصبح التكرار علامةً على عالمٍ عالق في الزمن، يدور في حلقة مفرغة، لا يعرف كيف يتقدّم ولا كيف ينتهي. ومن هنا تبدأ قسوة التجربة، لأن الحياة نفسها ليست سلسلة من الأحداث الكبرى، بل تراكم طويل من اللحظات الصغيرة التي لا نعرف ماذا نفعل بها. وبدل الهروب من هذا التراكم أو النفور منه، تختار سينما تار أن تسكن فيه، إذ تجعلك تشعر بثقله طوالَ الفيلم.
يخطّ تار مسارًا جديدًا في نحت مشهدية متفردة بكل ما فيها من قسوة ودهشة، إذ نلمح في الفيلم مشهد الطفلة والقطة، وهو أحد أكثر المشاهد قسوةً، لكنه لا يظهر كـ"صدمة" سريعة تُلقى في وجه المتفرّج، ليسحبه بعدها بساط المونتاج إلى شيء آخر، بل يبرز كما لو كان مسارًا ممتدًا، يتكوّن على مهل، ويتركك بلا ملجأ.
يرفض بيلا تار اختزالَ الشر في لحظة، ليحيله إلى عملية زمنية: يستغرق وقتًا لكي يتكوّن، ولكي يُرى. في أفلامه، تسلك الكاميرا منحىً محايدًا، فهي لا تُدين، ولا تحاول أن تُخفف من حدة المواقف، ولا تشرح لك لماذا يحدث ما يحدث. كل ما تفعله أنها تُجبرك على البقاء، وعلى تحمّل القسوة أثناء المشاهدة، كما يتحمل العالم حدوثها في الواقع. وهنا يتحوّل الزمن إلى سؤال أخلاقي، هل يمكن فهم القسوة دون معايشة زمنها؟ وهل اختصارها، سينمائيًا، لا يُعدّ شكلًا آخر من أشكال التواطؤ؟ إننا نرى العنف في أفلام كثيرة ثم ما نلبث أن ننساه سريعًا، لأن الفيلم لا يجعلنا نعيش مع العنف وقتًا كافيًا لكي نفهم ثقل ما رأينا. أما عند تار، يأتي الفهم من طول البقاء، وليس من كثافة الحدث.
وحسب رأيي الشخصي لم يكن بيلا تار عدميًا بالمعنى السطحي للكلمة، إذ لم يكن يقول أن "لا شيء مهم" أو يحتفي بالفراغ بوصفه موضةً فكرية. لكن عدميّته -إن صح التعبير- كانت أقرب إلى السؤال النيتشوي الأكثر قسوة :«ماذا يبقى بعد أن تفقد المعاني الكبرى سطوتها؟».
إن «حصان تورينو» (The Turin Horse, 2011) هو ذروة هذا السؤال. فيلمٌ لا يشرح ولا يرمز ولا يَعِدُ بأي شيء. تدور أحداثه حول ستة أيام من حياة رجل وابنته، ملتقطةً روتينهم اليومي الثابت: من الاستيقاظ، إلى تكرار إعداد وتناول الطعام، ثم محاولة إضرام النار، وصولا إلى العاصفة التي لا تتوقف. ليس هناك تصاعد في اﻷحداث، ولا توجد حبكة كبرى، وليس هناك من خلاص.
لا ينهار عالمهما فجأة. نرى النور يخفت، بينما يرفض الحصان الأكل، وتفقد الحركة معناها. وفي اليوم الأخير لا يحدث شيء "جديد"، ليكون "غياب الحدثِ" هو الحدثُ بحد ذاته، الذي يأتي كإعلان على أن التلاشي قد بلغ نقطةً لا يعود معها الاستمرار ممكنًا.
في هذا الفيلم، لا تظهر نقطة الانهيار كانفجار، وإنما نراها في صورة تآكل بطيء، أو استنزاف مضنٍ. وحين يصبح الاستمرار بلا مبرر، لا يبقى هناك ما يُقال. وهنا، تختلف عدمية تار عن العدمية الاستعراضية التي تحبذ أن تكون أنيقةً وباردة، فهو لا يجعل اليأس يبدو "صورة جميلة"، بل يجعله مرهقًا، ثقيلًا، ولا نهائيًا. وهذا هو الرعب الحقيقي، أن النهاية لا تأتي في صورة كارثة عظيمة، بل كعجزٍ تدريجي عن الفهم والحركة والتبصر.
اللقطة الطويلة كموقفٍ أخلاقي
يعدّ الملل أحد أكثر الاتهامات شيوعًا لسينما بيلا تار، لكن هذا الاتهام بحد ذاته يغدو اعترافًا ضمنيًا بفكرة أخلاقية عميقة، مفادها أننا لم نعد نحتمل الزمن غير المنتج، الزمن الذي لا يمنحنا مكافأة فورية. فالملل في أفلامه ليس فشلًا، بل استراتيجية أخلاقية واعية، فهو يُعيد إنتاج الزمن كما نعيشه في الواقع، أي زمن الانتظار، والتكرار، والأيام المتشابهة وما تحمله من رتابة، وإيماءات صغيرة لا تؤدي إلى شيء.
وبهذا المعنى، لا يصبحُ الملل عيبًا فنيًا، بل مرآة أخلاقية. فإذا كنا عاجزين عن احتمال مشاهدة شخصيات تعيش في فراغ، فهل يعني ذلك أننا عاجزون أيضًا عن احتمال الاعتراف بفراغات حياتنا نفسها؟!
إن ما يُشكلّ هيكلة الزمن في سينما تار هي اللقطات الطويلة المتصلة. اللقطة الطويلة عنده ليست مهارة تقنية، بل مسؤولية، فأن تترك الكاميرا تعمل دون قطع يعني أنك تقبل الزمن كما هو، دون تعديل ودون تزيين.
يتجلّى هذا بوضوح في فيلمه «تناغمات فيركمايستر» (Werckmeister Harmonies, 2000)، وتحديدًا في مشهد الشغب.
لا يقدَّم هذا المشهد، الذي تدور أحداثه في المستشفى، كمشهدٍ من مشاهد الذروة التي تُشبع شهوةَ الدراما، وإنما كمسارٍ مظلم تتشكّل فيه الوحشية أمامك. لا يبدو العنفُ هنا صورة للبطولة، بل فعلًا جماعيًا، بطيئًا، صامتًا، بلا موسيقى تُرشد عاطفتك. فأنت ترى الأشياء وهي تتكسّر، وترى الأجساد وهي تُهان، وترى كيف يمكن للجماعة أن تتحوّل إلى كائنٍ واحدٍ بلا عقل.
ثم يحدث ما هو أكثر إيلامًا، يتوقف الحشد فجأةً أمام جسدِ رجلٍ عجوز عارٍ، واقف بصمت. لا يشرح الفيلم سبب التوقف، ولا يحوّله إلى درسٍ أخلاقي واضح. يتركه معلّقًا وهشًا وغامضًا. وكأن السؤال الحقيقي ليس "لماذا توقفوا؟" بل "لماذا بدأوا أصلًا؟ وما الذي يجعل العنف ممكنًا بهذه السهولة؟ وما الذي قد يوقفه إن كان سيتوقف أصلًا؟".
سينما بيلا تار هي سينما متفرّدة لا تُقلَّد، إذ إن ما صنعه هذا المخرج العظيم لم يكن "أسلوبًا" جاهزًا، بل موقفًا وجوديًا من الزمن. ورغم أنه بإمكان أي مخرج صنع لقطات طويلة، فإن ما يظلّ مستعصيًا على أي محاولة لنسخِ وتقليدِ أسلوبه هو الإيمان بأن الزمن يستحق أن يُعاش كاملًا، حتى حين تكون وطأته ثقيلة.
في السينما المعاصرة اليوم، أصبح البطء فعلًا محسوبًا حتى في الأفلام "البطيئة"، حيث نراه يقوم على جماليات جاهزة، وتأملٍ ضيقِ الأفق. أما بيلا تار، فلم يكن يصنع أفلامًا ليتم تأملها من بعيد، بل أفلامًا تُجبرك على البقاء داخل الزمن بلا مسافة للحماية. فهو لا يقدم لك "راحة" فنية، ولا يمنحك خلاصًا سرديًا، ولا يعِدك بأن المعنى سيظهر في النهاية، لكن يتركك أمام الزمن كما هو، ويطلب منك شيئًا واحدًا فقط: ألا تهرب.
في العتمة
في المشهد الأخير من «حصان تورينو»، يجلس الأب برفقة ابنته في ظلامٍ دامس. لا توجد موسيقى، ولا نلمح أي حركة، كما لا نسمع أي حديثٍ بينهما. ليس لأن النهاية "حزينة"، بل لأن إمكانية الفعل نفسها توقفت، وكأن العالم وصل إلى نقطة لم يعد بعدها قادرًا على تبرير نفسه.
إن هذا الظلام لا يشبه خاتمةً درامية، بل يبدو أقرب إلى نهاية وجودية، ولا يظهر كإعلان للموت، كما أعلن ذلك نيتشه، بل يتجلّى في هيئة قبول صامت بأن ما كان ممكنًا لم يعد كذلك.
في هذا المشهد المهيب، لا ينهار الأب ولا الابنة، ولا يحتجّان، ولا يودّعان بعضهما، وإنما يكتفيان بالجلوس متسمّرين فقط، في مواجهة هذا الفراغ الموحش. وكأن الجلوسَ ذاته هو آخر فعلٍ يمكن للعالم أن يؤديه.
هكذا يودّعنا بيلا تار. بلا خطابٍ كبير، أو خلاصة تفسيرية، بل بصمتٍ طويل يذكّرنا بأن المُشاهدة، أحيانًا، هي أقسى أشكال المعرفة، وأن السينما في أقصى تجلياتها، لا تأتي لتخفّف عنّا ثقل الوجود، بل لتضَعنا أمامه بلا وساطة.



