يُعد فيلم «أحدهم طار فوق عش الوقواق» (One Flew Over the Cuckoo’s Nest, 1975) من إخراج ميلوش فورمان (Miloš Forman)، من الأفلام التي تجعل المشاهد يفكر في الإنسان أكثر مما تجعله يفكر في أحداث القصة نفسها. الفيلم المقتبس عن رواية* كين كيسي (Ken Kesey) والتي تحمل نفس العنوان، يبدو في بدايته وكأنه يتحدث عن رجل دخل مستشفى للأمراض النفسية، لكن مع مرور الأحداث يتحول إلى نقاش عن الحرية والخوف والسلطة والمشاعر، وعن الطريقة التي يمكن أن يتغير بها الإنسان عندما يدخل حياة أشخاص لا يشبهونه. وهذا تحديدًا هو الجانب الذي جعلني أرى الفيلم قريبًا من واقعنا؛ لأننا في حياتنا اليومية لا نتعامل دائمًا مع أشخاص يشبهوننا في التفكير أو الشخصية، ومع ذلك قد تربطنا بهم مواقف ومشاعر أقوى من أي تشابه فكري.
تدور القصة حول راندل مك ميرفي (جاك نيكلسون)، وهو رجل متمرد لا يحب القيود، يودع في مؤسسة علاج الأمراض النفسية بدلًا من قضاء عقوبة في السجن. في البداية، يبدو أن هدفه بسيط: أن يعيش بأقل قدر ممكن من القواعد وأن يستفيد من الوضع الموجود حوله. لكنه عندما يتعرف على المرضى الموجودين في المؤسسة، يبدأ بالتدخل في حياتهم وتشجيعهم على مواجهة خوفهم والتعبير عن أنفسهم. ومع الوقت، لا يعود وجوده بينهم مجرد محاولة للترفيه عن نفسه، بل يصبح له تأثير حقيقي فيهم، وفي المقابل يبدأون هم أيضًا بالتأثير فيه.
الشيء الذي لفت انتباهي في شخصية مك ميرفي هو أنه لم يدخل المكان لأنه يرى نفسه مسؤولًا عن الآخرين. بالعكس، كان في البداية يفكر في نفسه، وربما كان ينظر إلى الأشخاص الموجودين حوله باعتبارهم مختلفين عنه بشكل كبير. وهنا يأتي السؤال الذي أراه مهمًا في الفيلم: لماذا سمح شخص مثل مك ميرفي لنفسه بأن يقترب من أشخاص لا يشبهونه في طريقة التفكير؟ ولماذا استمر في ذلك رغم أنه كان يستطيع ببساطة أن يهتم بنفسه فقط ويبتعد عن مشاكلهم؟ أعتقد أن الإجابة لا تعتمد على المنطق وحده. أحيانًا يقترب الإنسان من شخص آخر لأنه يشعر تجاهه بشيء من الفضول والاهتمام، وليس لأنه وجد فيه نسخة مطابقة لنفسه.
في الحياة، نعتقد أحيانًا أننا نختار الأشخاص بناءً على العقل والمنطق. نقول إننا نرتاح لمن يشبهنا، ونفضل من يفهمنا، ونبتعد عن الشخص المختلف عنا. لكن الواقع ليس بهذه البساطة. قد تقابل شخصًا مختلفًا عنك في طريقة التفكير والشخصية، وربما لا تتفق معه في أشياء كثيرة، ثم تجد نفسك رغم ذلك مهتمًا به. وقد يكون السبب موقفًا واحدًا فقط: كلمة قالها في وقت صعب، أو وقوفه بجانبك عندما لم يكن مضطرًا لذلك، أو لحظة ضحكتما فيها معًا. هذه المواقف الصغيرة قد تبني علاقة أقوى من الكثير من الأشياء التي نظن أنها مهمة.
وهذا بالضبط ما يجعل الفيلم منطقيًا من الناحية الإنسانية، حتى لو كانت بعض تصرفات الشخصيات قابلة للنقاش. من غير المنطقي أن نتوقع من الإنسان أن يتعامل مع الآخرين بعقل بارد طوال الوقت. المشاعر ليست معادلة رياضية؛ لا يمكن أن نقول إن هذا الشخص مناسب لي لأن لديه الصفات نفسها، أو إن هذا الشخص لا يستحق القرب مني لأنه مختلف عني. في كثير من الأحيان، المشاعر تبدأ قبل أن نعرف سببها. وبعدها يأتي العقل ويحاول تفسيرها. ولذلك أرى أن قرار مك ميرفي بالاقتراب من الآخرين يصبح مفهومًا عندما ننظر إليه من ناحية إنسانية، وليس من ناحية المصلحة فقط.
الفيلم أيضًا يوضح أن الاختلاف لا يعني أن أحد الطرفين أقل قيمة من الآخر. اختلاف الإنسان في قدرته على التفكير أو التعبير أو التعامل مع المواقف لا يلغي مشاعره ولا حاجته إلى الاحترام. الأشخاص الموجودون في المؤسسة ليسوا مجرد شخصيات غريبة داخل القصة، وإنما هو انعكاس لأشخاص يمكن أن نجدهم في الحياة: شخص يخاف من اتخاذ القرار، وشخص لا يستطيع التعبير عن نفسه، وشخص فقد ثقته بنفسه، وشخص اعتاد أن يترك الآخرين يقررون عنه. ومك ميرفي، رغم عيوبه واندفاعه، جعلهم يشعرون لفترة بأن لديهم الحق في والقدرة على الاختيار.
ومن هنا تظهر الفكرة الأقوى في الفيلم بالنسبة لي: أحيانًا لا نغيّر الآخرين بالنصيحة، وإنما نغيّرهم بالموقف. عندما يرى الإنسان شخصًا يواجه الخوف بدلًا من الهروب منه، قد يبدأ هو أيضًا بالتفكير على نحو مختلف. وعندما يشعر بأن هناك شخصًا يصدقه ويعطيه مساحة ليكون نفسه، قد يستعيد جزءًا من ثقته بنفسه. وهذا يحدث في حياتنا كثيرًا. ربما لا نتذكر كل الكلمات التي قالها لنا شخص ما، لكننا نتذكر جيدًا من وقف معنا عندما كنا بحاجة إلى أحد.
في المقابل، يوضح الفيلم أن الارتباط بالآخرين له ثمن. عندما تسمح لشخص بأن يصبح مهمًا بالنسبة إليك، فإنك تصبح معرضًا للتأثر به وبما يحدث له. مك ميرفي بدأ الأمر وكأنه لعبة بالنسبة إليه، لكنه مع الوقت أصبح أكثر ارتباطًا بالأشخاص الموجودين حوله. وهنا تحولت المسألة من الحرية الشخصية إلى المسؤولية تجاه الآخرين. وهذا شيء نعيشه في علاقاتنا أيضًا؛ فقد نبدأ صداقة أو علاقة ونحن لا نتوقع منها الكثير، ثم يأتي موقف يجعل الطرف الآخر مهمًا بالنسبة لنا، وبعدها تصبح قراراتنا مرتبطة بمشاعره ومواقفه.
أما شخصية الممرضة راتشد (لويز فليتشر)، فتمثل في الفيلم جانبًا آخر من المشكلة، وهو السيطرة عندما تتحول القواعد إلى وسيلة لإخضاع الإنسان. وجود النظام في حد ذاته ليس أمرًا سيئًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح النظام أهم من الإنسان، وعندما يصبح الخوف من العقوبة أقوى من قدرة الشخص على التعبير عن نفسه. ولهذا فإن الصراع بين مك ميرفي وراتشد ليس مجرد صراع بين شخصين، لكنه صراع بين رغبة الإنسان في الاختيار وبين سلطة تريد أن يبقى كل شيء تحت السيطرة.
ومن وجهة نظري، لا يقدم الفيلم مك ميرفي باعتباره شخصًا كاملًا أو بطلًا لا يخطئ. فلديه عيوب واضحة، ويتسبب اندفاعه أحيانًا في نتائج خطيرة، وبعض قراراته تكون أنانية أو غير محسوبة. وهذا ما يجعل الشخصية أكثر واقعية؛ لأن سمات الإنسان الحقيقي ليست حدية؛ إما أبيض أو أسود. قد نفعل شيئًا جيدًا لسبب غير جيد، وقد نرتكب خطأ ونحن نحاول مساعدة شخص آخر. لذلك لا أرى أن قيمة مك ميرفي في كونه شخصًا مثاليًا، وإنما في استطاعته، رغم عيوبه، أن يرى في الآخرين شيئًا يستحق الاهتمام.
في النهاية، أعتقد أن «أحدهم طار فوق عش الوقواق» لا يتحدث فقط عن مستشفى أو عن مجموعة من المرضى، وإنما عن شيء نعيشه جميعًا بطريقة أو بأخرى. نحن نلتقي بأشخاص مختلفين عنا، ونحاول أحيانًا أن نفهم لماذا نشعر تجاههم بالقرب أو النفور. وقد نعتقد أن اختلافنا عنهم يعني أننا لا نستطيع أن نكون قريبين منهم، ثم يأتي موقف واحد ويثبت لنا العكس. الإنسان لا يرتبط بالآخرين دائمًا لأنهم يشبهونه، بل أحيانًا لأن اختلافهم يكشف لنا جانبًا من أنفسنا لم نكن نراه.
لذلك، فإن أكثر فكرة بقيت معي بعد مشاهدة الفيلم هي أن المشاعر والمواقف قد تكون أقوى من المنطق في تحديد علاقتنا بالآخرين. قد لا يكون الشخص الذي نرتبط به هو الأكثر شبهًا بنا، ولا الأكثر توافقًا معنا في كل شيء، لكنه قد يكون الشخص الذي جعلنا نشعر بأننا مفهومون أو مسموعون أو لسنا وحدنا. وفي النهاية، لا يمكن قياس قيمة الإنسان بمقدار تشابهه معنا، ولا يمكن فهم كل علاقة إنسانية بالعقل وحده. بعض العلاقات تبدأ بسبب موقف، وتستمر بسبب شعور، وتترك أثرها لأن الإنسان بطبعه يحتاج إلى إنسان آخر، حتى عندما يكون مختلفًا عنه.



