تفكك كيلي ريتشارد أسطورة العبقري المنفرد، وتحوّل فيلم السطو إلى دراسة في الامتياز والذكورة ومعنى امتلاك الفن
إن أخطر أوهام الذكاء هو الذي يمنح صاحبه شعورًا بأنه فهم العالم، بينما يظلّ عاجزًا، في الحقيقة، عن فهم الرغبة التي تقوده. قد ينجح الإنسان في ترتيب فعل معقّد، ويحسب خطواته بدقة، ثم يكتشف أن الخطة كلها لم تكن سوى وسيلة متقنة للهرب من سؤال بسيط: ماذا يريد حقًا، ولماذا يظن أن الحصول عليه سيجعله شخصًا آخر؟
من هذا التناقض تنطلق كيلي ريتشارد في فيلم «العقل المدبّر» (2025 ,The Mastermind)، والذي عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كان العام الماضي. تدور الأحداث في بلدة هادئة بولاية ماساتشوستس قرابة عام 1970، حيث يخطط النجار العاطل جاي بي موني، الذي يؤديه جوش أوكونور، لسرقة أربع لوحات من متحف صغير. تبدو العملية محدودة إذا ما قيست بالسرقات الكبرى التي نراها في الأفلام، لكنها تكفي للكشف عن حياة الرجل من منتصفها ومحاولة معرفة ما يحاول إخفاءه تحت قناع هدوئه وثقته.
لا يريد موني المال وحده. ما يطلبه، في العمق، هو سيرة يستطيع أن يرويها لنفسه: رجل أذكى من المحيطين به، فنان لم تعترف به الحياة، ومتمرّد تجاوز الحدود التي يعيش داخلها الآخرون. تمنحه السرقة فعلًا استثنائيًا يضعه في مركز الحكاية، بعد سنوات ظل فيها ابنًا لقاضٍ نافذ، وزوجًا يعتمد على دخل زوجته، وأبًا يحضر بجسده ويغيب عن مسؤولياته.
هكذا تتحول الجريمة إلى محاولة لاختراع الذات. عجز موني عن إنتاج معنى يخصه، فمدّ يده إلى معنى صنعه فنان آخر. ومن خلال هذه المفارقة، تفكك ريتشارد أسطورة العبقري المنفرد، وتختبر المسافة بين الحرية والامتياز، وبين حب الفن والرغبة في امتلاكه، وبين التمرد الحقيقي والاستعراض الذي يجعل الآخرين يدفعون ثمنه.
العقل المدبّر الذي لا يعرف نفسه
يَعِد عنوانُ الفيلم بعقل يسيطر على التفاصيل ويكون دائمًا متقدمًا على غيره بخطوة. غير أن موني يعرف كيف يبدأ الخطة، لكنه لا يعرف كيف يدير الأمور بعدها. فرغم أنه يجيد رسم مخطط المتحف، ومراقبة الحراس، واختيار المنفذين، إلا أنه يُعامل الواقع كأنه ملزمٌ باحترام الصورة التي أعدّها على الورق. حين تتحرك الشخصيات بإرادتها، أو يطرأ عنف لم يضعه في الحسبان، يتصدع البناء كله.
إن خطأه الأساسي أخلاقي قبل أن يكون تقنيًا، إذ يضع الناس داخل وظائف محددة، ما بين شريك ينفذ، وزوجة تخيط الأكياس، وأم تقرض المال، وأب يمنح الاسم حصانته الاجتماعية، وصديق يفتح بيته عند الحاجة. دون أن يدرك أن كل واحد منهم يملك حياة مستقلة، ويمكن أن يرفض الدور المرسوم له. لذلك يفهم كل عصيان بوصفه خيانة، ولا يقر بمسؤوليته عن الفوضى التي صنعها.
يعرف موني الكثير عن اللوحات والقليل فقط عن نفسه. وثقافته لا توسّع نظرته إلى البشر؛ لكنها تتحول إلى مرآة يتأمل فيها تفوقه. هذه المسافة بين المعرفة والوعي هي ما يشكل جوهر الشخصية. فرغم كونه قادرًا على شرح قيمة عمل فني، إلا أنه لا يستطيع تبرير حاجته إلى سرقته. فهو يرى أن الغموض الذي يحيط برغبته دليلٌ قاطع على عمقه، في حين أنه أقرب إلى فراغ لم يمتلك الشجاعة لمواجهته.
تمنحه علاقته بأبيه، القاضي، طبقةً أخرى من التعقيد ونوعًا من التجاذب، إذ يحاول الابن التمرد عن سلطة الأب، لكنه ينتظر منه الاعتراف به في الوقت نفسه. وعندما يسخر الأب من ضآلة طموح اللصوص، تصل الإهانة إلى موني من دون أن يعرف مصدرها. بل حتى جريمته التي أراد بها إعلان استقلاله تحتاج إلى عين الأب لكي تكتسب قيمتها؛ فهو لا يتحرّر من الحكم، وإنما يتطلّع إلى نيل إعجاب أكبر عبره.
تتجاوز ريتشارد قوالب التفسير النفسي الجاهزة، فهي لا تمنح موني ماضيًا صادمًا يبرئه، ولا تحوّله إلى شرير مكتمل الملامح، إذ يظل رجلًا عاديًا يسيء استعمال المساحة التي أتاحتها له طبقته وجنسه وعائلته. غير أن هذا التحفظ الذي تُبديه المخرجة يحجب أكثر مما يظهر؛ إذ تصل الدلالة الاجتماعية بوضوح إلى المشاهد، بينما يبقى الجرح الشخصي الذي يغذي نرجسية البطل أقل وضوحًا من الأطروحة المبنية عليه.
سرقة الجمال وامتلاك المعنى
لا يختار موني الأعمال الأشهر أو الأعلى ثمنًا، وإنما يقع اختياره على أربع لوحات لآرثر دوف (Arthur Dove)، أحد رواد التجريد الأمريكي. تمنحه معرفة الاسم الأقل تداولًا إحساسًا بذائقة خاصة تميّزه عن اللص العادي. فحتى الجريمة ينبغي أن تؤكد أنه أكثر رهافة من منفذيها، وأن علاقته بالفن تسمح له بمكانة لا يمنحها القانون لغيره.
يتحول الفن هنا إلى رأسمال ثقافي. فموني لا يتأمل اللوحة كي يخرج من ذاته، وإنما يستعملها كي يرفع قيمة تلك الذات في نظره. يريد أن تنتقل إليه هالة العمل بمجرد امتلاكه له، كأن حمل القماش يمنحه صبر الفنان، ومعرفة الاسم تعوّض العجز عن الإنتاج. إنه يريد حيازة ثمرة الإبداع من دون هشاشة المحاولة الطويلة التي تسبقها.
تضع السرقة هذا الوهم أمام امتحان مادي قاسٍ. فعلى جدار المتحف تبدو اللوحات نوافذَ إلى عالم أوسع؛ أما خارج القاعة فلا تغدو سوى إطارات ثقيلة تحتاج إلى فكّ وحمل وإخفاء. تطيل ريتشارد زمن الحركة، فنشعر بخشونة الحواف وارتباك الأجساد. وما تخيله موني فعلًا ذهنيًا أنيقًا يعود إلى وزنه الحقيقي على أرض الواقع: مادةٌ تثقل بحملها اليد ولا تعترف بالأسطورة التي نسجها خيالُ صاحب الخطة.
في المتحف يدخل العمل في علاقة مع جمهور تتعدد نظراته، أما في مخبئه فيتحول إلى ملكية سرية محرومة من التداول. ولذا فإن موني لا يحرر الفن من المؤسسة؛ وإنما ينتزعه من المجال العام ليصنع امتيازًا فرديًا. لكن المفارقة تكمن في كونه يحصل على الشيء، بينما يفقد في المقابل الصلة التي جعلته ذا معنى. وهي مفارقة تتجاوز الجريمة بحد ذاتها، إذ كثيرًا ما نطلب من الممتلكات أن تمنحنا هوية، ثم نكتشف أن البيت أو السيارة أو اللوحة ليس في استطاعتهم إنجاز العمل الداخلي الذي تهرّبنا منه.
يبلغ الفيلم أقوى لحظاته حين يترك ثقل اللوحات يصحح أوهام البطل من دون خطاب. مع ذلك، لا تحصل أعمال دوف نفسها على زمن بصري كافٍ ليبني المشاهد علاقة حسية معها. نفهم قيمتها الرمزية في مشروع موني، لكننا لا نختبر خسارتها بوصفنا جمهورًا حُرم فعلًا من الجمال. هنا تصبح اللوحات أدوات في تشريح الرجل أكثر من كونها حضورًا مستقلًا، وكأن منحها مساحة أطول سيجعل سؤال الامتلاك أكثر ثراءً وأقل خضوعًا للتفسير.
حرية يدفع ثمنها الآخرون
يقدّم موني نفسه كفرد يرفض النظام، بينما تكشف تفاصيل حياته أن استقلاله ممول بالكامل من الآخرين. تقرضه أمه المال، وتحمل زوجته تيري، التي تؤديها (ألانا هايم)، أعباء المنزل والعمل، ويستفيد من مكانة أبيه حين تضيق الشرطة عليه الخناق، ثم يلجأ إلى أصدقائه بعدما يصبح الهرب أثقل من قدرته على الاحتمال. ومن خلال هذه الارتباطات، يبني موني صورةً لرجلٍ صنعَ نفسه بفضل شبكة علاقات توفر له قدرًا من الرعاية يتهرب من الاعتراف بها.
تختصر الأكياس التي تخيطها تيري جانبًا كاملًا من هذه العلاقة. تؤدي الزوجة عملًا منزليًا دقيقًا من دون أن تعرف الغرض منه، فيحوّل موني فعل الرعاية إلى أداة داخل مشروع لا تملك فيه الزوجة حق الموافقة أو الرفض. ويحتفظ لنفسه بلذة المخاطرة، كما يوزع نتائجها على الأسرة والشركاء. وحين ترفض زوجته تمويل محاولة الهرب، يتوقف العالم أخيرًا عن حماية الوهم الذي سمّاه حرية.
تدور أحداث الفيلم في بداية السبعينيات، في لحظة اهتزت فيها الصورة التقليدية للرجل الأمريكي. فحرب فيتنام أفسدت بلاغة البطولة العسكرية، وحركة تحرير النساء أعادت مساءلة توزيع الأدوار داخل الأسرة، والثقة في المؤسسات بدأت تتآكل. يقف موني وسط كل هذه التحولات بلا موقع واضح، فزوجته أكثر اتصالًا بالواقع، كما يحتفظ أبوه بسلطة لم يبلغها، أما العمل الذي يفترض أن يمنحه مكانة اجتماعية مستقرة فهو غير متوفر. لذلك يلجأ إلى الجريمة بوصفها أداءً معادلًا للرجولة؛ خطة سرية بديلة، وخطرًا يمنحه شعور الفاعل القادر على تغيير مجرى الأحداث بدل تقمص دور المتفرج السلبي.
لكن رجولته المتمردة تتفادى الكلفة الجسدية. حيث يوزع الأدوار على رجال آخرين، ويبقى في السيارة بصفته «العقل المدبر». وعندما ينقلب السطو إلى عنف يطال موظفي المتحف، يكتشف أن الفكرة الأنيقة خرجت من رأسه وأصبحت قادرة على إيذاء أشخاص لم يظهروا في رسوماته. تذكّرنا ريتشارد بأن المسؤولية لا تتوقف عند النية؛ فمن يطلق قوة على العالم يتحمل أيضًا مسئولية المسار الذي يتيحه لها.
يحمل هذا المحور واحدًا من أقسى أحكام الفيلم على الفردانية الأمريكية، فادعاءُ الاستقلال قد يُخفي وراءه اعتمادًا واسعًا على عمل غير مرئي، تؤديه غالبًا نساء أو أشخاص أقل امتيازًا. ومع ذلك، تقع ريتشارد جزئيًا في المأزق الذي تنتقده؛ إذ نرى تيري والأطفال من خلال الأثر الذي يتركونه -المؤدي إلى سقوط موني- أكثر مما نراهم أصحاب حيوات مكتملة. قد ينسجم ذلك مع ضيق أفق البطل، لكنه يقلل حضور الكلفة الإنسانية التي يريد الفيلم فضحها.
سطو بلا بطولة
تقوم أفلام السطو التقليدية على لذة الكفاءة، من خلال فريق يعرف مهمته، وتتزامن ساعاتهم مع المدة المحددة لإتمام المهمة، وتستسلم لهم الأقفال المستعصية، في خطة محكمة تهزم المؤسسة. تحتفظ ريتشارد بهذه العناصر كي تسحب منها بريقها. فالسرقة في «العقل المدبّر» مرهقة ومرتبكة؛ إذ نرى الأجساد تتعثر، والأكياس تبدو بدائية، والتوقيت يختل، والعنف لا يعرف الحدود. ويظلّ السؤال الذي يحكم المشهد: كيف صدّق هذا الرجل أن العالم سيُطيع تخيلاته؟
تحدث السرقة مبكرًا، وسرعان ما يتحول الفيلم إلى دراسة في عواقبها. لقد كان موني قادرًا في البداية على إنتاج حبكة تتكون من هدف وفريق وموعد، وطريق للهروب. بعد العملية، أصبح شخصية تطاردها النتائج، وبالتالي تغير شكل السرد نفسه. فنرى تراجع الحركة المباشرة، واستطالة فترات الانتظار، كما تنتقل عملية الهرب من بيت إلى آخر في مسار يفقد خلاله الرجل المال والأسرة واللوحات والأصدقاء، ثم يفقد حتى القدرة على تعريف نفسه.
يستخدم مدير التصوير كريستوفر بلاوفلت (Christopher Blauvelt) ألوانًا ترابية وخريفية تجعل السبعينيات زمنًا مستهلكًا أكثر منها بطاقة بريدية للحنين. تلتقط الكاميرا الواجهات والطرق وغرف البيوت، وتترك للأفعال اليومية زخمها، من حمل إطار، وربط حذاء، أو حتى انتظار شخص لا يأتي. الزمن هنا أداة نقدية؛ كلما طال الفعل، سقطت عنه الهيبة وظهر البطل في حجمه العادي.
أما موسيقى روب مازوريك (Rob Mazurek) الجازية فتصنع تضادًا ساخرًا بين الصورة التي يتخيلها موني عن نفسه وما تراه الكاميرا. تمنحه الأبواق إيقاع المجرم الأنيق، بينما تكشف حركته عن رجل يفتقر إلى الحسم. تبدو الموسيقى كما لو كانت الفيلم البطولي الدائر في رأسه، لكنها سرعان ما تتحول مع انهيار الخطة إلى نبض قلق يطارده. أحيانًا تمنحه هذه الموسيقى جاذبية تفوق المسافة النقدية التي يُريدها العمل، إلا أن التوتر نفسه يظلّ حاضرًا، فبينما تفضح الصورة الوهمَ، يُغري الصوت بالاندماج فيه.
ومن خلال كتفيه المنحنيين، ونظرات تنتظر الاعتراف، وصوتٍ هادئ يخفي استحقاقًا عميقًا، يبني جوش أوكونور أداءه ببراعة. وهو لا يفصل بين الغرور وانعدام الثقة؛ ذلك أن كلاهما يصدر عن خوف واحد من أن يكون الرجل بلا قيمة. يحافظُ الأداء على مسافة تمنع التبرير السهل، ويترك الشخصيةَ مسؤولة عن أفعالها من دون أن يحولها إلى وحش خارج عن السيطرة.
تنجح هذه الصرامة في تحرير الفيلم من الإثارة الرخيصة، لكنها في المقابل تجعله يدفع الثمن. وتجسد بعض محطات الهرب عزلةَ موني بعد أن صار معناها واضحًا، كما يتحول البطء أحيانًا من تجربةٍ لانهيار الزمن إلى إعادةٍ للفكرة نفسها. فقد كان يمكن للجزء الأخير أن يحتفظ بالتقشف ويكتسب كثافة أكبر لو كشفت كل محطة عن طبقة جديدة، بدلًا من الاكتفاء بإثبات أن الأبواب تُغلق تباعًا.
التاريخ الذي دخل من الهامش
تحضر حرب فيتنام في نشرات الأخبار وأجهزة التلفاز والشوارع قبل أن تقترب من موني. في مطلع الفيلم يسرق تمثالًا لجندي صغير من المتحف؛ في حركة تبدو كما لو كانت اختبارًا تجريبيًا لسهولة السرقة، غير أنها تكتسب دلالة أوسع. فبينما تُرسل أجساد حقيقية إلى الحرب، يضع هو جنديًا مصغرًا في جيبه، مختزلا التاريخ في شيء صغير يمكن إدخاله في حكايته الخاصة.
تتحرك الاحتجاجات في الخارج، ويظل الرجل مشغولًا بجريمته. لا يملك موقفًا من الحرب، لكنه يرغب في تقمص هيئة المتمرد. ومن هنا، يقارن الفيلم بين غضبٍ جماعي يسعى إلى تغيير الواقع وضيقِ أفقٍ فردي يريد استثناء صاحبه من القواعد. يخاطر المتظاهرون من أجل قضية تتجاوزهم، أما موني فيجعل الآخرين يخاطرون كي يضيف فصلًا مثيرًا إلى سيرته.
تربط ريتشارد اللامبالاة السياسية بالتمتع بالامتياز، إذ يستطيع موني اعتبار الحرب خبرًا بعيدًا لأن أجسادًا أخرى تدفع ثمنها، ولأن أموال الأم وعمل الزوجة واسم الأب يحيطونه بطبقات من الحماية. لا يعيش خارج المجتمع كما يتوهم؛ بل يعيش في أكثر مناطقه أمانًا، ثم يقرأ هذا الأمان بوصفه تفوقًا شخصيًا.
في النهاية يدخل مصادفة وسط مظاهرة مناهضة للحرب أثناء هربه، فتعتقله الشرطة مع المحتجين. ولعل المفارقة هنا تكمن في أنه رغم ارتكابه لجريمة فعلية، إلا أن السلطة تمسك به داخل قضية لم يؤمن بها قط، وليس له ضلوع فيها. يقول إنه ليس واحدًا منهم، فلا تعبأ الشرطة بتصريحاته، ولا بتفرده. وبعد أن أمضى حياته مقتنعًا بأنه يختلف عن الجميع، يتحول في لحظة إلى جسد مجهول داخل الحشد.
يتقاطع ما هو خاص مع ما هو سياسي على نحو ساخر وقاسٍ. فما تركه موني في الخلفية يتحرك إلى مركز الصورة ويبتلعه، ويذكّره بأن الفرد لا يخرج من التاريخ بمجرد تجاهله. غير أن النهاية مصممة بإحكام رمزي يفوق الغموض الهادئ لبقية الفيلم؛ إذ يقود اجتماع اللص اللامبالي والمظاهرة والاعتقال إلى اكتمال المعنى في صورته كاملة، في حين كانت قوة ريتشارد طوال الوقت نابعة من تركه للمعنى يتسرب ببطء.
ما لا تستطيع اليد سرقته
يفكك «العقل المدبّر» ثلاثة أوهام متجاورة: أن امتلاك الجمال يساوي فهمه، وأن رفض السلطة يساوي التحرر منها، وأن الحرية شأن فردي يمكن عزله عن مسؤولية الآخرين. يريد موني أن تنتقل إليه قيمة اللوحات، وأن تمنحه الجريمة هوية العبقري، وأن تمنحه مغادرة الأسرة صورة الرجل المستقل. لكنه في كل مرة يحصل على الشكل ويفقد الجوهر.
فاللوحة لا تمنح عمقها الجمالي لمن يحملها، والتمرد لا يمنح شرعيته لمن يقلد مظهره، والحرية تفقد معناها عندما تتخذ من حياة الآخرين وقود لها. يظن موني أنه هو من يخط مصيره لوحده، مع أنه يستند إلى شبكة مبنية على الثقة والرعاية والديون. وإنكاره لهذه الشبكة لا يحرره؛ وإنما يجعله مستفيدًا عاجزًا عن رؤية من يحملونه.
تستمد المخرجة قوة الفيلم من تحويل سرقة محدودة إلى تشريح للطبقة والذكورة والفردانية وعلاقة الإنسان بالفن في المجتمع الأمريكي. ولعلها تحرز نجاحًا أكبر عندما تجعل الشكل نفسه ينتج ويعبر عن الفكرة: ثقل اللوحات، برودة الألوان، إطالة الزمن، والتناقض بين الجاز المرتجل والجسد المتردد. ويعتري أسلوبها الضعف حين تتكرر محطات الانهيار، أو تجعل الشخصيات المحيطة بالبطل دلائل على أزمته بدلًا من حصولهم على مساحتهم الخاصة، أو حين تحمل النهاية رمزًا أوضح من بقية البناء السردي.
هذه الحدود لا تقلل من قيمة الفيلم؛ لكنها تكشف عن طبيعة رهانه. إنه عمل يفضّل المراقبة على الانفعال، والأسئلة الأخلاقية على الإشباع الدرامي، وتبعات الجريمة على لذتها. تبلغ رؤيته ذروتها حين يصبح التقشف طريقًا إلى المعنى، وتفقد شيئًا من أثرها عندما يبدو التقشف غاية قائمة بذاتها.
أراد موني أن يكتب لنفسه حياة استثنائية، فعامل الفن كملكية، والبشر كأدوات، والعالم كخشبة لمغامرته. لم يستطع صناعة عمل فني، فسرق عملًا؛ ولم يستطع بناء ذات مستقلة، فاستعار من الآخرين المال والعمل والحماية. وفي النهاية لم يمتلك سوى الأشياء التي استطاعت يده حملها، بينما ظل المعنى، وهو الشيء الوحيد الذي احتاج إليه، عصيًّا على السرقة.



