فعل الكتابة أشد الأفعال إرهاقًا للنفس والذهن، وتحديدًا عند انتقالها من مستوى إنجاز مهمة ما إلى نمط حياة، وهي اللحظة التي يتحول معها كل موقف أو حدث أو معلومة إلى إضاءة من الممكن توظيفها في منجز كتابي، سواء كان ذلك في إحدى مجالات الإبداع الفني، أو في عملٍ بحثيٍّ، أو مقال نقدي كما هو الحال هنا.
تقوم الكتابة في تخلقها على ركيزتين أساسيتين، هما: الملاحظة والتأمل، وفي كلا الركيزتين نجد أنفسنا نستهدف آخر، سواء إجرائيًا أو خطابيًا. والإجراء المقصود هو توثيق ونشر ما كتب للجمهور، بدأ من النقوش فيما يطلق عليها العصور البدائية وانتهاء بـ منصات التواصل الاجتماعي في آخر قوالب العصر الحديث. أما المقصود بالخطاب فهي اللغة المُستخدمة أثناء الكتابة، فنحن لا ننفك عن استخدام صوت خارجي حتى لو كانت الأداة هي ضمير المتكلم، فنحن إجرائيًا لا نكلم أنفسنا إلا عبر صوتٍ آخر قادم من دواخلنا وظيفته إثبات حقيقتنا فيزيائيًا.
ولعل هذا النوع من التعقيد في توصيف فعل الكتابة يبرهن أنها -كفعل ناتج عن إطار ثقافي خالص- مؤشرٌ على وجود اضطراب نفسي؛ وبالذات عند تقديمها في قالب إبداعي. وهذا ما يفسر إمكانية تجسيد كافة التصورات المنافية للمنطق والثوابت العلمية والممارسات المُجرمة قانونيًا وأخلاقيًا في قالب فني، ليتم بعد ذلك قبولها والإيمان بها، في تواطؤ بين المبدع والمُتلقي على أن ما تتم مشاهدته أو قرأته لا يعدو أن يكون ما اخترت تسميته بـ"الكذب الجمالي"، أي استساغة الكذب في حدود الجمال، وتصنيف زيادة مقداره في أي عمل إبداعي كمفتاحٍ رئيسيٍّ لنيل إشادة المهتمين والمختصين بذات القدر.
وما بين فكرة الاضطراب النفسي، باعتباره تفسيرًا لفعل الكتابة وفق الآلية المذكورة آنفًا، وبين ربطه بتوصيفٍ جمالي يحوِّل الكذبَ من أكثر الممارسات الدنيوية قبحًا إلى معيار إبداعي فني، نجد أن من يمتهن الكتابة هو شخص من غير السهل فك رموز تقلباته المزاجية والعاطفية، والوصول إلى حلٍّ منطقيٍّ يُفسر دوافعَ مواقفه الشخصية تحديدًا، فضلاً عن التنبؤ بما ينوي الإقدامَ عليه في مجمل قراراته المصيرية في الحياة، دون أن نُهمل أنه يمتلك تفسيرًا لكل فعلٍ يصدر منه، بل وتبريرًا له معطياتٌ ضاربةٌ في عمق المنظومة الأخلاقية والثقافية، ما يُظهره في صورة شخصٍ ممسكٍ بتلابيب الحق ولو كان موقفه نابعًا من باطلٍ محض.
التمهيدُ السابق في الحديث عن الكتابة والكاتب هي عتبةٌ نعبرها لفهم ملامح القراءة النقدية التي ستتناول فيلم «الرجل الذي تعثر بكلماته»، الذي عُرض في النسخة الثانية عشر من مهرجان أفلام السعودية. ولكن حتى يكتمل هذا التمهيد لابد أن نَضعَ الفيلم المُنتج حديثًا في مجال لازالت الصنعة فيه لم تُكمل عقدها الأول، أي في خانة سينمات غربية وعربية عريقة أنتجت أفلامًا مستوحاةً من سيرةٍ شبه ذاتية لتجسيد أزمات الكتاب، سواء من جهة فهمهم لذواتهم، أو صراعاتهم مع السلطات المتنوعة من جهة أخرى. ويَستوقفني، في هذا التصنيف، فيلمان مهمان، هما: «الريشات» (Quills, 2000) للأمريكي فيليب كوفمان، و«المصير» للمصري يوسف شاهين.
الفيلم الأول يتناول سيرةَ الكاتب الفرنسي دو ساد الذي عاش في عصر نابليون بونابرت، وبسبب كتاباته التي صُنّفت كأعمالٍ متجاوزة للأعراف والقيم الدينية، تم إيداعه مصحة نفسية؛ بهدف الحد من ضرر ما يكتبه، وتأثيره على مبادئ وأخلاقيات المجتمع. ورغم هذه الصرامة الممارسة في حقه بتكميمِ صوته ومنعه من التواصل مع الجمهور، إلا أن هذا الكاتب المتمرّد وجد له طريقًا للنشر، وذلك من خلال تسخير عاملة المغسلة الجميلة، التي تلعب دورها الممثلة البريطانية كيت وينسلت، لتسريب ما يكتبه إلى ناشرٍ خارجَ أسوار المصحة. يسجِّل الفيلمُ مشاهدَ لافتة حول طريقة التعامل مع الكاتب الخارج عن قيود الجماعة، أهمها قرارُ السلطة السياسية، منذ البداية، بتشخيصه كمعتلٍ نفسيٍّ. الأمر الذي انعكس سلبًا على القس الذي يدير المصحّة والذي سمحَ لنفسه بممارسةِ كافةِ أنواع البطش والتعذيب بحق دو ساد، والتي انتهت بقطع لسانه. ورغم قسوة وجبروت ذلك الفعل، إلا أن الكاتب لم ييأس أو يسقط الراية، بل لجأ إلى كتابة أفكاره على الجدار بفضلاته الشخصية، وإمعانًا في التصعيد، يقرر في لحظة استتابةٍ عند الاحتضار، بلعَ صليبِ القس والموت مختنقًا بدلاً من الرضوخ والاستسلام.
لا تكمن أهمية فيلم «الريشات» في تقديم روايةٍ تاريخيةٍ عن شخصية دو سادر الذي يُنسب إليه مفهوم السادية، إذ استُخدمت هذه الشخصية الجدلية، بحسب ما ذكر صنّاع الفيلم، لتقديم معالجةٍ دراميةٍ عن الحدِّ المُلتبِس بين حرية التعبير كحقٍ بشريٍّ أصيلٍ، والتأليب على المُخالف عبر توظيف أدوات السلطة المتنوعة ضده. إذن، تكمُن أهمية الفيلم في تسليط الضوء على أزمةٍ جذريةٍ بين أصحاب الفكر بما يمثِّلونه من نزعة نحو الاختلاف وعدم الانصياع للسائد، وبين السلطة بوصفها هيمنةً تقوم على فرض شكلٍ صارمٍ للمسافات وحدود العلاقة بينهما وبين المجتمع؛ فضلاً عن علاقة الأفراد ببعضهم البعض. ولعلّ ما خلص إليه الفيلم، من خلال إبراز صورة سيئة للسلطة متمثلة في قطع لسان الكاتب في مرحلة سبقت قتله، والتي رد عليها دو سادر باستخدام الفضلات للتعبير عن رأيه، لهي قمّة التجسيد لفداحة الصراع بين طرفين نقيضين في تركيبَتهما وفي تصورهما لدورهما في الحياة.
الفيلم الثاني، هو فيلم «المصير» الذي نال المخرجُ بسببه جائزةً خاصةً في النسخة الخمسين من مهرجان كان. ففي هذا الفيلم نجد أن المعالجة الدرامية لشخصية المفكر العربي المسلم ابن رشد غير دقيقة، إلا أن طرفًا من حكايتها تم توظيفه لبيان صراع العقل والتعصب، وأثر ذلك في توظيف الدين لخدمة السلطة. فنجد أن نقطة البداية في هذا الفيلم مختلفة عن سابقه، فابن رشد هو صديق الخليفة المنصور، بل، للدقة، كان مستشارًا له، إلا أن تمكن جماعة متشددة دينيًا من استقطاب ابن الخليفة يقلب الحال في تلك العلاقة، ومعها يتحول المستشارُ إلى خطر يجب التخلص من وجوده في البلاد، فيَصدر قرارٌ بنفيه من الأندلس وحرق كتبه التي تحتوي كفرًا وزندقة، بحسب المناوئين له.
ورغم تمكن مُناصري ابن رشد من نسخ كتبه ونثرها في أصقاع المعمورة، وبالتالي المحافظة على إرث الرجل حتى يومنا هذا، وهو ما ينطوي على أهمية تاريخية ومعرفية كبيرة، إلا أن تلك الأهمية تقابلها أهمية فنية في الفيلم، وهي اللعب على فكرة الأضداد على مستويين. الأول، حدة التنافر بين الطرفين بشكل مباشر، ففريق ابن رشد يشتَرك في سمات أساسية وهي الفكر والفن والحب، فيما يقابله فريق مناهض لهذا كله ويعتبر ما سبق لهوًا وهرطقة تستوجب قمعها من أعلى هرم السلطة. الضد الثاني، نفعي براغماتي، وهو التعريض بالسلطة السياسية بأنها تميل لكل جماعة غالبة تمتلك خطابًا قادرًا على حشد الأنصار حولها، ما يجعل تلك السلطة تقبل التوظيف المتبادل مع أيٍّ من تلك الجماعات ما دامت لا تنازع الأمر أهله، وتصرّح بأنها تحت مظلة السلطة القائمة، وأن ما تقوم به هو تعزيز لمشروعيتها.
يتقاطع الفيلمان في عدة عناصر، أهمها أن شخصية الكاتب مُلتبسة بقدرٍ يصعب معها تقديم سيرة درامية ذاتية خالصة عنه، إلا أن تلك الشخصيات من الممكن توظيف جزء من سيرتها لخدمة أفكار وقضايا كبرى، مثل: حرية الرأي والتعبير، والقمع الفكري، ورقابة المؤسسة، وحدود الفن. ونلحظ كذلك، في الفيلمين، تمظهر حضور الدين ضمن السياق العام، ما يسهل عندها استخدامه كأداة ترهيبية في يد السلطة، تشوه من خالها الخصوم وتدعو إلى التحريض عليهم. كما نلحظ مرونة السياسي في احتواء كل تكتل صاعد ما دام سقف طموحه دون كرسي الحكم. أخيرًا، اتفاق السلطات سواء كانت سياسية أو دينية، بمختلف توجهاتها، بأنه لا ضير من توظيف القمع لإسكات الصوت المثقف، والمتمثلة في السجن أو النفي وصولاً إلى القتل، والذي يُقابله تأييد طائفة من المنتفعين الذين لا يرون حرجًا في استخدام الاستبداد ما دام التنكيل يقع على خصومهم.
أمام هذا الأثر السينمائي الثقيل في تقديم شخصية "الكاتب" بكل تعقيداتها وصراعاتها، يأتي الفيلم السعودي القصير «الرجل الذي تعثر بكلماته» ليضع نفسه على هذه الخطوط المُلتبسة. وتستوقفُنا الملاحظة الأولى في كون الفيلم قد أخذ كافة الحساسيات والخطوط الوهمية والفعلية بعين الاعتبار قبل الإقدام على تنفيذ هذا العمل، وذلك عندما قرر صنّاعه تقديمه في قالب مشبّع بالرمزيات. وتلك الحيلة يتكئ عليها كافة المشتغلين في مجالات الآداب والفنون للتعبير عن كل ما يؤمنون به دون أن تطالهم سهامُ الرقابة التي تقيّم كل إبداع بمنطق الريبة والشك. في الوقت نفسه، لا تتيح تلك الحيلة الفنية مجالا للتملص من المقاصد فقط، وإنما تتيح التبرؤ من الأفكار، واعتبار ما يقع من تفسير من قبل الآخرين، سواء كانوا مشاهدين أو نقادًا أو موظفي المؤسسة، أمرًا يخصهم وحدهم أكثر من كونه محاولة فعلية لفكّ شيفرة العمل.
إن مشكلة اللجوء إلى الرمزية تكمن في أنها، وإن بدت سهلة في ظاهرها، تنطوي على قدر من الصعوبة قد يفسد بسببها العمل. فهي مَخرج سليم يمكن معه القفز مثل البلهوان الذي يمشي على حبالِ السيرك دون أن يسقط ويدق عنقه، إلا أنها أيضًا فخٌ يتم من خلاله ترجمة أسهل الأشياء بأصعب الطرق وأعقَدها، ما يشي بكثير من الذكاء والرصيد العالي من الثقافة والمعرفة، وفي ذات اللحظة يُعطي ملمحَ الجبن الكامن في التفاصيل.
الفيلم الذي كتبه وأخرجه مبارك الزوبع يضعنا أمام قصة مبتورة حتى من إجابة الأسئلة الأساسية. فلو قدر لك مشاهدة الفيلم دون قراءة الملخص الدعائي، لن تعرف حقيقة الشخص الذي أمامك، فالظاهرُ منه هو اضطرابُه وحالة التشتت والهذيان التي تعتري سلوكه، لكن من يكون؟ وماذا يعمل؟ ولماذا وصل إلى هذه المرحلة؟ تلك إجابات غائبة عن الشاشة؛ وبالأخص السؤال الأخير، دون بقية الأسئلة، لما يمثله من أهمية بالغة.
وينطوي هذا السؤال على أهميةٍ فنية، نظرًا لوجود ترابط عضوي لا ينفك مهما حدث، بل لا يقبل بحقه أي عذر أو تبرير، ألا وهو «المُسبَّب-السَّبب». وحري هنا التأكيد على عدم وجود مُسبّب وحيد لأي سبب على المستوى السينمائي؛ وهو المجال الذي يُفترض فيه الاعتماد على تقاطع عدة أسباب ذات خلفية نفسية واجتماعية وفكرية لإضافة إثارة وتشويق على عملٍ له طابعٌ بنائيٌّ وبصريٌّ ومجازيٌّ خاص، ومع ذلك يجب في النهاية أن نكتشف المتسبب فيما نشاهده. وعليه لا يُعذر أي صانع فيلم عند قيامه بتغييب الحدث المُسبب لأي سبب؛ بالذات إذا كان محوريًا للحد الذي تدور خلفه كافة الأحداث كما في فيلم «الرجل الذي تعثر بكلماته».
بعد انتهاء الفيلم، اتسعت رقعة السؤال وضاق في مقابلها فهم المغزى والدلالة المقصودة: فهل يضطرب الإنسان من دون سبب؟ كان بإمكان صنّاع الفيلم، في حال تحرجهم أو عدم قدرتهم على الإجابة على السؤال، أن يقدموا تلميحًا يُفهم منه إن كان سبب الاضطراب عائدٌ إلى صراعٍ فكريٍّ ومعرفيٍّ مرَّ به الكاتب فتعثرت على إثره كلماته، أم أن تلك الحالة هي نتيجةُ صدمة عاطفية ألمَّت به فصدَّته عن الكتابة رغمًا عنه، أم أن هناك عاملًا قهريًا وقع عليه نتيجة أرائه وأفكاره فتسبَّب في انهيار صحته النفسية والبدنية للحد الذي يَهيم فيه في الشوارع وهو يُحدِّث نفسه؟
يُثمَّن الاجتهاد الذي قدمه صنّاع الفيلم في طَرق موضوعٍ شائكٍ وملتبس عن عالم الكتّاب، إلا أن المعالجة المطروحة الخالية من عنصر محوري، وهو «المُسبَّب – السبَّب»، قد حوّلت الفيلم إلى مساحة واسعة وفضفاضة، ما صعب معها الإمساك بتلابيب الحكاية فضلاً عن الإلمام بدوافعها والتقاط رموزها. وهنا من المهم تأكيدُ أمر ضروري، وهو أن الكثير من الحكايات التي تُنفَّذ بصريًا وهي مُكبلة بالقلق وهاجس التعرض إلى إساءة الظن أو تأويل المقاصد أو التماس مع المؤسسة، تكون أعمالًا غير مكتملةٍ نتيجة كثرةِ الحذف والتعديل. إن هذا النوع من الأعمال يتطلَّب شجاعةً مسئولةً ورشاقةً احترافيةً كما في الفيلمين السابقين، وفي حال صعوبة تمثّل هذين الشرطين، يُقبل السيرُ على خطى الكثيرين في تقديم ما هو سائد، والذي وإن بدا مملاً ومحبطًا في غالب حالاته، إلا أنه يُفهم ويُستساغ ضمن حدوده وبيئته.
تبقى إشارة أخيرة، وهي تميّز أداء الممثل ثامر الحربي الذي أدى دور الكاتب المضطرب. فقد أجاد تجسيد الشخصية وتقديمها بكل اقتدارٍ أدائيٍّ، رغم ما يعتريها من قصورٍ موضوعيٍّ. ومن يراقب مسيرة الحربي، رغم قلة أدواره سيجد فيها إتقانًا وتنوعًا لافتين. وفي تقديري، إذا تفرّغ للعمل في هذا المجال وتوافرت له الظروف المناسبة، فسيكون له حظوة كبيرة بين بقية الأسماء الموجودة؛ لا سيما وأنه تأسس مهنيًا عبر دورات احترافية صقلت موهبته وطورت إمكانياته الفنية.



